هجوم «السارين» أمام القضاء الألماني.. والأسد المسؤول الأول

«الغوطة» تستدعي الذاكرة: مقتل 1000 سوري بينهم 400 طفل

هجوم «السارين» أمام القضاء الألماني.. والأسد المسؤول الأول

الثلاثاء ٠١ / ١٢ / ٢٠٢٠
تحقق وحدة جرائم الحرب الألمانية في أدلة على وقوع هجمات بغاز السارين في سوريا، وبحسب وثائق، هناك أدلة على أن (الأسد) متورط، وقد فوّض شقيقه الأصغر ماهر الأسد بتنفيذ هجوم الغوطة الشرقية في أغسطس 2013.

ووصلت «دويتشه فيله» و«دير شبيغل» الألمانيتان، إلى الشهود، كما اطلعتا على التقارير السرية التي تشكّل علامة بارزة في مجرى القضية.


وقالت إيمان، الممرضة وأم لثلاثة أطفال: كان الأمر أشبه بيوم القيامة، مات الكثير من الناس على الطريق، وتوقفت السيارات، وتكدس الناس فيها «بدوا وكأنهم ماتوا وهم يحاولون الفرار».

وطلبت إيمان من شقيقها أن يأخذ الأطفال إلى مكان آمن قبل أن تهرع إلى المستشفى المحلي، حيث كانت تعمل، تبعها زوجها محمد، بعد فترة وجيزة للمساعدة في تقديم الإسعافات الأولية.

رواية محمد

يروي محمد: جاء كثير من الناس إلى المستشفى؛ لأنه كان في قبو، وذهبتُ إلى زوجتي، وعندما عُدت إلى الأعلى، سقط صاروخ أمام المستشفى، بعد ذلك لم أشعر بشيء.

بكت إيمان وهي تتذكر عودتها من القبو إلى الأعلى لترى ما كان يحدث، وجدت زوجها يتشنج على الأرض مثل العشرات من حوله.

وتقول: غادرتُ لأخذ حقن الأتروبين لمساعدة زوجي الذي كان يعاني من حالة الاختناق، وتضيف قائلة: عندما عُدت لإعطائه الإبرة، لم أشعر أنا وزميلي بأي شيء، ولا أتذكر أي شيء بعد ذلك.

حتى يومنا هذا، تكافح إيمان صورة المشاهد التي رأتها في هذه الليلة من شهر أغسطس في الغوطة الشرقية. تذكرها نوبات الهلع بشكل دائم بما فقدته، بما في ذلك ابنها الأكبر.

لكنهم لم يكونوا الوحيدين الذين فقدوا أحد أفراد الأسرة في تلك الليلة، إذ قُتل ما لا يقل عن 1000 شخص في الهجوم، بينهم أكثر من 400 طفل، بحسب عدة مصادر مستقلة.

وقال ثائر، صحفي سوري وثّق الهجوم: حتى يومنا هذا، أتخيّل الأطفال الذين كانوا يموتون أمام عيني، لست طبيبًا، لم أكن أعرف كيف أنقذ شخصًا يموت أمامي، لم نتدرب على كيفية التعامل مع الغازات السامة.

أما زميلته رزان زيتونة، التي ساعدته في توثيق الاعتداء، فقد اختطفت بعد فترة وجيزة ولم يُعرف عنها أي شيء أبدًا، تمكن ثائر في النهاية من الفرار من سوريا إلى ألمانيا، حيث يقيم الآن.



الحرب والمحكمة

صدم الهجوم الوحشي الناس في جميع أنحاء العالم، وكاد يتسبب في تدخّل عسكري من قِبل فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، عندما انهارت خطط العمليات العسكرية الغربية ضد النظام السوري، تحوّلت الجهود العالمية نحو المحكمة الجنائية الدولية «ICC».

ومع ذلك، فإن روسيا والصين، اللتين تتمتعان بحق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، منعتا جميع محاولات إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وبدلًا من ذلك، تم الاتفاق على أن تنضم سوريا إلى اتفاقية منع انتشار الأسلحة الكيماوية، وبالتالي تدمير مخزونها وفقًا لإجراءات الانضمام.

