إلغاء الكفيل والعلاقة غير محددة المدة

إلغاء الكفيل والعلاقة غير محددة المدة

الأربعاء ١٦ / ٠٩ / ٢٠٢٠
من خلال قراءة لرؤية المملكة والمؤشرات المستهدفة، نجد بكل وضوح أن المملكة تعمل على تحسين بيئة العمل ومناخ الأعمال بهدف جذب ثقة المستثمرين الأجانب لضخ استثمارات داخلية، وبنفس الوقت نجد هناك عملا كبيرا لتحسين ترتيب المملكة في الكثير من المؤشرات التنافسية الدولية وخاصة في مجالي الأعمال وحقوق الإنسان، ولا يعني ذلك أن هناك ضغوطات خارجية على المملكة لتغيير سياستها بالإجبار، فالمملكة ذات سيادة وقوة اقتصادية وتعمل على عدة تدابير إصلاحية مُعلنة لتحقيق مستهدفات رؤيتها 2030.

فيما يخص قطاع الأعمال وبيئة العمل في المملكة، نجد أن سوق العمل يمر بعدة تحديات وتقلبات، فتارة نجد مرونة في تطبيق بعض التوجهات وتارة نجد بعض القرارات القاسية في تطبيقها ولكن تعتبر الخيار الأنسب من ضمن الخيارات المتاحة وفقا للظروف المصاحبة، وبشكل مبسط يمكن وصف سوق العمل بأنه سوق «هش» يحتاج لحزمة كبيرة من الإصلاحات، وهذا ما نراه من خلال التغيرات الكبيرة التي تم تطبيقها على السوق منذ بضع سنوات ماضية لنقله نوعيا حتى يدعم تحقيق المستهدفات المتعلقة به.

كقراءة شخصية منذ بدايات الحديث عن التوجه لتطبيق مبادرة العمل المرن، بدأت ملامح التغييرات الجذرية المستقبلية في سوق العمل تتضح بشكل أكبر، فقبل عدة أشهر كتبت مقالا عن أحد أهم الإصلاحات التي أرى التوجه لتطبيقها على سوق العمل وهو التوجه لإلغاء نظام الكفيل للأجانب في المملكة، وكتصور شخصي وبناء على المؤشرات الحالية لسوق العمل والوضع الراهن، أرى أن هذا التوجه والذي يعتبر من أهم الإصلاحات في سوق العمل سيتم تطبيقه على المدى القريب، وأكبر مؤشر لذلك هو تطبيق وتعديل الكثير من القرارات القريبة والمشابهة لأهداف هذا النظام «نظام إلغاء الكفالة» بالإضافة لتخفيف بعض القيود المتعلقة بالعمالة الأجنبية مما يوحي بأن هناك تدرجا لأمر قادم وجذري على سوق العمل.

سوق العمل في المملكة يحتاج لقواعد تنظيم لحركة انتقال العمالة الوافدة وذلك بشكل أكثر مرونة من الوضع الحالي، ففي الفترة الماضية كان الاعتماد على قرار مجلس الوزراء رقم «826» في عام 1395هـ والمعدل بقرار رقم 759 في عام 1397هـ والذي يختص بقواعد تنظيم حركة انتقال الأيدي العاملة، وحسب علمي أن هذا القرار تم إلغاء العمل به قبل فترة قريبة ماضية، ولا أعتقد أن إلغاءه يعني عدم وجود تنظيم أو توجه كبديل عنه، والأقرب لذلك هو التوجه لإلغاء نظام الكفيل للأجانب وبشكل تدريجي حتى يتكيف القطاع الخاص مع تطبيقه والذي يعتبر من أهم الإصلاحات الجوهرية في سوق العمل.

في سوق العمل السعودي هناك ممارسات من المهم إعادة النظر فيها استكمالا للإصلاحات الهيكلية للسوق، ومن أهمها «نظام الكفيل» و«عقد العمل مفتوح المدة»، فالعلاقة بين طرفي العمل «العامل وصاحب العمل» هي علاقة منفعة يتم ضبطها من خلال عقد عمل مبرم وفقا لنظام العمل، ولذلك أساس أي علاقة عمالية هو عقد العمل «فقط» دون الحاجة لربط العلاقة على أساس «كفيل ومكفول» أو «علاقة مفتوحة المدة»، فعقد العمل من خلاله يتم تحديد الحقوق والواجبات ومدة العقد بين الطرفين وهذا هو الأساس في علاقة العمل، وبمعنى أوضح ما يتم العمل به حاليا في سوق العمل من خلال علاقة «الكفالة العمالية» أو «العقد غير محدد المدة» لا يتفق مع بعض الاتفاقيات التي صادقت عليها المملكة من ضمن اتفاقيات منظمة العمل الدولية وخاصة بعض بنود الاتفاقية رقم 29 والتي تهدف للقضاء على ما يُعرف بالعمل الجبري أو الإلزامي بكل أشكاله، وهو أمر غير صحي للسوق لعدة اعتبارات اقتصادية.

