المملكة بلا «عنوسة».. خارطة جديدة لـ«سن الزواج»

مختصون لـ «اليوم»: تأخر الارتباط نتيجة طبيعية لدخول الفتاة ميدان العمل والتعليم

المملكة بلا «عنوسة».. خارطة جديدة لـ«سن الزواج»

السبت ١٢ / ١٢ / ٢٠٢٠
بين مختصون أن مصطلح العنوسة يطلق على المرأة والرجل معا، لكن الإطار الثقافي والاجتماعي يستخدمها تجاه المرأة؛ لجوانب متعددة متمثلة في الإنجاب والخصوبة عند عمر معين والأمومة وارتباطها بمكانة المرأة في المجتمع، إضافة إلى الموروث من العادات والتقاليد للزواج، مشيرين إلى أن تغير مفاهيم العصر والتطور العالمي، الذي جعل من تعليم الفتاة ركنا أساسيا، أدى إلى تأخر سن الزواج.

وأوضحوا في حديثهم لـ «اليوم» أن إكمال المرحلة الجامعية من التعليم والدراسات العليا والوظيفة التي تناسب طموحات الفتيات أصبحت خيارا أساسيا للكثير من الفتيات والأسر، رافضين اعتبار تأخر الزواج «عنوسة»، وظاهرة تدعو إلى القلق، وفقا للمفاهيم العصرية التي تجعل من تأخر الزواج أمرا طبيعيا، وطالبو بأهمية رسم خارطة جديدة لـ«سن الزواج».


إحصائيات غير دقيقة

قالت الأستاذ المساعد بقسم علم النفس في جامعة الأميرة نورة د. رسيس العنزي، إن لفظ «العنوسة»، له مردود نفسي سلبي على الفتيات، ويجب استبداله بـ«سن الزواج»، مشيرة إلى أن النسبة التي أوردتها الهيئة العامة للإحصاء في المملكة مؤخراً، ١٠.٠٧ ٪، تعني أن بين كل ١٠ من الإناث السعوديات اللاتي بلغن ١٥ سنة فأكثر، هناك واحدة يطلق عليها «عانس»، وبالتالي يجب علينا الحذر عند تفسير هذه الإحصائيات لأن في وقتنا الراهن معظم الفتيات اللاتي بلغن سن ١٥ سنة في مرحلة تعليم وإعداد للمستقبل.

وأضافت إن نسبة السعوديات اللاتي تزوجن عند أعمار أقل أو تساوى ٣٢ سنة يمثلن ٩٧.٢ ٪ ونسبه الإناث اللاتي تزوجن عند أعمار تزيد عن ٣٢ سنة، ٢.٨ ٪، مما يعني أن ١٠٠ ٪ من السعوديات، قد تزوجن قبل وبعد سن ٣٢، وفي زمن تمكين المرأة فإن التعليم له دور أساسي في حياة الإناث، باعتباره أولوية لدى الكثيرات مما يترتب عليه تأخير الزواج.

وأكدت أن التعليم ينعكس إيجابيا في جاهزية المرأة لتربية وإعداد أجيال تنهض بالمجتمع، فتعليم الأب والأم له إثر إيجابي في تكوين أسر متعلمة ومثقفة وواعية، كما أن اختيار الشريك المناسب والتريث في أخذ قرار الزواج قد يعزز من نجاح الارتباط بعد ذلك.

استقلالية الفتاة وتطور ثقافتها

بينت الأستاذ المساعد بكلية الاتصال والإعلام بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة د. غيداء الجويسر، أن «العنوسة» لفظ يطلق على المرأة والرجل معا، لكن الإطار الثقافي والاجتماعي يستخدمها تجاه المرأة لعدة أسباب أولها: الإنجاب والخصوبة عند عمر معين، بما يندرج تحته من قيمة الأمومة، بارتباطها بمكانة المرأة في المجتمع، وكذلك الفترة العمرية التي يحسبها المجتمع لسن المرأة: متى تتزوج ومتى تنجب وتكون أسرة ومتى تكون في ذروة الشباب «العشرينيات»، إضافة إلى معية الرجل وكونه سندا وعونا لها، مضيفة إنه إذا أخذنا كل هذه الأسباب في الاعتبار في ضوء التغيرات الاجتماعية ومكانة المرأة في المجتمع، نستطيع أن نفهم لم يتم «تمديد» السن المفترض للعنوسة.

وتابعت «الصحة الإنجابية، واستقلالية المرأة الاقتصادية والاجتماعية، ووعيها بالإنجاب ومسؤولية التربية، ناهيك عن تعليمها، كلها تلعب دورا في تحدي وإعادة تشكيل "وصمة" العنوسة، مشيرة إلى أن هناك أسبابا كثيرة لتأخر سن الزواج، منها الاعتبارات القبلية، والقدرة على الاختيار، ولكن أن نعتبرها مشكلة فأظن أننا وصلنا لمرحلة لنسأل فيها المرأة إن كانت فعلا تعتبرها مشكلة؟ والاقتراح هو تناول تأخر سن الزواج من منطلق القدرة على الاختيار، وليس كونه مشكلة تستوجب حلا».