وتشير الوثائق إلى أن النظام لم يمتثل لالتزاماته بتفكيك برنامج أسلحته الكيماوية بالكامل، ونفت دمشق ضلوعها في الهجمات، وبالنسبة للناجين، فشل المجتمع الدولي في تحقيق العدالة.

ومع ذلك، وبعد سبع سنوات، ربما ينقلب المشهد لصالح الضحايا وذويهم.

في عام 2002، سنّت ألمانيا مبدأ الولاية القضائية العالمية للجرائم الدولية، مثل جرائم الحرب والإبادة الجماعية، ونجحت ألمانيا بالفعل في جعل القانون المحلي يتوافق مع نظام روما الأساسي، وهي معاهدة تم على أساسها إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في ذلك العام.وأدى ذلك إلى قيام كل من «مبادرة عدالة المجتمع المفتوح» و«الأرشيف السوري» و«المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» بتقديم شكوى جنائية إلى مكتب المدعي العام الاتحادي في كارلسروه، حيث بدأت وحدة جرائم حرب - تأسست حديثًا - تحقيقًا تفصيليًا عام 2011 في الفظائع المرتكبة في سوريا.

وأكدت وحدة جرائم الحرب في كارلسروه لـ DW أنها تلقت الشكوى الجنائية من مكتب المدعي العام الفيدرالي، ومع ذلك، فإنها لن تقدم المزيد من التعليقات بشأن القضية.

إثبات الواقعة

توفر الشكوى الجنائية توثيقًا شاملًا إلى جانب معلومات مفتوحة المصدر، مثل المواقع المستهدفة بالقصف، التي يمكن استخدامها كدليل قانوني على جرائم الحرب المرتكبة في الغوطة، وخان شيخون، وتضمنت الشكوى شهادات ما لا يقل عن 50 منشقًا عن النظام لديهم معرفة مباشرة ببرنامج الأسلحة الكيماوية في البلاد.

ولم يتمكن تحقيق الأمم المتحدة من تحديد الجناة المشتبه بهم؛ لأن إسناد الاتهام لم يكن جزءًا من ولايته، لكنه جعل شيئًا واحدًا واضحًا تمامًا، إذ قالت بعثة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في تقرير بعد أقل من شهر على الهجوم: إن العيّنات البيئية والكيماوية والطبية التي جمعناها تقدّم دليلًا واضحًا ومقنعًا على استخدام غاز «السارين».

مفتاح الشكوى الجنائية المقدمة في ألمانيا هو المجموعة المتنوعة من شهادات الشهود التي تضم عسكريين وعلماء رفيعي المستوى في مركز الدراسات والبحوث العلمية في سوريا (SSRC)، الذي كان مسؤولًا عن تطوير وصيانة برنامج الأسلحة الكيماوية في البلاد.

وتشير الدلائل إلى أن ماهر الأسد الأخ الأصغر للأسد، الذي يُعتبر ثاني أقوى شخص في النظام، كان القائد العسكري الذي أمر مباشرة باستخدام غاز السارين في هجوم الغوطة في أغسطس 2013.

إلا أن إفادات الشهود المرفوعة مع الشكوى الجنائية تشير إلى أن نشر الأسلحة الإستراتيجية، مثل غاز السارين، لا يمكن تنفيذه إلا بموافقة الأسد.

ووفقًا للوثائق التي اطلعت عليها DW، يُعتقد أن الأسد قد فوّض شقيقه بتنفيذ الهجوم.



تورط الأسد

«لدينا دليل على أن (الأسد) متورط في صنع القرار، ولن نقول إننا أثبتنا ذلك بأنفسنا، لكن لدينا بالتأكيد بعض المعلومات التي تشير إلى تورطه في هجمات السارين»، هذا ما أكده ستيف كوستاس، رجل قانون مخضرم يعمل مع فريق التقاضي بمبادرة عدالة المجتمع المفتوح.

