«ملتقى الأوقاف».. زيادة فرص الاكتفاء الذاتي وتخفيف العبء عن الدولة

ناقش الارتقاء بالقطاع وتصحيح المسار الاستثماري

«ملتقى الأوقاف».. زيادة فرص الاكتفاء الذاتي وتخفيف العبء عن الدولة

برعاية أمير المنطقة الشرقية، صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود، انطلقت أمس فعاليات ملتقى الأوقاف، الذي نظمته غرفة الشرقية، بالشراكة الإستراتيجية مع الهيئة العامة للأوقاف، بعنوان «العائد من الاستثمار على الأوقاف»، عبر تقنية الاتصال المرئي.

وتناولت الفعاليات، من خلال خمس جلسات متواصلة، أفضل الممارسات في الموضوعات ذات الشأن للارتقاء بالقطاع الوقفي، كالإسهام في تصحيح المسار الاستثماري للأوقاف، وأحدث أساليب زيادة العائد على الاستثمار، وسبل تعزيز الريع لقطاع الأوقاف ورفع كفاءة أثر الوقف، وزيادة فرص الاكتفاء الذاتي للموقوف عليهم وتخفيف العبء عن الدولة.


مشروعية الاستثمار في الأوقاف

أوصى أمين عام لجنة الأوقاف بغرفة الشرقية، فضيلة الشيخ سعد المهنا، بأهمية تقديم أطروحات علمية حول مقاصد الاستثمار في الأوقاف، وأخرى حول مقاصد المصارف في الأوقاف، فضلا عن ضرورة إعداد حقائب تدريبية تهتم بمقاصد الأوقاف، والتأكيد على تعليم الناس فقه الأوقاف ومقاصده.

وأكد المهنا، في الجلسة الأولى، التي جاءت تحت عنوان «مقاصد الاستثمار»، وجود أكثر من دليل على مشروعية الاستثمار في الأوقاف، مشيرا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، كانوا يستثمرون أموال الصدقة، وكان يخصص لها الحمى للحفظ، والرعي، والدر، والنسل، ويستفيد منها ويتداوى المسلمون.

وأضاف: «أما الدليل الثاني على مشروعية الاستثمار في الأوقاف هو قياسه على أموال اليتامى، واتفق الفقهاء على جواز استثمارها من قبل الولي فيما يعود على اليتامى بالمصلحة، بل قال بعض الفقهاء بوجوب استثمارها عملا بالنصوص التي تحث على الاتجار بأموال اليتامى حتى تنمو ولا تأكلها الصدقة».

3 أدوار رئيسية لـ «أوقاف للاستثمار»

تحدث الرئيس التنفيذي لشركة أوقاف للاستثمار، الذراع الاستثمارية للهيئة العامة للأوقاف، م. هيثم الفايز، عن أبرز مهام الشركة، التي تأسست في 2017 م، لتكون الجهة المعنية بقطاع الأوقاف في المملكة.

وقال الفايز، في الجلسة الثانية، التي جاءت بعنوان «التحولات الإستراتيجية الناجحة وأثرها على العائد على الاستثمار»، إن الهيئة تقوم بدورين رئيسيين، الأول التنظيمي والتشريعي، الذي يعنى بتنظيم القطاع الوقفي في المملكة وحفظ الأوقاف والإشراف عليها، والثاني التشغيلي والإداري، الذي يعنى بتنمية وإدارة الأوقاف وتطويرها وصرف إيراداتها بما يحقق شروط الواقفين والمنفعة.

وأوضح أنها شركة مساهمة مغلقة مملوكة للهيئة والذراع الاستثمارية لها، وتأسست لتنمية الأوقاف ورفع كفاءة الاستثمار واستدامة العوائد، مشيرا إلى أن الشركة تقوم بثلاثة أدوار رئيسية، هي أدوار تشغيل الأوقاف، والاستثمارات العقارية وتطوير الأوقاف، والاستثمارات المالية من خلال إدارة المحافظ والصناديق.

