الاحتواء الاقتصادي.. الأفضل لكبح نفوذ ميليشيات إيران في العراق

تشكيل جبهة عابرة للطوائف يضعف قدراتها في الانتخابات المقبلة

الاحتواء الاقتصادي.. الأفضل لكبح نفوذ ميليشيات إيران في العراق

الثلاثاء ١٧ / ١١ / ٢٠٢٠
قالت مجلة «ناشيونال انترست» الأمريكية إن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بحاجة إلى تجاوز إستراتيجية الاحتواء السياسي إلى الاحتواء الاقتصادي، كي يتمكن من مواجهة الميليشيات الموالية لإيران في البلاد.

وبحسب مقال لـ «ويب ويبستر»، المحلل في لو بيك إنترناشيونال وخبير متخصص في وحدات الحشد الشعبي ومكانها في بناء الدولة العراقية، فإن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي جعل استعادة السيادة العراقية أولوية رئيسية في جدول أعماله للبلاد.


الاحتواء السياسي

وأردف: تضمن ذلك محاولته كبح فصائل الميليشيات القوية المدعومة من إيران والتابعة لوحدات الحشد الشعبي، التي تهدد بإطالة أمد انعدام الأمن في البلاد.

ومضى يقول: أطلق الكاظمي إستراتيجية احتواء سياسي لتحقيق هذه الغاية، والتي تسعى إلى حشد الجهات الفاعلة السياسية والدينية المتنوعة ضد تلك الميليشيات لعزلها سياسيًا.

ونوّه إلى أن نتائج هذه الإستراتيجية تعني أن احتواء وحدات الحشد الشعبي أفضل قليلًا مما كان عليه الحال قبل وصول الكاظمي إلى السلطة.

وتابع: لكن حدود هذا النهج هي أنه يتجاهل الأساس الاقتصادي الذي تستطيع الميليشيات من خلاله شراء الأسلحة وتجنيد الأعضاء، وشن هجمات مستقلة عن رعاتها الإيرانيين.

إستراتيجية جديدة

وأردف: لمكافحة هذا الأمر، يجب على الكاظمي إطلاق إستراتيجية احتواء اقتصادية تتماشى مع نهج الاحتواء السياسي الذي يتبعه إذا كان يريد تقليص نفوذ الميليشيات وتحسين أمن العراق.

وبحسب الكاتب، فمن خلال الهجمات المتكررة للقذائف والعبوات الناسفة على قواعد وقوافل الجيش العراقي وقوات التحالف، كانت وحدات الحشد الشعبي القوية الموالية لإيران مثل كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر يتمتعون بحرية تشغيلية تسمح لهم بالتصرف بحصانة فعلية.

وأردف: أوضح الكاظمي منذ بداية ولايته أن العراق لن يتسامح بعد الآن مع الإفلات من العقاب الذي تتمتع به الميليشيات، وقد سعى إلى كبح جماح الميليشيات من خلال سياسة تدريجية تقضي على قدراتها وشرعيتها الشعبية.

جبهة موحدة

ومضى يقول: لقد حاول ذلك من خلال بناء تحالف سياسي، عبر الجمع بين الجهات الفاعلة من جميع أنحاء المشهد السياسي والديني في البلاد، لتشكيل جبهة عابرة للطوائف ضد الميليشيات الموالية لإيران.

وتابع: على سبيل المثال، تمكّن الكاظمي من حشد الكثير من التيار الصدري وعلي السيستاني وأتباعه وزعماء القبائل والأغلبية الساحقة من المجتمع السني والأكراد وعمار الحكيم التحالف العراقي الجديد خلف سياسته المتمثلة في احتواء الميليشيات المدعومة من إيران.

وأشار إلى أن هذا التحالف القاسي يغذي طاقة المتظاهرين الشيعة الذين يطالبون بإنهاء وجود الميليشيات.

وأضاف: مع ذلك، استغلت الميليشيات الموالية لإيران نقاط الضعف في المجال الاقتصادي.

نشاط غير المشروع

وأوضح أنه في المناطق التي استعادت السيطرة عليها من داعش، تم تدمير الاقتصاد الرسمي، مما شجّع على نمو هائل للنشاط الاقتصادي غير المشروع.

وتابع: تمكنت الميليشيات الموالية لإيران من رشوة المسؤولين المحليين للتواطؤ معها، مما أدى فعليًا إلى انتزاع عائدات من سيطرة الاقتصادات غير الرسمية مقابل ضمان الحماية.

