الشركات عليها الاختيار ما بين واشنطن وبكين بعد الطلاق التكنولوجي بين أمريكا والصين

الصناعات التقنية بين البلدين متشابكة ببعض النواحي ومنفصلة بجوانب أخرى ومحاولات لقطع العلاقات

الشركات عليها الاختيار ما بين واشنطن وبكين بعد الطلاق التكنولوجي بين أمريكا والصين

«لا أعارض القرار الأمريكي بتقييد الشركات أو تنظيمها، بناءً على التهديد المحتمل الذي تمثله الحكومة الصينية» إلسا كانيا- مركز نيو أمريكان للأمن والابتكار

«يمكن منع الشركات الأمريكية والأجنبية التي تستخدم التكنولوجيا الصادرة من الولايات المتحدة من البيع إلى شركات التكنولوجيا الصينية»... دان وانغ- محلل تكنولوجي.

على غرار ما يحدث عندما ينفصل زوجان مشهوران بسبب اختلافات لا يمكن حلها، قد تترك الصين والولايات المتحدة فوضى كبيرة في أعقاب الطلاق التكنولوجي بينهما. وتجلت معركة الوصاية الأخيرة بين الطرفين على شركات التكنولوجيا في إطلاق التهديدات والمذكرات والدعاوى القضائية. وما يحدث الآن، وما سيحدث لاحقًا، سيكون له تداعيات كبيرة على أي شركة تعتمد على تقنيات من أي من الدولتين أو تتعامل معهما.

ولا يعرف أحد بالتحديد أيًا من هذه القوى العظمى ستنتصر مستقبلًا. ويبدو أن بقية هذا القرن سيكون على الأرجح عبارة عن تجربة لتحديد ما إذا كان بمقدور الصين تطوير (أو الحصول على) كل ما تحتاجه للحفاظ على شكل الدولة التكنوقراطية الحديثة - ناهيك عن توسيع قاعدة عملائها الصينيين لتعويض المبيعات المفقودة من خارج حدودها.

وفي غضون ذلك، تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها خسارة الأسواق الضخمة المحتملة في الصين. وفي النهاية، من المحتمل أيضًا أن يعني ذلك أن الشركات الأمريكية سوف تصنع قدرًا أقل من أجهزتها التكنولوجية في الصين، على الرغم من أن ذلك قد يستغرق عقودًا. أما بالنسبة لشركات الإنترنت، فليس هناك الكثير من المخاطر، حيث قامت الصين من خلال قواعدها الحمائية المشددة منذ فترة طويلة بحظر فيسبوك وجوجل وتويتر ويوتيوب ونتفليكس وويكيبيديا ومعظم المواقع والخدمات الأخرى الإلكترونية الغربية السائدة.

وتقوم الولايات المتحدة الآن بفرض الحظر على الشركات الصينية - مع التركيز مؤخرًا على شركة هواوي عملاقة الهواتف المحمولة وأجهزة الشبكات، وتطبيق تيك توك المشهور عالميًا، والتابع لشركة بايت دانس المحدودة، وتطبيق وي شات التابع لشركة تينسينت القابضة. وينصب التركيز هنا على مصلحة الأمن القومي الأمريكي، وليس الحمائية الاقتصادية. وستستبعد «الشبكة النظيفة» التي اقترحها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو جميع التطبيقات الصينية ومقدمي الخدمات السحابية وحتى الاتصالات الصينية والكابلات البحرية من البنية التحتية للإنترنت التي تستخدمها الولايات المتحدة ومجموعة متزايدة من البلدان الأخرى.

وتقول إلسا كانيا، الزميلة البحثية المساعدة في مركز نيو أمريكان للأمن والابتكار الذي يدرس الإستراتيجية العسكرية الصينية: «لا أعارض قرار تقييد الشركات الصينية أو تنظيمها بناءً على التهديد المحتمل الذي تمثله الحكومة الصينية». وأضافت متسائلة: «ولكن هل نسعى للفصل بعناية وبشكل إستراتيجي بين اقتصادي الولايات المتحدة والصين والنظم البيئية للبلدين، أم أننا نقوم بهذا التقسيم بأي وسيلة متاحة، وبطرق يمكن أن تسبب أضرارًا جانبية هائلة للاقتصاد الأمريكي والنظام البيئي للابتكار بشكل عام؟». وقد تعتمد الإجابة على الأعمال التي سيطبق الفصل عليها، كالآتي

تيك توك ووي شات:

تساءل البعض عما إذا كانت مبادرات أمريكا للفصل تعني أن الولايات المتحدة على وشك «تقسيم الإنترنت»، لكن بكين قامت بتأمين نفسها تقريبًا بالفعل. وشركتا تيك توك ووي شات الصينيتان المتأثرتان مؤخرًا بحظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكبر دليل على ذلك.

فتيك توك التابعة لبايت دانس تحظى بشعبية كبيرة بين المراهقين الأمريكيين، ويُعد حظرها في أمريكا تهديدًا كبيرًا لجزء كبير من أعمالها، وخسارة لعشرات الملايين من المستخدمين النشطين شهريًا في الولايات المتحدة وحدها ممن تقدر تعاملاتهم بـ 50 مليار دولار وهو ما يعني على الأرجح نصف القيمة الإجمالية للشركة الأم -.