ولفت إلى أن مؤشر قطاع الأوقاف شهد انخفاضا حادا في الربع الأول من العام الجاري 2020م بمعدل 20%، مبينا أن مجال الاستثمارات الوقفية تحسن بشكل ملحوظ في مستوى الأداء والكفاءة خلال السنوات الماضية ما قبل حدوث جائحة «كورونا»، نتج عنه ارتفاع كبير في المؤشر بلغت نسبته 20.19% في العام 2019م.

وتابع أن التباطؤ في النشاط الاقتصادي المترتب على جائحة كورونا قاد إلى انخفاض بنسبة 20.24% مع بداية العام 2020م، كما انخفض مؤشر الأداء المستهدف أداء المحافظ المكونة من 60% أسهم و40% سندات بنسبة 12.88%.

تطوير الاستدامة المالية

قال المحاضر الزائر في كلية إدارة الأعمال سابقا، والمدير السابق للتمويل الاجتماعي والاستثمار الاجتماعي، مارك سالواي، إن الاستثمارات الاجتماعية تحقق عوائد ولها تأثير أفضل من المتوقع على الأوقاف، كونها عبارة عن صناديق مختلفة تركز على أهداف اجتماعية مختلفة تمكن من نمو رأس المال والبنية التحتية بسرعة وتمكن كذلك الأمناء من الحصول على المعلومات، مؤكدا على أهمية منظمات الاستثمار الاجتماعي.

وأشار سالواي، في الجلسة الثالثة بعنوان «الآفاق التنموية للعائد على الاستثمار»، إلى ما تتمتع به من وجود إستراتيجية تعتمد تطوير الاستدامة المالية، وتركز على التأثير والتوسع والنمو والاستثمار في التكنولوجيا وتتمتع بقدر كبير من الاستقلالية والمرونة في تدفقات الدخل، فضلا عما تتضمنه من محددات كالتركيز على بناء البنية التحتية والابتكار وجمع التبرعات وتطوير الأصول وتطوير بيئتها المادية وتطوير نشاط أو خدمة جديدة.

زيادة التركيز في الأنشطة المؤسسية

استعرض الرئيس التنفيذي لإحدى المجموعات الاستثمارية م. محمد عرب، العناصر الأساسية في العملية الاستثمارية، وأبرزها: الحوكمة والإدارة، والأصول المستثمرة، والتوجه الإستراتيجي.

وتحدث عرب عن تجربة عملية بارزة، وهي تجربة إدارة أوقاف جامعة ييل، التي تولى إدارتها في عام 1989 ديفيد سوينسين، بعد خبرة ست سنوات في «وول ستريت»، كمدير أصول، وكان حجم المحفظة في ذلك الوقت حوالي مليار دولار، واستطاع تطويرها خلال 3 عقود بتغيير تشكيل المحفظة بالكامل، وارتفع حجم المحفظة إلى 31.2 مليار دولار، من خلال عدة إجراءات، وهي: التحول من إستراتيجية خاملة إلى إستراتيجية نشطة، وزيادة التركيز في الأنشطة المؤسسية، والتخفيف من الأنشطة التقليدية المباشرة، وبناء هيكلية محترفة للإدارة، بالإضافة إلى بناء إستراتيجية استثمارية متماسكة.

وقال إن محفظة الجامعة كانت عبارة عن عدة موجودات في أصول مختلفة، وتدار بأسلوب تقليدي، من خلال التعاقد غير الموثق مع المستأجرين وفريق صيانة خامل ضعيف التدريب، بالإضافة إلى محفظة أسهم محلية تدار بشكل داخلي دون إستراتيجية واضحة، مع ضعف في الكفاءة، ونقد كبير موجود في المحفظة دون استفادة واضحة متأثرا بعوامل التضخم.

اعتماد الأساليب الحديثة في إدارة المشروعات

تحدث مستشار التخطيط الإستراتيجي والتطوير التنظيمي د. عماد الصغير، في الجلسة الرابعة، التي جاءت بعنوان «الحوكمة في الاستثمار».