وأضاف: أدى عدم وجود رقابة مركزية على المحافظات إلى جانب الرواتب المتدنية في القطاع العام إلى جعل هذه الشبكات غير المشروعة جذابة للمسؤولين المحليين والتعاون مع الميليشيات.



تهريب النفط

وأردف: في المناطق الحدودية، سيطرت الميليشيات الموالية لإيران على طرق تهريب النفط القديمة إلى إيران وسوريا وتركيا في كثير من الأحيان دون تدخل من وزارة النفط العراقية.

وبحسب الكاتب، تُعد الرسوم غير القانونية التي تُفرض على المدنيين عند نقاط التفتيش على طول هذه الطرق مصدر أموال آخر لا يتم تحديده مركزيًا، ولكن تديره ميليشيات فردية.

ومضى يقول: على سبيل المثال، في محافظة ديالى، قيل ذات مرة إن عصائب أهل الحق تجني حوالي 300 ألف دولار في اليوم من خلال رسوم نقاط التفتيش وحدها.

أنظمة جمارك

كما فرضت أنظمة الجمارك غير القانونية من قبل الميليشيات ضرائب على البضائع المنقولة بين العراق الكردي والعربي، والتي كانت تدر في وقت ما على منظمة بدر ما بين 12 و15 مليون دولار شهريًا.

وتابع: في الوقت نفسه، من المعروف أن وحدات الميليشيات تتهرب من الجمارك على البضائع الخاضعة للضريبة على الحدود مع إيران من خلال رشوة حرس الحدود.

وأردف: في البصرة، يشكل قادة الميليشيات طبقة كليبتوقراطية من النخب التابعة لمسؤولين محليين، على غرار المافيا. وهذا يضمن أن جزءًا كبيرًا من أرباح منطقة النفط الأكثر إنتاجية في البلاد تقع في جيب الأوليغاركية المحلية الحاكمة بدلًا من أن تأخذ طريقها إلى خزينة الدولة.

تواطؤ مع المسؤولين

وتابع: إن تحصن الميليشيات الموالية لإيران في الاقتصادات الإقليمية بالتواطؤ مع المسؤولين المحليين يتركها مستقلة ماليًا على المستوى المحلي، حيث إنها تكون مدعومة بشبكة تتكوّن من المتعاونين مع الدولة والمسؤولين الفاسدين والعملاء غير الحكوميين والمهربين والأتباع. ويستمر هؤلاء العملاء في الاستفادة من أنشطة مثل التهريب والابتزاز اللذين يشكلان الاقتصاد السياسي للعراق الحديث.

شبه دولة

وأردف: عندما يتم النظر في مدى هذه الأنشطة، تبدأ الميليشيات الموالية لإيران في الظهور كشبه دولة أكثر من كونها قوة أمنية بسبب عمق تجذرهم الاقتصادي، وهذه هي الديناميكية التي يجب أن يدركها الكاظمي في سياسة احتواء الميليشيات.

وبحسب الكاتب، فإن التركيز فقط على المعقل السياسي والأمني للميليشيات الموالية لإيران يتجاهل قدرتها في الحفاظ على شريان الحياة الاقتصادي بشكل مستقل عن الدولة أو الدعم الإيراني.

وتابع: مع ذلك، ونظرًا لأن إستراتيجية الريع الاقتصادية للميليشيا تعتمد على الروابط والشبكات العليا التي طوّرها ائتلاف الفتح في البرلمان، يجب أن يسير الاحتواء الاقتصادي لوحدات الحشد الشعبي جنبًا إلى جنب مع استمرار نزع التسييس عن الوزارات والمؤسسات العراقية مثل الشرطة وإدارات المحافظات الإقليمية.

تآكل القاعدة

وأضاف: إذا كان الكاظمي يريد تآكل قاعدة الميليشيات حتى يتم إقناعها بالإصلاح، فسيتعيّن عليه فصل العلاقة الحميمة بين الاستحواذ الاقتصادي والنفوذ السياسي المحلي.

وبحسب الكاتب، لأن الكثير من الضغط على الميليشيات قد يُشعلها، فإن مثل هذه السياسة يجب أن تعمل ببطء نحو خنق قدرة الميليشيات على جني الأموال.

ومضى يقول: قد تؤدي مداهمة وإغلاق المكاتب الاقتصادية التي تديرها وحدات الحشد الشعبي في جميع أنحاء البلاد من أجل عمليات التربح إلى اندلاع حريق عنيف، وهو آخر ما يحتاجه العراق.

وتابع: مع ذلك، يمكن للكاظمي أن يبسط سيطرته على قطاعه العام، وتحديدًا على الروابط والاتصالات التي تمكنت الميليشيات الموالية لإيران من خلالها من كسب موطئ قدم اقتصادي.