أيضًا تم حظر تيك توك بالفعل في الهند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وستواجه تيك توك وقتًا أكثر صعوبة للتعويض عن الخسارة الفادحة للمستخدمين الأمريكيين الأثرياء نسبيًا، خاصة لأن «تيك توك لا يعمل في الصين».

نعم ما قرأته للتو صحيح عزيزي القارئ: فمحليًا، تدير بايت دانس خدمة مشابهة ولكنها مميزة تسمى دوين. وتم الفصل بينهما للاحتفاظ بالبيانات للمستخدمين غير الموجودين في الصين خارج البلاد - ولتجنب نوع المشاكل التي تجد الشركة نفسها فيها الآن.

وهذا هو السبب في أن بايت دانس مهتمة ببيع تيك توك بشكل منفصل إلى شركة مايكروسوفت الأمريكية، وربما بمبلغ أقل بكثير من أحدث تقييم للشركة.

من ناحية أخرى، قد لا يعني فرض حظر الولايات المتحدة لوي شات التابع لشركة تينسنت الكثير للشركة، حيث تتزايد أرباح تينسنت بشكل مستمر، وفي أحدث إعلان عن الأرباح ذكرت الشركة أنها تولد أقل من 2 ٪ من إيراداتها العالمية في الولايات المتحدة. وأصبحت النسخة الصينية من وي شات، والتي تحمل اسم ويكشن Weixin، منصة أساسية للتجارة في البلاد، وهي مزيج من باي بال وأوبر وجراب هاب وواتس آب والمزيد من التطبيقات الأمريكية الأخرى. ولكن في الولايات المتحدة، نادرًا ما يتم استخدام هذا التطبيق على الإطلاق.

وحتى الآن ليس من الواضح ما إذا كان الأمر التنفيذي للحظر الأمريكي يهدف إلى منع جميع المعاملات مع تينسينت وبايت دانس، أو مجرد حظر تطبيقاتهم من الولايات المتحدة.

وفي مكالمة مع مسؤولي البيت الأبيض، الثلاثاء قبل الماضي، طلبت أكثر من 12 شركة أمريكية متعددة الجنسيات، بما في ذلك أبل وفورد موتورز ووالت ديزني توضيح هذه المسألة. وهذا الأمر متروك لوزارة التجارة لتفسير قرار الحظر، وكما هو مكتوب حاليًا، يمكن أن تحظر أمريكا أي معاملة تقريبًا مع تينسينت وبايت دانس، في أي بلد.

ويقول دان وانغ، المحلل التكنولوجي في جافيكال دراغونوميكس، وهي شركة أبحاث مقرها بكين، عن المواجهة الحالية بين البلدين: «تمتلك الولايات المتحدة الكثير من القوة هنا، لأنه بالإضافة إلى حظر هذه التطبيقات من أمريكا، يمكن منع الشركات الأمريكية والأجنبية التي تستخدم التكنولوجيا الصادرة من الولايات المتحدة من البيع إلى شركات التكنولوجيا الصينية».

وفي غضون ذلك، تتمتع الصين بنفوذ أقل، كما يقول باتريك مورهيد، رئيس شركة أبحاث التكنولوجيا مور إينسايتس آند ستراتيجي، لأنها منعت بالفعل العديد من شركات التكنولوجيا الأمريكية. ويضيف: «أعتقد أن الصين لعبت أوراقها بالفعل منذ سنوات». ولكن يمكن لبكين الانتقام بوسائل أخرى، على سبيل المثال بإلغاء طلبيات الطائرات مع بوينج.

هواوي وأبل

على الجانب الآخر، تعتبر قصة شركتي تصنيع الأجهزة المحمولة هواوي وأبل، نموذجًا أكثر صعوبة إلى حد ما في الطلاق التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.

فهواوي هي صانع الهواتف الذكية رقم 1 في العالم من حيث الحجم. وتم تدمير مستقبل الشركة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة مايو الماضي أنه لا يمكن لأي شركة أمريكية، ولا أي شركة أجنبية تستخدم التكنولوجيا الأمريكية، البيع مباشرة إلى هواوي دون ترخيص ممنوح من وزارة التجارة الأمريكية.

وقالت هواوي أنها لن تكون قادرة بعد الآن على إنتاج رقائقها الدقيقة الأكثر تقدمًا للاستخدام في كل من الهواتف ومحطات الجيل الخامس الجديد الأساسية، حيث لم يعد بإمكانها الحصول عليها من شركة تصنيع الرقائق تايوان سيميكونداكتور (لأن الشركة التايوانية تستخدم بعض التقنيات المصنوعة في الولايات المتحدة). وتشتري هواوي أيضًا رقائق اتصالات لاسلكية من شركة كوالكوم الأمريكية، والتي تضغط حاليًا على حكومة الولايات المتحدة للسماح باستمرار العلاقة.