وقال د. الصغير إن ثمة معايير أساسية للاستثمار الوقفي منها: ثبات الملكية الوقفية، والأمان النسبي، وتحقيق عائد مستحق، والمرونة في تغيير مجال الاستثمار وصيغه، والتوازن بين العائد الاجتماعي والعائد الاقتصادي، والتوازن بين مصالح أجيال المستفيدين، وترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وأضاف أنه رغم المزايا المذكورة، ولكن لا بد من تطبيق إجراءات عملية لحوكمة استثمارات الأوقاف، من قبيل اعتماد الأساليب الحديثة في إدارة المشروعات الوقفية، وهذا يقتضي النظارة المهنية والجماعية، والشفافية والتدقيق المالي والشرعي في العمليات الاستثمارية.

ومن أجل تقليل المخاطر التي تصاحب العملية الاستثمارية للوقف، قال: «ينبغي على الأوقاف بذل جهد كبير لتنويع الأنشطة الاستثمارية، ولزوم العناية ببناء إستراتيجية استثمارية واضحة، وبناء وثيقة سياسات الاستثمار واعتمادها من مجلس النظارة ومراجعتها بشكل دوري، ويجب أن يتم الاهتمام بإستراتيجية التخارج من الاستثمار، قبل الدخول في الاستثمار».

احتساب الإنفاق بناء على المعلومات التاريخية

دعا رئيس شركة ربط المعارف، والرئيس التنفيذي السابق لشركة أوقاف سليمان الراجحي القابضة د. زياد الحقيل، إلى الالتزام باستقرار الصرف وعدم تغييره بأكثر من 20%، وتكوين احتياطيات للصرف واستثمارها بشكل سائل منخفض المخاطر، وعدم الارتباط بالنتائج السنوية لاحتساب الصرف والنظر لأبعد من ذلك، وأخذ التضخم بالاعتبار، لافتا إلى أن توزيع الاستثمارات بشكل احترافي يحقق أهداف الوقف، واستثمار احتياطيات الإحلال والتجديد وتقدير نموها المتوقع بشكل موثوق، وتحري العدالة في المنفعة الصادرة من الوقف بين أجيال المستفيدين.

وأوضح أن كثيرا من الأوقاف متفقة على أن الإنفاق يتم عن طريق خصم نسبة من قيمة الأصول، نظرا لوجود أصول متعددة منها الأصول السائلة، وذلك لتجنب التضخم في الأصول على حساب الصرف، فيتم وضع نسبة مستهدفة للصرف من مقدار النمو في أصول الوقف.

وأشار الحقيل، إلى أن غالبية قنوات الإنفاق تعتمد بشكل رئيسي أو كامل على ما يردها من الأوقاف، وهذه الإيرادات تتعرض للتذبذب في الغالب فيعرض الشركة إلى تعثر وسلبيات.

واقترح الحقيل آلية معينة لاحتساب الإنفاق تعتمد على المعلومات التاريخية «قيمة الأصول والنمو فيها، الإيراد ونموه، الأرباح ونموها، طبيعة الأصول ومخاطرها، تقدير احتياجات الإحلال والتجديد، التضخم في السابق والتضخم المتوقع... إلخ»، وبناء على هذه المعطيات يتم وضع مبلغ مستهدف «قيمة وليس نسبة» للإنفاق يكون مبنيا على المعلومات التاريخية والتوقعات المستقبلية، ويكون ذلك مبنيا على مؤشرات «نسب من قيمة الأصول أو الأرباح»، مع مراعاة عدم تزايد إجمالي قيمة الأصول بشكل يغلب على مقدار الإنفاق في الماضي، يحسب على 3 أو 5 سنوات.

