الفنون البصرية السعودية تحلق بالمزادات العالمية

تحتل مكانها في الصفوف الأولى بلوحات بيعت بملايين الريالات

الفنون البصرية السعودية تحلق بالمزادات العالمية

الأربعاء ١٢ / ٠٨ / ٢٠٢٠
عاشت الفنون البصرية السعودية نقطة تحول في أسلوب تقديمها إلى العالم، حيث بدأ حضور المحاولات الأولى في الفنون السعودية خارجيا مع ابتعاث رواد الفن التشكيلي إلى الخارج في الخمسينيات والستينيات الميلادية، وبالرغم من ذلك فإن المملكة تأخرت في الدخول لميدان الفنون والمزادات، حيث افتتح الملك سعود بن عبدالعزيز أول معرض فني بالمملكة عام 1958، ولكن هذا لم يمنع الفنانين السعوديين من أن تبرز وتتميز أعمالهم في المزادات الفنية العالمية، وبحسب تقرير الحالة الثقافية للمملكة 2019، فإن سوق المقتنيات الفنية يفتقر للأرقام الإحصائية ووجود معايير مستقرة للتقييم أو التحقيق، ومن هنا تأتي أهمية المزادات الفنية.

أول لوحة


وعند الحديث عن الفن التشكيلي السعودي، فإن الفنان الراحل محمد السليم هو من أبرز أوائل مَنْ أسسوا الحركة التشكيلية، ويذكر أن أول لوحة فنية سعودية تم بيعها هي للفنان السليم بمبلغ مليون ريال سعودي، وكانت اللوحة دعما لمشروع محدد آنذاك.

وفي 2007 سجلت حنان باحمدان سبق الريادة كأول فنانة سعودية تعرض أعمالها بصالة سوذبي في لندن، حيث عرضت لوحتها الشهيرة «العم منسي» ضمن مزاد عالمي نظمته الصالة.

وأوضحت الفنانة التشكيلية الحاصلة على درجة الدكتوراة في تاريخ الفن الحديث والمعاصر إيمان الجبرين أنه لا يمكن تحديد أول عمل فني سعودي بيع في مزاد، وقالت: حسب علمي فإن هناك صورا فوتوغرافية قديمة تعود لما قبل العهد السعودي، أذكر منها الصور التي التقطها الطبيب «عبدالغفار البغدادي»، التي بيعت في المزادات العالمية منذ القدم.

أما من حيث اللوحات والمجسمات، فذكرت الجبرين أنه قد بيعت سابقا أعمال حفر وطباعة للفنانة السعودية صفية بنت زقر في أحد المزادات في لندن، كذلك بيعت لوحات صغيرة الحجم للفنانة حنان باحمدان.

استدامة القطاع

وقالت الجبرين: حركة أعمال الفنانين السعوديين في سوق الفن العالمي بالبيع والشراء أمر مهم وصحي جدا، ليس فقط لأنه يعود بالربح على الفنان أو مقتني العمل، الذي قرر طرحه في المزاد، وإنما يشجع الاستثمار في الفنون، ويوجد جيلا كاملا من المقتنيين الجدد، ما يحقق الاستدامة في هذا القطاع، فالبيع في الأسواق غير الرسمية «أي مراسم الفنانين مثلا» رغم أنه سريع ويجعل الفنان يستفيد بكامل المبلغ، فإنه -من وجهة نظري- غير صحي على المدى البعيد، فالمشترون الجدد لا يستطيعون تقدير قيمة هذا الفنان ليثقوا في أن أعماله ستكون استثمارا جيدا يمكن أن يعود عليهم بالربح في المستقبل؛ لأنهم لا يعلمون كم باع من عمل، وما هي الفئة المهتمة عادة باقتناء أعماله وكم عددهم.

أغلى فنان

وفي عامي 2008-2009 بدأت الأعمال الفنية السعودية تجذب دور المزادات والمقتنيين والمستثمرين والجمهور، وحققت لوحة الفنان أحمد مطر «إضاءة 5 و6»، ولوحة «حوار» للفنان مهدي الجريبي أعلى الأسعار حينها في مزاد كريستيز المقام في دبي، الذي شارك فيه أيضا الفنان عبدالناصر غارم بعمل فني بعنوان «السلوك المستعاد».

من هنا أصبح اسم غارم يصعد في الأرجاء، ويضع بصمته في الساحة الفنية العربية، إن لم تكن العالمية، ليبني رؤية وجيلا فنيا جديدا، وذلك من خلال مزاد كريستيز «دبي» في 2011م، وبيع عمله الفني «الرسالة» بما يقارب 3 ملايين ريال سعودي، ويعتبر هذا أكبر مبلغ يدفع ثمنا لعمل فني في الشرق الأوسط، ويتكون من تركيب من الخشب والنحاس، بقطر يتجاوز 3 أمتار، وطول يتجاوز المترين، وتقوم فكرته على القبة التي بناها الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان عام 688م، عندما رأى انبهار المسلمين بقبة كنيسة القيامة من جمال معماري، وتجسيد ما يتمتع به المسلمون من فن العمارة الإسلامية والقيم الجمالية.