رفض العزلة والاختفاء عن الميدان العملي

أوضحت الأكاديمية المتخصصة في السياسات السكانية والتنمية د. عبلة مرشد، أنه من المهم تحليل وتفسير أسباب التأخر في سن الزواج وارتفاع نسبته إلى الثلاثينات، مشيرة إلى أن السبب يضم العديد من المبررات الواضحة والتي اختلفت مع تغيرات العصر وتتماشى مع تغير مفاهيمه وتطور متطلباته المعاصرة؛ اذ أصبح إكمال المرحلة الجامعية من التعليم أساسيا عند الكثير من الفتيات والأسر، بل ويمتد الطموح إلى الدراسات العليا عند البعض لأسباب مختلفة منها؛ أنه قد لا يتقدم لها من يناسبها فتجد في استكمال التعليم وسيلة للاستفادة من وقتها وعمرها، وقد يجد البعض منهن الرجل المناسب ولكن تجد رغبتها وطموحها في استكمال تعليمها أكبر من فكرة الزواج والارتباط الأسري.

وقالت «قد يرى البعض أنه بإمكان الفتاة مواصلة تعليمها مع الزواج، ولكن لا بد من الاعتراف أن ظروف المتزوجة أحيانا تكون أصعب في استكمال المرأة لطموحها العلمي ثم الوظيفي بل وكثيرا ما يكون الزواج سببا في منعها من ذلك كله سواء بإرادتها أو عنوة، والتعليم والتوظيف أصبح يشغل فكر وطموح الكثيرات ليس كاهتمام ثانوي أو تطلع جانبي كالسابق، وإنما أصبح من ضرورات العصر ومتطلباته سواء لتلبية الحاجات الاقتصادية المتنامية أو بسبب ارتفاع نسبة الوعي والثقافة والاطلاع والمعايشة لما يجري في العالم حولنا».

وأضافت إن كثيرا من النساء لا يقبلن تلك العزلة والاختفاء عن الميدان العملي ولا يقبلن بالاستمرار في أسلوب تقليدي سابق لنهج حياة المرأة وانغلاقها بين الزيارات وغيره، وأصبحت المرأة تجد في الدراسة والعمل ذاتها وكيانها الخاص، وتأخر سن الزواج لم يقتصر على المرأة دون الرجل، بل حتى الشباب اليوم تجدهم يتخطون الثلاثين أو أوشكوا ولم يتزوجوا بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات الزواج من جانب، وبسبب تغير نظرتهم وإيمانهم بفكرة الزواج التقليدي السابق، وأصبحوا يتطلعون لظروف مختلفة يمكنهم بها اختيار شريكة المستقبل المناسبة، وهو عامل مشترك بينهم وبين الكثير من فتيات اليوم.

وبينت «مرشد» أنه يجب عدم منح تلك الظاهرة أهمية أكثر من حقيقتها، حتى وإن ارتفعت النسب فتلك ظروف العصر ومتغيراته التي فرضت علينا ونحن جزء من العالم حولنا، ولا يمكن أن نكون حالة مختلفة تماما ومنسلخة، صحيح أن لنا ضوابط دينية واجتماعية قد تسهم في ضبط المجتمع إلى حد ما، لكن لا بد وأن نعي أننا جزء من هذا العالم حولنا، وأن ما يعيشه العالم من انفتاح وانتشار لوسائل التواصل وعالمية المعرفة، قد أثر على ثقافتنا.

وأوضحت أن التعليم ساهم في تغيير كثير من المفاهيم والرؤى التقليدية السابقة والتي تدفعنا وتفرض علينا الانسجام معها وتقبل ما يمكن من مضمونها، مشيرة إلى أن متغيرات العصر انعكست على الكثير من مفاهيم البنية الاجتماعية بمكوناتها والأفراد، وستختلف التطلعات وأسلوب الحياة بما يناسب تلك التغييرات، وتلك سنة الله في الكون، ولذا فمن الأهمية بمكان تغيير تلك النظرة إلى المرأة التي تأخر زواجها أو حتى لم تتزوج إطلاقا، ووصفها بمصطلح «العنوسة»، فتلك وصمة ومصطلح لا أرتضيه للمرأة لأني احترمها واحترم إرادتها وظروفها وتطلعاتها، كما أقدر طبيعة التحديات التي تواجهها ما بين مجتمع ما زال يؤمن بزواج المرأة المبكر، وبين واقع المرأة اليوم وما تعيشه وتحصده من مكتسبات في ظل متغيرات تنعكس إيجابا على ظروفها وحريتها في اختيار شريك حياتها.

وقالت إن الظروف تغيرت والمجتمع لا بد أن تتغير مفاهيمه ونظرته السلبية للمرأة غير المتزوجة أو التي تأخر زواجها، فالنجاح في أحيان كثيرة لا يكون بالزواج وقد يكون الزواج عقبة، وليس معنى ذلك الترويج لعدم الزواج، ولكن لا بد أن نستوعب تغير الظروف الآن عن العقود الماضية، التي كان الزواج فيها هو النهاية المنتظرة لكل امرأة في ظل ظروف كانت ملائمة إلى حد ما دون اعتبار للتعليم والعمل الذي أصبح ضرورة ومتطلبا بعد أن كان ثانويا.