شخصيا لا أتفق مع وجود عقد عمل تحت عُرف «غير محدد المدة» أو عقد «يتحول بعد فترة معينة من محدد المدة لغير محدد المدة»، وذلك يرجع لعدة عوامل تتعلق بالأثر الاقتصادي على سوق العمل، وبغض النظر عن بعض مواد نظام العمل الحالي والتي تحتاج لإعادة النظر فيها، من المهم أن يكون التوازن في حماية طرفي عقد العمل حاضرا ومرنا بشكل أكبر، ومن المهم ألا نضغط على أصحاب الأعمال بأنظمة لحماية العامل «بشكل مفرط»، فكلما ارتفعت تكلفة فصل العامل فسيؤدي ذلك إلى التردد في التوظيف المستقبلي بالإضافة لارتفاع معدلات الدوران الوظيفي غير الصحي، وكلما «أفرطنا» بحماية العامل من فقدان العمل و«تجاهلنا» حماية أصحاب العمل فسيكون ناتج ذلك خروج منشآت من السوق كانت توفر فرصا وظيفية بالوقت الحالي وربما خلق فرص وظيفية عديدة مستقبلية، أي عكس ما يعتقد البعض بأنها وسيلة للمحافظة على وظائف الأيدي العاملة السعودية، وسيقلل ذلك من التنافس بين العاملين مما يؤدي لتدني الإنتاجية والجودة في العمل، بالإضافة لذلك لن نجد أي تحسين فعلي في انخفاض معدلات البطالة، ولن نجد تفرقة بين العاطل والمُعطل خاصة أننا نعمل على إصلاحات في سوق العمل.

إلغاء نظام الكفيل للأجانب ليس بالأمر السهل تنظيميا، فنجاح تطبيقه على سبيل المثال في مملكة البحرين لا يعني نجاحه بنفس المستوى في سوق العمل السعودي وذلك لعدة اعتبارات من أهمها اختلاف أعداد الأجانب العاملين والذي يصل لعدة أضعاف، وبنفس الوقت تطبيق هذا التوجه سيكون له سلبيات وإيجابيات قد يختلف المختصون الاقتصاديون عليها، وأنا أرى إيجابيات هذا التوجه أكثر من سلبياته خاصة للحد فيما يتعلق بحالات «التستر التجاري» والعمالة السائبة بالإضافة لنوعية الأيدي العاملة الوافدة التي سيتم استقدامها، ومن جانب آخر تطبيق هذا التوجه سيميل تأثيره بشكل إيجابي لتفضيل توظيف العمالة المحلية بشكل أكبر، وسيشمل ذلك تصحيحا لمعدلات الأجور في المملكة والذي من خلاله سنصل لمسارات منطقية لتطبيق ما يُعرف بالحد الأدنى للأجور، وحتى ننجح في هذا التوجه فعليا من المهم أن يكون تطبيقه تدريجيا على مجموعة من المهن قبل غيرها، والأهم في ذلك عدم الاستعجال والبدء في تطبيقه بشكل عام على «المهن الدنيا» أو ما تسمى بوظائف «الياقات الزرقاء» الأقل تصنيفا في سوق العمل، حتى تتم معرفة مكامن الخلل عند تطبيقه.

بافتراض أن المرحلة الأولى من تطبيق هذا التوجه لن تتم على «المهن الدنيا»، أرى أن توظيف الأجانب من خلال الدوران الداخلي بشكل مرن يعتبر أفضل من الاستقدام المفتوح، وأهم أثر لذلك هو خفض تكاليف التوظيف مقارنة بالاستقدام، ورفع كفاءة سوق العمل السعودي من خلال رفع معدلات التراكم المعرفي والتي تنتج من الاختلاط مع الكفاءات وذوي الخبرات، فالسوق سيكون متاحا بشكل أكبر لاستيعاب الكفاءات مما ينعكس من ذلك على رفع مهارات الأيدي العاملة المحلية، والبعض قد ينظر لهذا التحليل بأنه «تنظير» ولكن هذا واقع سوق العمل في أي إقتصاد.