رواد الفن

وفي عام 2014 أصبحت الأعمال الفنية السعودية في أوج صعودها وتحقيقها أعلى الأرقام، ما أعاد النظر لقدامى وكبار الفن التشكيلي السعودي، حيث عرضت للبيع مختارات من 5 فنانين من رواد الفن في المملكة ضمن مزاد دار «سوذبي» في الدوحة، ومن الأعمال التي عرضت لوحة «حارة الشام» للفنان عبدالحليم رضوي، التي نفذها عام 1985، وجسد فيها إيقاع الحياة اليومية في حارة الشام، إحدى حارات جدة القديمة، وفي التجريدية تم اختيار لوحة الفنان محمد السليم «من دون عنوان»، التي تقدم منظرا لكثبان رملية تمتد للأفق، وظهر التراث في لوحة «بيت التشكيليين» للفنان طه الصبان، ولوحة «مكان» لعبدالرحمن السليمان.

3 لوحات

بعدما لوحظت أعمال الفنان عبدالرحمن السليمان ابن المنطقة الشرقية وأهم فناني المملكة، تم ضم أعماله لمزاد «سوذبيز» في لندن عام 2018، ليقع الاختيار على أهم إنجازاته المبكرة نسبيا وهما «جلسة وقت الضحى»، التي نفذت عام 1980، وتلتها بعام لوحة «خروج المصلين من المسجد»، والعملان مرسومان بالألوان الزيتية ويستعيدان ذاكرة من حي الكوت بالأحساء، الذي عاش فيه السليمان طفولته، وكانت اهتماماته في منتصف السبعينيات إلى عام 1981 نحو الاشتغال على مواضيع من ذاكرته ولمدينته الأحساء، استعاد فيها بعض المظاهر والحياة اليومية، كما استهوته التكعيبية كمدرسة تحقق الهدف الفني في خلق حيوية وابتكار فني جمالي، ليتحرر فيه من قيود المحاكاة والتمثيل، ويميل في لوحاته إلى التحليل والاكتفاء بمجموعة لونية تحقق الفكرة، وفي عام 2019 لم يتوقف السليمان عند هذا الحد، ففي نفس المزاد تم بيع لوحة «مسحة على رأس يتيم» لتصبح ثالث لوحة له تباع في مزاد عالمي.

نقطة تحول

مثّل عام 2019 نقطة تحول وفرصة لفتح آفاق جديدة، ورؤية فنية محلية، لتشجع الفنانين السعوديين على الإبداع والعطاء والتميز، وخلق حركة تشكيلية بأهداف ثقافية واقتصادية، حيث نظمت دار كريستيز مزاد «الفن للبلد» في جدة، ليصبح أول مزاد فني يقام في المملكة، ويعتبر البعض ثقافة المزادات الفنية جديدة على المملكة، إلا أن بصمة الفنانين والمقتنيين السعوديين واضحة في هذا المجال دوليا.

وشهد المزاد تنافسا بين المقتنيين حتى اقترب حاجز المبيعات من 5 ملايين ريال، وضم المزاد أعمال 43 فنانا عربيا، من ضمنهم 25 فنانا سعوديا، وجاءت لوحة «شهود في الصحراء» للفنان عبدالله الشيخ في المرتبة الثالثة في قائمة الأعلى مبيعا، تقدمتها في المرتبة الثانية لوحة «إلى أين» للأمير بدر بن عبدالمحسن، أما اللوحة التي حصلت على المبلغ الأعلى فهي لوحة «طواف حول الكعبة 2» للفنان عبدالله الشلتي، حيث تم بيعها بمبلغ 650 ألف ريال.

دفع الحركة

الأصداء المميزة وحجم المبيعات الكبير لمزاد «الفن للبلد» جعلت منه بداية مهمة، ونقلة نوعية في تطوير المجالين الفني والثقافي في المملكة، حيث تجدي هذه المزادات في دفع الحركة التشكيلية للمملكة، وتجمع أشخاصا لديهم الرغبة في اقتناء الأعمال، وإعطائها قيمتها عن طريق إيصال قيمة اللوحة بقناعة من قبل المقتنيين.

ويواصل الفنانون السعوديون خوض المنافسة وتحقيق أعلى الأرقام، وزيادة الطلب على أعمالهم، ما جعل لهم مقعدا في الصفوف الأولى في المزادات والمعارض الفنية العالمية.
المزيد من المقالات