اليابان تفكر في وقف حزم تحفيز القطاع الخاص بعد ظهور بوادر التعافي الاقتصادي

اليابان تفكر في وقف حزم تحفيز القطاع الخاص بعد ظهور بوادر التعافي الاقتصادي

21.4 %: نسبة نمو اليابان، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، في الربع الممتد من يوليو إلى سبتمبر الماضي

يقول بعض الاقتصاديين إن الاندفاع الكبير في الإنفاق يمكن أن يزعج الأسواق، ويضع اليابان على المسار المالي الخاطئ.

طوكيو ـ يقف الاقتصاد في اليابان الآن - كما هو الحال في العديد من البلدان المتقدمة - في منتصف الطريق بمواجهة أزمة وباء كوفيد-19. والسؤال الذي يحيّر البلاد الآن هو: هل يجب على الحكومة اليابانية إعادة قوة الاقتصاد بالكامل عبر ضخ جرعة جديدة وسريعة من الإنفاق الحكومي، أم التركيز بصورة أكبر على جعل القطاع الخاص يعتمد على نفسه عبر تشجيع الاستثمار؟.

وفي الربع الممتد بين يوليو إلى سبتمبر، نما ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين بوتيرة سنوية بلغت 21.4٪. وهذا المعدل هو الأسرع منذ 40 عامًا من الأرقام المسجلة، ومع ذلك لا يزال الاقتصاد الياباني أصغر بنحو 6٪ مما كان عليه في ذروته قبل عام.

وقال الاقتصاديون إن عودة الاقتصاد إلى مستويات نمو ما قبل الوباء قد لا تحدث حتى عام 2024.

وأضاف ريوتارو كونو الخبير الاقتصادي في بنك بي إن بي باريبا: «من المتوقع أن تتباطأ وتيرة النمو بشكل حاد على المدى القريب؛ لأنه من المرجّح أن ينخفض الطلب المكبوت في الداخل والخارج، بينما تنتشر العدوى بسرعة مرة أخرى في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان».

أيضًا لا تزال طوكيو محتارة حول السياسة التي ستتبعها الولايات المتحدة العام المقبل، عندما يصبح جو بايدن رئيسًا رسميًا للبلاد، ويتعامل مع الاقتصاد الذي لا يزال يعاني في العديد من المجالات.

وقال وزير الاقتصاد الياباني ياسوتوشي نيشيمورا، يوم الإثنين الماضي، إن البلاد كانت تعاني من فجوة الإنتاج تبلغ الآن حوالي 300 مليار دولار. وفجوة الإنتاج هي: الفرق بين ما يمكن أن ينتجه العمال في ظل اقتصاد سليم تمامًا وما ينتجون خلال الأزمات.

وفي حين أن العديد من العمال كانت لديهم الكثير من فرص العمل المتاحة العام الماضي، مما ساعد على رفع الأجور، أصبحت الوظائف الآن نادرة في العديد من المجالات.

وعلى النقيض، لا تزال الأماكن التي تعاني من نقص مزمن في الموظفين مثل دور رعاية المسنين بحاجة إلى المزيد من العمل.

ويعتقد بعض المسؤولين الحكوميين باليابان أن ضخ الأموال بسرعة في الاقتصاد من خلال المنح المباشرة ومشاريع الأشغال العامة هو أفضل طريقة لسد الفجوة الموجودة حاليًا في الإنتاج. ووزعت الحكومة ما يقرب من 1000 دولار للفرد في الربيع الماضي، وفي منتصف أكتوبر اقترح بعض المسؤولين صرف منحة إضافية بنحو 500 دولار.

وقال يويتشي تاكاهاشي، مستشار رئيس الوزراء يوشيهيديه سوجا والمسؤول السابق بوزارة المالية: «يمكن للحكومة اليابانية عدم اتخاذ أي خطوة لتحفيز الاقتصاد الآن، ولكن بعد ذلك سنواجه مشكلة ارتفاع عدد العاطلين عن العمل».