يقول كوستاس: لقد أظهرنا أن هناك وحدة محددة تسمى «الفرع 450» داخل مركز الدراسات والبحوث العلمية في سوريا (SSRC)، التي شاركت بشكل كبير في التخطيط لهجمات السارين وتنفيذها، وأضاف: «لقد أظهرنا التسلسل القيادي المتورط في تلك الوحدة وصلتها بالقصر الرئاسي».

حتى الآن، تعتبر الشهادات التي تصف التسلسل القيادي أقوى دليل متاح يربط بشكل مباشر بين الأسد واستخدام الأسلحة الكيماوية.

وبما أن جرائم الحرب غالبًا ما تُرتكب من خلال شكل نظامي للقوات المسلحة، فإن القانون الدولي يقر بأن التسلسل الهرمي للقيادة يسمح بوقوع مثل هذه الانتهاكات، بحسب ما قال روبرت هاينش، مدير منتدى كالشوفن - جيسكيس حول القانون الدولي الإنساني في جامعة لايدن، في حديث لـDW.

ويضيف هاينش: بسبب وظيفتهم كقادة عسكريين، فإنه من الممكن تحميلهم المسؤولية، وهذا أمر مهم للغاية، وهو مدرج أيضًا في التوصيف القانوني الألماني للجرائم ضد القانون الدولي؛ لأنه من دون ذلك لن تكون قادرًا على تحميل هؤلاء الأشخاص المسؤولية.

في ألمانيا، تم استخدام القانون الذي أنشئت الولاية القضائية العالمية وفقًا له مرة واحدة فقط لإدانة زعيم المتمردين الهوتو الروانديين إجناس مورواناشياكا ومساعده مذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في عام 2015.

المحاكمة الوحيدة الأخرى التي استخدمت فيها الولاية القضائية العالمية لمحاكمة الجناة هي «قضية كوبلنز» التي استهدفت شخصيات بارزة في النظام السوري بزعم ضلوعها في عمليات تعذيب.

ربما «البداية»

بصفته رئيس النظام، يقود الأسد القوات المسلحة، وقال خلال لقاء تليفزيوني مع محطة «CCTV» الصينية في سبتمبر 2013 إنه صانع القرار الرئيسي في تحريك وقيادة القوات المسلحة هناك.

لكن هناك عوامل أخرى حاسمة أيضًا للتمكّن من الوصول إلى عقد محاكمة فعليًا.

حتى إذا قرر المدعون الفيدراليون تجاوز هذا الحاجز وتوجيه الاتهام إلى أعلى شخصيات النظام المشاركة في عملية صنع القرار، فإن قضايا أخرى يمكن أن تعرقل القضية، بما في ذلك الحصانة السيادية، التي بموجبها تتم تقليديًا حماية من هو في موقع رئاسة الدولة من الملاحقة القضائية.

ومنذ 2011، كلفت وحدة جرائم الحرب الألمانية ما يقرب من 12 من المدعين العامين بإجراء تحقيق تفصيلي في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا. لكن ألمانيا ليست الولاية القضائية الوحيدة التي يخطط المدعون لمقاضاة مرتكبي الهجمات بالأسلحة الكيماوية في سوريا من خلالها، إذ يخطط اتحاد المنظمات غير الحكومية لتقديم شكاوى جنائية في ولايات قضائية أوروبية أخرى بحلول العام المقبل.

بالعودة إلى منزل إيمان ومحمد في مكان غير مصرح بالكشف عنه بألمانيا، فإن ذكريات ذلك اليوم تداعب كل لحظات يقظتهم، ومع ذلك، فإن هذا اليأس لم يردعهم عن الأمل في تحقيق العدالة يومًا ما ضد منفذي هجوم الغوطة.

تقول إيمان: لقد علّمنا الظلم أن نكون شجعان، ولكن بقدر ما لدينا من الشجاعة، فإننا ضعفاء وما حدث أمامي لا يفارق ذهني.

وتختم حديثها والألم يعتصرها: هذه هي أمنيتي في هذه الحياة: أن تتم محاسبة الأسد، وجميع الذين أجرموا في حقنا وفي حق كثيرين آخرين، الذين ظلموا العديد من الأطفال وتركوا الكثيرين من دون مأوى.
المزيد من المقالات