نظام أردوغان يتستر على كارثة اقتصادية في النظام المصرفي التركي

نظام أردوغان يتستر على كارثة اقتصادية في النظام المصرفي التركي

السبت ٢٢ / ٠٨ / ٢٠٢٠
حذرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية من أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يخفي كارثة اقتصادية عميقة داخل البنوك التركية، ولن يكون بمقدوره الاستمرار في تلك اللعبة لفترة أطول.

وبحسب مقال لـ «كريس ميلر»، فمن غير المعروف عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه مبتكر في الأمور الاقتصادية، ومع ذلك طبّقت حكومته تجربة اقتصادية عالية الخطورة العام الماضي.



وتساءل الكاتب: الاختبار الحقيقي هو إلى متى يمكن لتركيا إخفاء حقيقة أنها تنفق أكثر من إمكانياتها؟

وأردف: عادةً عندما تنفق بعض الحكومات أموالًا أكثر من الأموال التي تجنيها من الضرائب، ويظهر ذلك الفرق في صورة عجز ميزانية، يتم تمويله عبر إصدار سندات يجري تداولها في السوق الدولية، ويكون من السهل تعقبها.

حجم الدين

وتابع: إذا زاد حجم الدين للغاية، وارتفعت تكاليف الاقتراض، حينها ستقصر الدولة عن تسديد ديونها أو تطلب مساعدة مالية. وبرغم أن هذا النوع من أزمات الديون ليس جيدًا، كما في حالة الأرجنتين واليونان وباكستان، إلا أنه على الأقل واضح ومألوف.

ومضى يقول: أنفقت تركيا أكثر مما ينبغي، لكنها فعلت ذلك بطريقة ساعدتها على إخفاء التكاليف التي تحملها نظامها المالي، ما يجعل هذه التكاليف مخفية للجميع باستثناء المدققين الماليين الأشد التزامًا.

وأردف بقوله: هناك القليل من الديون السيادية، وهو النوع الذي تموّله عادة السندات الدولية، لكن قيمتها الإجمالية تشهد ارتفاعًا نوعًا ما. لكن مشاكل تركيا بدأت تتراكم منذ أجرت بنوكها عمليات اقتراض كبيرة، من بينها بنوك خاصة ومملوكة للدولة.

وأشار إلى أن البنوك التركية استغلت قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بإبقاء معدلات الفائدة منخفضة خلال الأزمة المالية في 2008 لتحفيز انتعاش اقتصادي بالولايات المتحدة.

أزمة مصرفية

وأوضح أن هذا القرار جعل اقتراض الدولار من جانب الأمريكيين أو أي جهة تبحث عن قروض رخيصًا، وهو الأمر الذي دفع البنوك التركية إلى الانغماس في الحصول على قروض بالدولار ذات أسعار فائدة منخفضة.

وأضاف: لهذا السبب، أصبحت البنوك التركية تمتلك الكثير من الدولارات، التي مكّنتها من إقراض شركات تركية تعمل في صناعات مثل السياحة والطاقة والبنية التحتية والعقارات، والتي فضّلت أن تكون القروض بالدولار، وليس الليرة بسبب انخفاض أسعار الفائدة عليها.

ونوّه إلى أن قطاعات مثل البنية التحتية وسوق العقارات تبيع منتجاتها بشكل رئيسي للأتراك، وبالتالي فإن تسعير عائداتها كان بالليرة التركية. لكن تسديد قروضها كان لا يزال بالدولار.

وأوضح أن المشكلة حدثت مع انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار، وكان معدل الانخفاض كبيرًا في السنوات القليلة الماضية، ما جعل من الصعب على الشركات التركية تسديد قروضها الدولارية، وهذا ينذر باشتعال أزمة مصرفية.

خطر إضافي

ولفت الكاتب إلى مشكلة أخرى تمثلت في أن الدولارات التي اقترضتها البنوك التركية من الخارج لم يتم منحها إلى الشركات التركية، حيث اقترض مواطنون أتراك مبالغ وأنفقوها في الأغلب على شراء منازل أو سيارات بالليرة التركية، وليس الدولار.

وتابع: لذلك احتاجت البنوك التركية الليرة لإقراضهم. وأخذت المصارف الدولارات التي راكمتها وحوّلتها إلى ليرات في الأسواق المالية، ودفعت رسومًا مرتبطة بسعر فائدة الليرة الذي حدده البنك المركزي التركي.