وأضاف تاكاهاشي مشيرًا إلى البيان الذي صدر في شهر مايو الماضي عن وزير المالية ومحافظ بنك اليابان، حيث تعهّد بالتعاون مع المستثمرين وقتها، وقال البنك المركزي إنه سيشتري أي سندات ضرورية حتى تدعم الحكومة الاقتصاد. وقال: «لا يوجد سبب يدفع الحكومة اليابانية للتراجع عن تعهّداتها الآن».

ومع ذلك، يقول بعض الاقتصاديين إن الاندفاع الكبير في الإنفاق يمكن أن يزعج الأسواق ويضع اليابان على المسار المالي الخاطئ.

وقالت ماري إيواشيتا الخبيرة الاقتصادية في دايوا للأوراق المالية: «إذا كانت الميزانيات الأكبر تنتج تأثيرات اقتصادية أكبر، لكانت الحكومات أنفقت على المستثمرين إلى ما لا نهاية». وأضافت: «الحكومات يجب أن تستخدم المال عند الحاجة فقط حتى لا تضيع الميزانية».

وبعد شهرين فقط من تولّي رئيس الوزراء الجديد يوشيهيديه سوجا مهام وظيفته، لم يتخذ موقفًا واضحًا حول استمرار أو إيقاف حزم التحفيز الاقتصادي، لكنه ركّز على السياسات التي من شأنها رفع إمكانات النمو الياباني على المدى الطويل، بدلًا من إحداث صدمة فورية للأسواق.

واقترح سوجا قبل فترة وجيزة من توليه منصبه أن ضريبة المبيعات في البلاد، التي تمّ رفعها العام الماضي إلى 10٪، يجب رفعها مرة أخرى لمعالجة عجز الميزانية، على الرغم من أنه قال لاحقًا إنه ليست لديه خطط للقيام بذلك خلال العقد المقبل.

وتُعدّ الحكومة الآن مشروع حزمة تحفيز اقتصادي جديدة لتقديمها إلى البرلمان في أوائل العام المقبل. ويتوقع الاقتصاديون أن تتضمن الميزانية ما لا يقل عن 100 مليار دولار أو نحو ذلك من الإنفاق الجديد، وهو رقم كبير، لكنه أقل من فجوة الإنتاج التي ذكرها وزير الاقتصاد.

ويمكن للشركات تعويض النقص إذا أنفقت أكثر. وانخفضت استثمارات رأس المال من قبل الشركات في الربع من يوليو إلى سبتمبر على الرغم من النمو الاقتصادي القوي بشكل عام، مما يشير إلى أن عدم اليقين بشأن الوباء يفوق الحافز للاستثمار في إعادة تجهيز عالم ما بعد الوباء.

وتركز سياسات سوجا على القضايا طويلة الأجل، مثل التحوّل الرقمي في اليابان وهدفه المتمثل في جعل البلد محايدًا للكربون ـ تقلل من تلوث الهواء - بحلول عام 2050.

وقال تاكيشي نينامي، الرئيس التنفيذي لشركة سنتوري القابضة المحدودة وعضو المجلس الاقتصادي التابع للحكومة: «ما يتوقعه سوجا هو تغيير مسار الإنفاق المالي في اليابان، حتى يتمكّن من تشجيع القطاع الخاص على القيام بمزيد من الاستثمارات وإنفاق المزيد من الأموال».

وقال إن جعل سوق العمل في البلاد أكثر مرونة ودعم وصول المرأة للمناصب القيادية في الشركات يمكن أن يعزز الأعمال اليابانية، على الرغم من أن كلتا المشكلتين كانتا موجودتين بالفعل قبل الوباء بوقت طويل.

وقال ياسوتوشي نيشيمورا، وزير الاقتصاد: «الحكومة اليابانية ستركز على معالجة المشكلات الاقتصادية القديمة التي تركتها لسنوات عديدة ولم تتمكّن من إتمامها».
المزيد من المقالات