سيطرة وادي السيليكون على قطاع التكنولوجيا تتراجع بسبب وباء «كوفيد - 19»

قائمة صغيرة لكن بارزة من شركات التكنولوجيا.. والمستثمرون غادروا المنطقة

سيطرة وادي السيليكون على قطاع التكنولوجيا تتراجع بسبب وباء «كوفيد - 19»

خلال معظم سنوات العقد الماضي، واجهت منطقة وادي السيليكون في خليج سان فرانسيسكو ضغوطًا كبيرة لاستيعاب النمو الهائل في قطاع التكنولوجيا. وذلك بسبب زيادة أعداد المهندسين ذوي الرواتب المرتفعة، وارتفاع تكاليف الإسكان، وازدياد الازدحام المروري مع انتشار خيام المشردين في شوارع المدينة. والآن تقوم قائمة صغيرة ولكنها بارزة من شركات التكنولوجيا والمستثمرين بمغادرة المنطقة بسبب ذلك.

وأحدث شركة تركت المنطقة هي شركة أوراكل، عملاق قواعد البيانات، التي كان مقرها الرئيسي موجودًا في وادي السيليكون على مدى عقود، ووقعت العام الماضي اتفاقية مدتها 20 عامًا لوضع اسمها على ملعب أوراكل بارك في سان فرانسيسكو جاينتس.


ويوم الجمعة الماضي، قالت شركة التكنولوجيا العملاقة، التي تبلغ قيمتها 180 مليار دولار، إنها غيّرت موقع مقرها الرئيسي إلى أوستن في تكساس، من ريدوود سيتي في كاليفورنيا.

وكشفت أوراكل القليل من التفاصيل عن سبب تغيير مقرها الرئيسي، قائلة إنها ستنفذ سياسات أكثر مرونة للعمل عن بُعد، ولكنها لن تنقل الموظفين.

يأتي ذلك في أعقاب إعلان شركة هاويلت باكارد إنتربرايز - وهي شركة أخرى لتكنولوجيا الأعمال موجودة منذ عدة سنوات في وادي السيليكون - في وقت سابق من هذا الشهر، عن نقل مقرها الرئيسي إلى هيوستن، بالإضافة إلى تحركات مماثلة من قبل الشركات المعروفة ذات رؤوس الأموال الكبيرة في الأشهر الأخيرة.

وخلال الأسبوع الماضي، أعلن إيلون ماسك رئيس شركة تسلا، الذي عاش لفترة طويلة في لوس أنجلوس ويقع مقر شركته بالقرب من سان فرانسيسكو، أنه انتقل إلى تكساس. وانتقد سياسات ولاية كاليفورنيا ووصفها بأنها تقييدية، مرددًا نفس الحجج التي ساقها العديد ممن غادروا منطقة وادي السيليكون.

وتسببت مغادرة مجموعة من الشركات رفيعة المستوى من وادي السيليكون في إزاحة بعض اللمعان عن سمعة المنطقة، باعتبارها عاصمة التكنولوجيا التي لا مثيل لها حول العالم.

وعلى الرغم من اختلاف الأسباب التي تركت بسببها الشركات المنطقة، يبدو أن العديد من التحركات الأخيرة جاءت بسبب جائحة فيروس كوفيد 19، والتي أعادت تشكيل المفاهيم حول مكان وكيفية عملنا، كما أن الشركات والمستثمرين والموظفين باتوا ينتقلون عمومًا إلى أماكن مناسبة أكثر، تتميّز بانخفاض الضرائب وتكلفة المعيشة.

وقال كيث رابوا، وهو صاحب مشروع رأسمالي معروف كان يعيش في سان فرانسيسكو والآن انتقل إلى ميامي: «شجعت جائحة كوفيد 19 الناس بشكل أساسي على العمل عن بُعد، وتجربة العيش في أماكن أخرى».

وأضاف رابوا، الذي يتبع الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وغالبًا ما يعارض السياسات التي تسنّها حكومة سان فرانسيسكو الليبرالية، أنه يشعر بالإحباط بسبب تدهور نوعية الحياة في المنطقة، ومن ذلك مثلًا زيادة أعداد المتشردين، والضرائب المرتفعة نسبيًا في الولاية، من بين أمور أخرى. مؤكدًا أنه انتقل لميامي بعد أن أدرك أنه يستطيع القيام بعمله بشكل جيد عن بُعد.

وأضاف: «أصبح من الواضح الآن أن هناك أماكن أفضل بكثير للعيش فيها».

وعلى الرغم من المغادرات الأخيرة، فإن مكانة وادي السيليكون في قطاع التكنولوجيا العالمية لا تزال مبهرة، حيث توجد مقرات 5 من أصل الـ8 شركات الأمريكية الأكثر قيمة في المنطقة.

واشترى أرباب العمل الكبار مثل فيسبوك، وألفابت (الشركة الأم لشركة جوجل)، مساحات مكتبية جديدة في المنطقة، حتى أثناء الوباء. وواصلت منطقة وادي السيليكون تقديم شركات جديدة كبرى تجذب إليها المستثمرين.

وفي نفس الأسبوع الذي تمّ فيه الإعلان عن انتقال أوراكل، طُرح للاكتتاب العام كلٌّ من شركتي دور داش للتوصيل، وأير بي إن بي، التي تقدم إعلانات المشاركة في أماكن الإقامة، وتم الطرح بتقييمات مرتفعة للغاية.

على الجانب الآخر، استمر رأس المال الاستثماري هذا العام في التوجّه إلى الشركات الناشئة في منطقة وادي السيليكون، ولكن بمستويات غير متكافئة، على الرغم من أن الوباء جعل الاجتماعات الشخصية مع المستثمرين غير واردة بشكل كبير.