حوكمة العمل وتوظيف المتخصصين

بين المهتم باستثمار الأوقاف عبدالرحمن العيسى، أن الوقف كان في السابق يتشكل من محفظة عقارية فقط تتنوع أصولها العقارية في عدة مدن في المملكة، وحتى تدخل في أصول استثمارية جديدة تم العمل على تنويع محفظة الاستثمار في الوقف يتم من خلالها تنويع المخاطر وزيادة العوائد وتوفير السيولة بشكل أفضل للوقف، كما تم الدخول في استثمارات جديدة في 4 أصول استثمارية مختلفة وهي: الأسهم، والملكية الخاصة، وصناديق المرابحة، والاستثمار الجريء، مشيرا إلى أن الممارسات في الاستثمار الوقفي كانت على شكل عقارات فقط، وأما الآن فأصبحت متنوعة.

واقترح العيسى عددا من الحلول الواقعية التي تتناسب مع حجم التحديات والمشاكل في هذا القطاع الحيوي ومنها: كثرة المحاولات وتعدد الوسائل، والتواصل مع المستشارين، وعرض التجارب الناجحة، وفهم لغة الشركات المالية، وإعادة التوازن في الاحتياط، وحوكمة العمل وتوظيف الشخصيات المتخصصة المناسبة.

نمو وحماية رأس المال

أكد المستشار المالي والاستثماري أيمن أبانمي، أن العقارات تشكل من 70% إلى 100% من توزيع المحافظ الوقفية بالسعودية، مشيرا إلى حجم كبير من السيولة النقدية غير المستثمرة.

وتحدث عن أهداف الاستثمار في الأوقاف، مؤكدا أنها تؤدي لنمو وحماية رأس المال، بالإضافة إلى زيادة معدل التوزيعات والعوائد السنوية، وترفع من أهداف الاستثمار الاجتماعي «النفع العام».

وعن الحجم الأمثل للاستثمار في القطاع الوقفي، بين أبانمي أن العديد من الدراسات أثبتت أهمية التنوع في الاستثمار، لافتا إلى دراسة إدوين إلتون ومارتن جيبرر في كتاب بعنوان «نظرية المحفظة الحديثة وتحليل الاستثمار»، بأن أي زيادة في الأسهم بعد 20 سهما، لن تؤدي إلى تقليل مخاطر المحفظة سوى 0.8% فقط.

وأكمل: هذا يعني أن الميزة الرئيسية للتنويع تتآكل وتكاد تنخفض عند نقطة معينة، 20 سهما، أما المستثمر البريطاني بنيامين جراهام في كتابه «المستثمر الذكي»، فيرى أن الشكل الأمثل للتنويع هو أن المحفظة تشمل ما يتراوح بين 10 إلى 30 سهما مختلفة، وهناك دراسة استقصائية أجريت في العام 2011، أظهرت أن الصناديق المستثمرة فيما يتراوح بين 30 - 50 سهما مختلفة تحقق أداء أفضل من الصناديق المستثمرة في 700 سهم مختلفة.

10 أسباب للتعثر

حدد المحاسب القانوني، والمقيم المعتمد للمنشآت عزام المفدى، 10 أسباب لتعثر الاستثمارات الوقفية، مؤكدا أهمية التوافق بين ممثلي الوقف وممثلي الاستثمار، ووضوح الصلاحيات بين الطرفين.

وأشار المفدى إلى أن أبرز أسباب التعثر، هو إتمام صفقات الشراء أو الاستثمار بدون الاستعانة بالخبراء والمتخصصين، منوها بأهمية تعيين خبراء ذوي كفاءة عملية ومهنية لتولي استثمارات الأوقاف، إما بالتوظيف أو بالاستعانة ببيوت الخبرة.

وتبعا لذلك، يرى المفدى ضرورة «وجود سياسة استثمارية واضحة للوقف»، من حيث شكل الاستثمار وحجمه ونشاطه وأهدافه، وعدم تعارض سياسات الوقف مع سياسات الاستثمار في أي شيء، ففي حال انعدام هذه السياسة يؤدي إلى التعثر.

ومن معالم هذه السياسة هو عدم «التحيز المعرفي عند متخذي القرار الاستثماري أو مجلس النظارة»، فقد يأتي التعثر من عدم تجربة نماذج أعمال جديدة تعتمد الوسائل الحديثة للاستثمار، فيكون ذلك سببا من أسباب التعثر.
المزيد من المقالات
x