وأشار إلى أن تناوب المسؤولين الإداريين المحليين بانتظام وزيادة رواتب هؤلاء المسؤولين سيقللان من ميلهم إلى التعاون مع الميليشيات.

المساءلة المالية

وتابع: في الوقت نفسه، فإن التدابير الرامية إلى زيادة المساءلة المالية والإبلاغ المالي، وكذلك الإشراف على الاقتصادات الإقليمية، ستقطع شوطًا ما في إضفاء الطابع الرسمي على الاقتصاد غير الرسمي ومنع فساد المسؤولين.

وأضاف: من الناحية الواقعية، لا يمكن للكاظمي تحقيق أي شيء جذري في المجال الاقتصادي. أفضل ما يمكن أن يأمله هو التهام القاعدة الاقتصادية للميليشيات تدريجيًا بحلول موعد الانتخابات المقبلة، على أمل أن تعاني الأحزاب التابعة للميليشيات الموالية لإيران في صناديق الاقتراع.

وأشار إلى أنه إذا حدث ذلك، فسيكون رئيس الوزراء العراقي القادم قادرًا على تمرير الإصلاحات الاقتصادية واسعة النطاق اللازمة لوضع البلاد على مسار طويل الأجل للنمو الاقتصادي، والذي يمكن أن يكون وسيلة لجذب رجال الميليشيات إلى التوظيف الرسمي في القطاع الخاص.

واختتم بقوله: إن السياسة التي تراعي تداخل الاستغلال السياسي مع الفساد الاقتصادي ستقضي على المعقل الاقتصادي للميليشيات، وتحدّ من قدرتها على شراء الأسلحة ورشوة المسؤولين والقيام بعمليات عنف.

دولة داخل الدولة

وبحسب تقارير أمريكية عدة، ومنها تقرير لصحيفة واشنطن بوست، فإن التحدي الأصعب الذي يواجهه الكاظمي هو السيطرة على هذه الميليشيات والتي تهدد بأن تصبح دولة داخل الدولة - بنفس الطريقة التي يعمل بها حزب الله في لبنان. وفي تحد لتلك الميليشيات، يتخذ الكاظمي خطوات شجاعة بتحجيم نفوذها وأدوارها داخل العراق.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن الكاظمي يحاول إنشاء نموذج مختلف في هذا البلد، الذي كان ضحية للفشل العسكري الأمريكي والتدخل الإيراني عبر تأكيده على سيادة بلاده ومكافحة الفساد وتطوير علاقة تدريب عسكري مستدامة مع واشنطن.

الوجود الأمريكي

وأكد الكاظمي في مقابلة سابقة مع الصحيفة أن الميليشيات المدعومة من إيران تشعر بأن شرعيتها تنبع من الوجود الأمريكي في العراق، لكنه حذر من أن هذا لا يعطي الميليشيات الحق في مهاجمة القوات الأمريكية في العراق، مشددًا على أنه يجب أن تحتكر الدولة السلاح، معتبرًا أن أي منظمة تمتلك أسلحة خارج الدولة تعتبر خارجة على القانون.

ومن المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية في يونيو المقبل. وتولى الكاظمي منصبه كرئيس وزراء انتقالي، دون قاعدة طائفية أو حزبية قوية، لكن لديه فرصة للاحتفاظ بالسلطة إذا تمكّن من تسخير الطاقة السياسية للشباب المتظاهرين في الشوارع، الذين سئموا الأحزاب التقليدية والسياسيين.

ويرى الشباب العراقي في الكاظمي سياسيًا مساندًا لموقفهم ومطالبهم، سواء المتعلقة بضرورة إنهاء التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي أو تطهير مفاصل الدولة ممن يدينون بالولاء لإيران أو التصدي للفساد.

نزع السلاح

واتضحت معالم تصميم الكاظمي على التصدي لملف الميليشيات المدعومة من إيران، مع اتخاذ الحكومة العراقية في يوليو من هذا العام قرارًا بنزع سلاح الأحزاب السياسية وزعماء العشائر في بعض المحافظات العراقية، وفي محاولته بسط سيطرته على المنافذ الحدودية مع إيران بشكل فعّال.

الميليشيات التابعة لإيران تهدد بإطالة أمد انعدام الأمن في البلاد

فرضت أنظمة الجمارك غير القانونية بين العراق الكردي والعربي

الفصائل تسيطر على طرق تهريب النفط مع إيران وسوريا وتركيا

دمرت الاقتصاد الرسمي في المناطق التي استعيدت من سيطرة داعش
المزيد من المقالات
x