الصورة المثالية لفارس الأحلام

ذكر المتخصص في علم الجريمة والمشكلات الأسرية د. عبدالعزيز آل حسن، أن الزواج يمثل ركنا هاما في بناء الأسرة والمجتمع بالصفة الشرعية والنظامية، وتُعد ظاهرة تأخر الزواج أو «العنوسة» من الظواهر المجتمعية التي تدعو للقلق، مشيرا إلى أنه في عام 2013 أجريت دراسة على مجموعة من غير المتزوجات ممن تتراوحت أعمارهن ما بين 35 – 40 عاما، للتعرف على العوامل التي أدت إلى تأخر الفتيات في الزواج، وتلخصت أهم العوامل في رغبة الفتيات في إكمال الدراسة، وتجارب الإخفاق التي يشاهدونها في مجتمعهن، وتأثير قصص الحب والصورة المثالية لفارس الأحلام من خلال المسلسلات والأفلام، وكذلك رفض الفتيات لبعض المتقدمين لهن من الشباب لعدم قدرتهم على تلبية المتطلبات المالية أو لعدم تحملهم المسؤولية.

وقال إن هذه الدراسة توضح جملة من العوامل الأخرى، مثل غلاء المهور، أو ما يتعلق بنظرية التجانس التي تستند إلى مدى تشابه وتطابق الشريكين مما يجعل اتخاذ القرار صعباً بالنسبة للبعض، أو من خلال نظرية التجاور المكاني التي ترتبط بالزواج من الأقرب والمجاورين في المكان، ولا نُغفل الجانب القيمي الذي تتربى عليه الأسرة من قيم الحرية والارتباط الزواجي والقيم الإنسانية والشرعية، ومن هذا المنطلق فإنه من الأفضل دراسة هذه الظاهرة من قبل المختصين بالتعاون مع المؤسسات ذات العلاقة وتقديم البرامج الهامة، وإقرار تخفيض المهور وتكاليف الزواج والتحفيز المادي والوظيفي للمبكرين بالزواج وحث رجال الأعمال والجهات الخيرية لدعم الراغبين بالزواج من الجنسين؛ لتسهيل الارتباط بالطرق الصحيحة وتيسير الأمور المادية والحياتية، وعمل الخطط والمبادرات المستقبلية لتقليل نسبة العنوسة؛ حتى لا ترتفع ويصبح من الصعب علاجها.

المصطلح يشمل الإناث والذكور

أكدت الأكاديمية بكلية التربية في جامعة جدة د. ميسون الدخيل، أن إطلاق لفظ «العنوسة» على الإناث فقط، يمثل خروجا عن الموضوعية، مشيرة إلى أن أبرز أسباب تأخر الزواج للجنسين، تشمل ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الظروف الاقتصادية، وتكاليف الزواج، ورفض أولياء الأمور من تزويج بناتهن لأسباب مادية، وكذلك رفض الفتاة أو الشاب من الزواج لإصرارهما على شخص معين، أو وضع شروط تعجيزية من قبل الفتيات حتى يأتي الوقت ولا يجدن من يتقدم لهن، والبعض يسعى – حسب فهمه - إلى الاستقلالية وعدم الارتباط بمسؤوليات وواجبات قد تعيق تقدمه في مجال العمل أو التأثير على مسيرة تحقيق الذات.

وأضافت «متى ما أدركنا أن المفهوم جامع الإناث والذكور، وأن الأسباب متشابكة إن لم تكن متطابقة، نستطيع عندها أن ننتقل بشكل أشمل إلى البحث عن الحلول، ومن ثم تفعيلها عن طريق تكافل جميع مؤسسات المجتمع لتسهيل الزواج؛ بدءاً من التوعية ووصولا إلى تقديم المساندة والدعم».

قواعد لتنظيم وتشريع دعاوى «العضل»

قال المحامي صالح الغامدي، إنه من المعروف عدم جواز عضل النساء، شرعاً، وتعطيل زواجها، لأن في ذلك مخالفة للشريعة الإسلامية، التي أنصفت المرأة ورفعت مكانتها وأعطتها كامل الحقوق وأمرت بالإحسان إليها، وعليه إن طلبت المرأة ورغبت في الزواج بكفء وامتنع وليها عن تزويجها فيعتبر «عاضلاً».

وأضاف إن المجلس الأعلى للقضاء نظم وأصدر قواعد لتنظيم وتشريع دعاوى العضل، والتي تضمنت قبول دعوى العضل من المرأة أو من أي صاحب مصلحة من الدعوى كوالدتها أو أخوتها ولا يلزم حضور الخاطب، وتفصل الدائرة القضائية في الدعوى خلال شهرين من تاريخ رفعها ويمكن للمحكمة أن تنظر في هذه الدعوى خارج وقت الدوام مراعاة لمتطلبات العقد وخصوصيته وتكون الجلسات سرية، وقد صدرت مؤخراً عدد من الأحكام القاضية بتزويج المرأة من قبل الحاكم الشرعي.
المزيد من المقالات