وأوضح أن هذا خلق خطرًا إضافيًا في النظام المصرفي التركي، حيث إنه في حال ارتفعت أسعار الفائدة، سترتفع تكلفة اقتراض البنوك بالليرة ارتفاعًا هائلًا، ما سيقلل من أرباح المصارف.

ومضى يقول: خلال الأشهر القليلة الماضية،عندما ضرب وباء فيروس كورونا الاقتصاد العالمي، تضررت الأسواق الناشئة مثل تركيا تضررًا شديدًا، حيث خسرت الليرة 10 % من قيمتها في مارس وأبريل فقط. وتابع: عندما تنخفض الليرة، يرتفع سعر البضائع المستوردة، وتتراجع مستويات معيشة الأتراك.

إنفاق الاحتياطيات

وأردف يقول: خشية ردود الفعل، قررت الحكومة التركية وقف هبوط الليرة أكثر. استخدمت الحكومة أسلوبًا معتادًا، عبر بيع الدولارات لشراء الليرة في السوق المفتوح، ما عزّز من قيمة العملة الوطنية التركية. ونجح هذا الإجراء في الحفاظ على سعر الليرة عند حوالي 6.85 مقابل الدولار في معظم شهري يونيو ويوليو.

ولفت الكاتب إلى مشكلة هذا الإجراء تتمثل في أن إنفاق احتياطيات الدولار لحماية قيمة العملة الوطنية لن ينجح في تحقيق الهدف منه إلا إذا كان هناك دولارات يمكن إنفاقها.

وأضاف: بدأت الحكومة التركية هذا العام، وهي تمتلك احتياطيات أقل بكثير مما ينبغي، وواجهت بعد وقت قصير مطالب بزيادة إنفاقها عبر إجراء حماية العملة، لكن من أين يمكن العثور على مزيد من الدولارات لحماية الليرة.

البنك المركزي

ولفت إلى أن إجراء حماية العملة دفع البنك المركزي إلى اقتراض دولارات من البنوك التركية، موضحًا أن البنك المركزي مدين بـ54 مليار دولار للبنوك المحلية.

وأضاف: لكن وفقًا لتقديرات من شركة «جولدمان ساكس» للاستشارات، أنفق البنك مبالغ أكثر من هذا، أي نحو 65 مليار دولار في ذلك العام، إضافة إلى 40 مليار دولار كان قد أنفقها في عام 2019.

وتابع: لذلك، ووفقًا لمعظم البيانات الأخيرة التي نشرتها الحكومة التركية، يواجه البنك المركزي عجزًا بنحو 25 مليار دولار، في حال خصم الأموال التي يحتفظ بها في صورة ذهب وريالات قطرية.

ومضى يقول: أن تكون هناك ثغرة كبيرة في الميزانية العمومية للبنك المركزي أمر لا ترغب فيه أي دولة، لكن هذه هي الحقيقة التي تواجهها تركيا، حيث لم يعد ممكنًا حماية الليرة بمستواها الذي كانت عليه في أوائل الصيف. لقد تهاوت قيمتها بالفعل، ويبدو أن هبوطها أكثر مسألة وقت.

ركود أشد وطأة

وشدد الكاتب على أن الطريق إلى المستقبل محفوف بالمخاطر، مضيفًا: «في حال انخفضت قيمة الليرة، ستكافح البنوك التركية المثقلة بديون دولارية لتسديدها، كما أن حدوث هبوط أكبر لليرة يمكن أن يؤدي لإفلاس تلك البنوك».

وأضاف: في حال رفع أسعار الفائدة، فربما يستقر سعر العملة، لكن الاقتصاد سيدخل في ركود أشد وطأة، ما سيفاقم من التدهور الذي تسبب فيه الوباء، وبما يضر بشعبية أردوغان.

ولفت الكاتب إلى أن هذين الخيارين خطيران، لكن عدم القيام بأي إجراء ستكون تداعياته أسوأ، حيث ستهبط الليرة على أية حال، وسيغرق الاقتصاد في حالة ركود طويلة أيضًا.

وختم الكاتب بقوله: رغم أن تجربة أردوغان الاقتصادية كانت مثيرة للاهتمام إلا أنها خلقت إحساسًا زائفًا بالاستقرار. إن إخفاء مشاكل البلاد الاقتصادية المتجذرة في النظام المصرفي لن يكون سوى عملية تستر مؤقتة.
المزيد من المقالات