إلغاء نظام الكفيل يعتبر حماية للاقتصاد وبشكل أكبر مما يتخيله البعض، وبنفس الوقت قد يستغرب البعض إذا ذكرت أن إلغاء هذا النظام هو حماية للمواطن قبل الأجانب، وهذا التوجه من المهم أن نكون مستعدين له لأن تطبيقه سيتم حتما في سوق العمل مع المتغيرات العديدة التي يشهدها الاقتصاد السعودي، وما أتمناه أن تتم صياغته بشكل منظم وملائم لطبيعة سوق العمل مع أهمية عدم استنساخ أي تجارب دولية بسبب الاختلافات بين سوق عمل المملكة وغيره من الدول الأخرى، وهذا التوجه المهم يحتاج للجنة مشتركة من عدة جهات لتقييم تجربة تطبيقه بشكل دوري، مع مراجعة شاملة لآلية تنظيمه بشكل سنوي.

كمختص في الموارد البشرية أرى أن أهم التنظيمات التي ينبغي دراستها بشكل حذر هو مدة تصريح العمل للأجانب في حال إلغاء نظام الكفيل، وأن تتم مراجعة وتجديد تلك التصاريح بعد التأكد من السجل الأمني والجنائي والالتزام بمدة العقد السابق، وإضافة لذلك تتم إعادة النظر في الرسوم الحكومية التي يتم دفعها من صاحب العمل في الوقت الحالي وتحميل جزء منها للعامل الأجنبي بعد إلغاء نظام الكفيل لأنها مصدر دخل للدولة، ومثل هذا التنظيم يحتاج لأن يكون هناك «ضمان مالي» يتم دفعه من قبل العامل الأجنبي لضمان عودته لبلاده عند أي مخالفة أو عدم الموافقة على تجديد تصريحه، والأهم من ذلك تطبيق المادة 83 من نظام العمل والتي تعنى بحماية المصالح المشروعة لأصحاب الأعمال فيما يتعلق بالمنافسة والاطلاع على الأسرار.

في حال أي إعلان عن أي توجه يخص إلغاء نظام الكفيل بالمملكة سنجد صداما كبيرا بين المتسترين والمُتستر عليهم، وسنرى وقتها ارتفاعا للحوالات الخارجية وبشكل غير متوقع، وسنشهد إغلاقا للعديد من الأنشطة الفوضوية التي تعمل بشكل غير نظامي، ولذلك أتمنى من وزارة الموارد البشرية ألا تستعجل وتستهدف تلك الأنشطة كمستهدفات للتوطين حتى لا تقع بنفس خطأ توطين قطاع الاتصالات والجوالات، فهذا الصدام المتوقع لا يعني أنه فرصة للإحلال الكامل.

استبدال كلمة «الكفيل» بكلمة «صاحب عمل» يعتبر 50% من حل الإشكالية، لأن هناك العديد من القرارات الحديثة التي طبقتها وزارة الموارد البشرية استهدفت العمل على موازنة العلاقة العملية بين العامل وصاحب العمل على أساس أحكام عقد العمل فقط، وما ذكرته أعلاه سيكون له تأثير حتى في تحسين تصنيف المملكة في العديد من مؤشرات التنافسية الدولية.

* مستشار موارد بشرية

طقس اليوم .. رياح وسحب رعدية

إنجلترا..غرامات صارمة على منتهكي الحجر الصحي

10 إصابات جديدة بفيروس كورونا في الصين

بومبيو يعلن إعادة فرض العقوبات الاممية على إيران

اليمن يدعو لاجتماع دولي لمناقشة الهجوم الحوثي على مأرب

المزيد

القوات الجوية تستعد بعروض مبهرة احتفاء باليوم الوطني

كيف تتعامل مع حالات الإصابة والمخالطة بكورونا؟

«دوار البيرق».. «اليوم» تكشف تفاصيل أكبر منحوتة وطنية في المملكة

فلكيون لـ «اليوم»: 4 أيام تفصلنا عن فصل الخريف فلكيًا

"ممنوع الكلام والأكل".. "بروتوكول" كورونا في الفلبين 

المزيد