«الحرية والانطلاق».. سمة «فيديو آرت» علا عباس

«الحرية والانطلاق».. سمة «فيديو آرت» علا عباس

الأربعاء ٠٤ / ١١ / ٢٠٢٠
يعطي فن الفيديو مساحة بلا حدود لها أفقها التعبيري الفردي، ويحتاج الفنان لكي يبدع فيه أن يغوص أكثر في ذاته، وفي بيئته، وفي انتمائه وطموحه؛ لينتج مفرداته الفكرية والبصرية، فهو ليس سينما ولكنه سينمائي، وهو أداة الانتقال من التفكير إلى صورة الفكرة، وهنا تكمن أهمية أن تنجز صورة متحركة ليست فيلما ولكنها فن إبداعي.

وعلا عباس مهندسة معمارية، وفنانة تشكيلية سورية متخصصة في الفنون البصرية، بدايتها الفنية الاحترافية كانت في عام 2015، قدمت خلالها تجارب كانت ملفتة رغم بساطتها، مكنتها من تقديم خمسة معارض فنية في مجال الصورة الرقمية التي تنتمي لتيار الواقعية المفرطة.


وفي الفنون المعاصرة قامت بالتجريب من خلال الدمج الرقمي والتركيب الصوتي؛ لتطور تجربتها في صناعة الأفلام الحركية، وهو ما قادها لفنون ما بعد الحداثة، ما عرفها على أنماط فنية جديدة في مجال التجريب الحركي للصورة، ومن بينها الفيديو آرت، وهو ما قادها للبحث في تاريخ هذا الفن، وسماته الجمالية، وقدراته التعبيرية، ومواقفه الفكرية والبصرية التي تؤثر حسيا وذهنيا.

وحسب تجربتها التي تقدمها، تميل علا عباس إلى أعمال السويسرية بيبيلوتي ريست، رغم أنها لا تتأثر بأي حركة أو أسلوب، فهي لم تبدُ متأثرة بأي فنان عالمي بشكل واضح أو معلن، باعتبار أنها لم تجد من يقدم أفكارها البصرية والسردية بشكل ملفت؛ لأنها تعتبر أن الفنان، مهما كانت مشاهداته ومتابعته، يبقى حقيقيا إذا وجد منفذا يعبر فيه عن خصوصياته الإبداعية، لأن الفيديو آرت يحمل سمة الحرية والانطلاق الذي قد يفاجئ الفنان قبل أن يفاجئ المتلقي، فقواعده، التي تأخذ من السينما ومن السرد ومن الفنون التشكيلية، أشبه بالحالات النفسية الواعية بلاوعيها الإبداعي، وهو ما يفسر الابتكار والتفرد.

وتحمل أعمال علا عباس في الفيديو آرت توليفات وجودية فكرية وفلسفية تدور حول الإنسان في الكون وواقعه وانتمائه من خلال الحسيات المختلفة، والمشاعر المختلطة التي قد تراقب المتلقي وتستدرجه نحو حركة الصورة ومفهومها.

وفي عملها «الثلث الثالث» في مدته الزمنية «2:54 دقيقة» تأتي تجربتها التي تبني مسار علا عباس الحركي في تصورات الفيديو البصرية، وتعتمد بالأساس على المفاهيم التي تحملها الصورة عند الدمج؛ لتعبر عن الحياة كأفراد وعلاقات تجمعهم وتفصلهم، وتستمر بهم أو تستحضرهم، تقيدهم أو تحررهم بين المادي والفكري، والحسي والمعنوي.

وهي لا تقف على تجميع الصور، بل تنتقي تآلفاتها التي تتماشى مع المراحل التعبيرية، إذ إنها، في تصوراتها، تحتك بالمنطق الوجودي لسلسلة الحياة في تكوين الإنسان، وما يتراكم حوله من قيود تتلون وتتشابك وتنفصل وتضمحل؛ لتبني علاقاتها وفق حركة وانبعاثات ووقائع تندمج في الأداء المتراكم مع تواترات الصورة، والتأثير المتناسق مع المؤثر الصوتي الموسيقي المتصاعد بدوره حسب الحالات، والاستمرارية المشار إليها في المفهوم البصري المقترح من فكرة الثلث الثالث. وتقف التصورات التي رصدتها في عملها على التقنيات الرقمية التي لا تحرك الأداء الفردي بقدر ما تُفعل التصور الفوتوغرافي في الصورة نفسها، لتعبر عن ذات الفرد وتحولاته، وعن حركته وثباته، فهي تمنح بالتقنية الرقمية فرصة للصور المتعددة بأن تتقمص دورها، وتسرد بصريات الواقع بفلسفة الحياة وهي تكتمل وتتواصل وتترابط من خلال العلامات ودلالاتها.

● كاتب في الفنون البصرية
المزيد من المقالات
x