والسبب وراء اعتماد الصين في تصنيع أشباه الموصلات على دول أخرى هو أنها لم تكن مستعدة ذاتيًا بما فيه الكفاية للمنافسة على الساحة العالمية. وخلال العام الماضي، استوردت الصين ما قيمته 300 مليار دولار من الرقائق الدقيقة، معظمها للمنتجات التي صدرتها بعد ذلك. ويقول وانغ، إنه نظرًا لأن التكنولوجيا الأمريكية تُستخدم في جميع عمليات تصنيع أشباه الموصلات تقريبًا حول العالم، لا تستطيع هواوي حتى الحصول على رقائق من شركة تصنيع أشباه الموصلات الصينية الخاصة.

ومع ذلك، قد تنقلب الآية ويصبح إجبار الولايات المتحدة لأكبر شركة لتصنيع أجهزة الهواتف الذكية والشبكات الخلوية في الصين - وواحدة من أكبر شركات الأجهزة التقنية في العالم - على الاعتماد كليًا على الأجزاء التي يتم الحصول عليها من خارج الولايات المتحدة دافعا أكبر لها، ويمكن أن يسرع قطاع تصنيع أشباه الموصلات في الصين، حسبما يقول وانغ. بل وقد يكون حافزا أكبر لنمو الصين من الجهود المكلفة التي بذلتها حكومة بكين على مدى عقود.

وبالنسبة لشركة آبل، صانع الهواتف الذكية رقم 1 في العالم من حيث الأرباح، قد يكون التلويح بالضرر الاقتصادي المؤكد المتبادل لكل من الولايات المتحدة والصين كافياً لدفع الشركة للحفاظ على مكانتها المتميزة الفريدة بالصين، على الأقل في الوقت الحالي.

وتضم سلسلة التوريد التابعة لشركة أبل بالصين أكثر من 3 ملايين عامل. ويمكن للصين نظريًا حظر الشركات الصينية من التعامل مع أبل، أو تدمير مبيعاتها في البلاد أو حتى إنهاء قدرتها على إنتاج أجهزة آيفون على الإطلاق. لكن العواقب الاقتصادية على الصين نفسها ستكون شديدة للغاية، ومن غير المرجح أن تفعل الحكومة الصينية ذلك.

وفي ظل الوضع الحالي، لا يبدو أن مبيعات آيفون في الصين تشكل خطرًا، طالما أن الولايات المتحدة لا تمنع بطريقة ما تثبيت الإصدار الصيني من تطبيق وي شات على أجهزة أبل في الصين، كما يقول وانغ.

وبغض النظر عن كل هذا، تعني هذه التوترات أن العديد من الشركات تتطلع إلى تنويع التصنيع بعيدًا عن الصين، ولكن يجد البعض صعوبة في ذلك، لأن الصين تضع حماية خاصة على العديد من عمليات التصنيع الرئيسية. رغم أنه قبل 20 عامًا فقط، كانت الصين دولة ذات خبرة قليلة تقتصر صناعاتها على صب حقن البلاستيك، وثني المعادن وبعض التجميعات النهائية، كما يقول مورهيد.

والدرس المستفاد من هذا هو أن الصين ستتحسن في قطاع صنع أشياء مثل أشباه الموصلات، ولكن بالمقابل ستكون سلاسل التوريد في البلدان الأخرى قادرة في النهاية على صنع المزيد من الأجزاء لأجهزة آيفون.

والآن، باتت الصين بطريقها لتحقيق ليس فقط إنترنت منفصل عن الولايات المتحدة، ولكن أسطول تقني منفصل تمامًا يجمع التطبيقات والخدمات وحتى رقائق السيليكون الدقيقة التي تعمل عليها.

وللمضي قدمًا، فمن المؤكد أن الشركات في الولايات المتحدة ستكون أكثر حذراً في التعامل مع الشركاء المحتملين في الصين، والعكس صحيح. وأفاد مسح صدر في 11 أغسطس الجاري من قبل مجلس الأعمال الأمريكي الصيني أن 86 ٪ من الشركات الأعضاء أفادت بأن التوترات الحالية تعني خسارة المبيعات أو أثرت بطرق أخرى على تعاملاتهم في الصين.

ويقول وانغ: «ترى شركات التكنولوجيا في الصين أن الإجراءات التنظيمية الأمريكية لا يمكن التنبؤ بها مثل الزلازل الكبرى، ولها نفس التأثيرات على سلاسل التوريد». ويضيف: «يتعين على كل شركة أن تتعامل مع موردين مماثلين بدلاء من خارج أمريكا والصين حتى تؤمن نفسها».

ختامًا، إذا تمكنت هاتان القوتان العظميان يومًا ما من التقدم تقنيًا مع تقليل التجارة بشكل ملحوظ، فإن الآثار الجيوسياسية المترتبة على ذلك ستكون مذهلة. والسؤال الآن هو: كيف ستتواصل الصين وأمريكا بشكل مختلف مع بعضهما البعض مستقبلًا إذا لم يعودا يعتمدان على بعضهما البعض في تلبية الاحتياجات التكنولوجية اليومية؟.
المزيد من المقالات