وبمجرد إعادة فتح المكاتب، وحتى لو ظل عدد كبير من العمال بعيدًا، يقول العديد من المستثمرين والمديرين التنفيذيين إن قيمة تواجد مكاتبهم في وادي السيليكون ـ بالقرب من كل الشركات الهامة - ستظل عالية جدًا، متوقعين استمرار شهرة المنطقة.

ويقول باتريك إيجن، المؤسس المشارك لشركة رأس المال الاستثماري كونتربارت فينتشرز، إن موقع شركته في حي ساوث بارك بسان فرانسيسكو كان عاملًا رئيسيًا في نجاحها، وسوف يستمر هناك كذلك بعد الوباء.

وأضاف: «في عملي كل شيء متعلق بالعلاقات العامة، كما أن الاجتماعات الشخصية هي شريان الحياة لهذا المجال».. وأضاف: «وجودي هنا يمنحني ميزة كبيرة».

وحتى لو تراجعت هيمنة منطقة وادي السيليكون على قطاع التكنولوجيا، فحسبما يؤكد إيجن «لا يزال يوجد بالمنطقة أكبر عدد من المواهب والشركات ورأس المال»، واستطرد قائلًا: «عنقود قطاع التكنولوجيا الأساسي لا يزال هنا» ويعتبر هذا التجمع سببًا رئيسيًا لهيمنة وادي السيليكون، حيث تنمو الشركات الكبيرة في المنطقة إلى جوار بعضها البعض، كما يغادر المهندسون الشركات القائمة لإنشاء شركاتهم الناشئة الخاصة بهم، ويتعقب المنافسون باستمرار بعضهم البعض.

ويقول المستثمرون في كثير من الأحيان إنهم يرتاحون أكثر لتمويل الشركات القريبة من أماكن تواجدهم.

رغم ذلك، ومع تحوّل قطاع التكنولوجيا من مجرد قطاع ذي مكانة متميزة إلى الصناعة المهيمنة في أمريكا، فقد توترت المنطقة لمواكبة ذلك، مما أدى إلى تزايد الانزعاج.

وبين عامي 2005 و2019، نما التوظيف في المقاطعات الخمس التي تشكّل الجزء الأكبر من منطقة خليج سان فرانسيسكو بنسبة 29٪، مضيفًا 674000 وظيفة جديدة، وفقًا لإدارة تطوير التوظيف في كاليفورنيا.

ومع ذلك، تم إصدار تصاريح البناء لـ211 ألف وحدة فقط في المنطقة، وفقًا لمكتب الإحصاء الأمريكي. ويقول المخططون إن نسبة الوظائف الجديدة إلى الوحدات السكنية الجديدة يجب أن تكون حوالي 1.5 إلى 1.

وكانت النتيجة هي ارتفاع أسعار المساكن وتكاليف المعيشة، مما أدى بدوره إلى ارتفاع تكاليف رواتب الموظفين.

وقبل انتشار الوباء بوقت طويل، بدأت شركات التكنولوجيا في إضافة مكاتب جديدة لحوزتها، وذلك في أماكن مثل سياتل وناشفيل وتين وأوستن.

ومن بين تلك الشركات شركة سيلز فورس دوت كوم، التي يسيطر مقر سيلز فورس تاور التابع لها على أفق سان فرانسيسكو، وأطلقت الشركة في السنوات الأخيرة نفس الاسم على المباني في إنديانابوليس ونيويورك وشيكاغو.

أيضًا، عرضت شركة فاينانشيال تك سترايب، التي كانت توظف مهندسين للعمل عن بُعد قبل انتشار الوباء، هذا العام على الموظفين تلقي دفعة مالية تقدّر بنحو 20 ألف دولار للانتقال إلى مكان آخر، وقبول راتب مخفض بناءً على الموقع.

وقال آرون ليفي، الرئيس التنفيذي لشركة بوكسز، وهي شركة سحابية مقرها ريدوود سيتي في كاليفورنيا: «هناك مساحة محدودة في وادي السيليكون، وهناك حاجة إلى التوسع والاستمرار في التوسع».

وقبل ست سنوات، افتتح ليفي مكتبًا صغيرًا في أوستن. والآن، تعتبر بوكسز أكبر شركة في مجالها تعمل خارج وادي السيليكون، وتضم عدة مئات من الموظفين. وقال إنه بالنظر إلى الحجم المتزايد لقطاع التكنولوجيا، فإنه سيحتاج إلى «جذب المواهب حيثما أمكن ذلك».

على الجانب الآخر، وبسبب وجود قوة عاملة تقنية كبيرة، بالإضافة إلى انخفاض تكاليف الإسكان وعدم وجود ضرائب حكومية على الدخل أو مكاسب رأس المال، أصبحت أوستن وجهة شهيرة للشركات الراغبة في التوسع.

وقالت شركة آبل العام الماضي إنها ستضيف منشأة جديدة كبيرة في أوستن، وتقوم تسلا ببناء مصنعها الثاني في الولايات المتحدة هناك.

وقال ستيف أدلر عمدة أوستن في مقابلة إن العديد من شركات التكنولوجيا تأتي إلى هناك، حتى دون أن تقدم لهم أوستن عروضًا خاصة. وأضاف أنه لم يكن على علم بخطة أوراكل لافتتاح مقر جديد هناك حتى يوم الجمعة، بعدما أعلنت الشركة ذلك.

واختتم: «عندما تبدأ في بناء وجهة استثمارية مربحة، يبدو أن هناك المزيد والمزيد من الأشخاص الذين يعربون عن اهتمامهم بالتواجد فيها».

المزيد من المقالات