منطقة الشرق الأوسط تخسر شكلها السياسي

منطقة الشرق الأوسط تخسر شكلها السياسي

«الطموحات الروسية في منطقة الشرق الأوسط خلال عهد الرئيس فلاديمير بوتين باتت أكثر تواضعا»

«خذ حلوى البودنغ هذه معك.. فهي بلا شكل».. بضع كلمات قالها رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل، عندما تم تقديم حلوى شكلها غير مميّز له. واليوم وبعد كل هذه السنوات يبدو الشرق الأوسط وكأنه مثل الحلوى التي رفضها تشرشل بلا شكل أو هوية، لكن العم سام (يقصد أمريكا) قد لا يرفضها مثل تشرشل، وذلك لأن المبدأ الأمريكي يقول إن الحصول على حلوى عديمة الشكل أفضل كثيرًا من الحصول على حلوى مسمومة.

ومن الصعب المبالغة في تقدير حجم التغيّرات التي مرّ بها الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس الماضية، حيث اختفت الأنماط السياسية العظيمة والقصص المميّزة التي شكّلت المنطقة خلال القرن العشرين إلى حد كبير.

ولكن.. بالرغم من ذلك لم تكن هذه التغيرات هي «نهاية التاريخ»، التي وصفها العالم السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتاباته، والذي تنبّأ بأن أيديولوجية سياسية واحدة ستمتص أو تهزم جميع المنافسين. فما حدث حقًا هو أن جميع الأيديولوجيات المتنافسة فشلت في تشكيل المنطقة.

وكانت الولايات المتحدة تأمل في أن تعيد منطقة الشرق الأوسط تشكيل نفسها على هيئة مجموعة من الديمقراطيات المسالمة، ولكن هذا الأمل انهار بعد فشل الربيع العربي. ورغم أنه لا يزال هناك ليبراليون في العالم العربي، وبعضهم علمانيون، لكن لا أحد يعتقد أنهم سيقودون المشهد السياسي في المستقبل المنظور.

على الجانب الآخر، توفي حلم «الشكل الديمقراطي الحديث للحكم الإسلامي»، الذي كان يمثله من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية في تركيا، وذلك لأن انحراف أردوغان الاستبدادي، والإطاحة بحكومة الرئيس محمد مرسي في مصر، وانحدار المتمردين السوريين نحو أيديولوجيات إسلامية أكثر راديكالية، جعل الإسلاميين السياسيين يبدون ساذجين وغير مهمين في الشرق الأوسط تمامًا مثل الليبراليين.

أيضًا بعد سقوط تنظيم داعش الإرهابي، فقدت الأيديولوجيات الإرهابية الجهادية المتطرفة بعض جاذبيتها. وأظهر استطلاع أجرته شبكة بي بي سي/‏ عرب باروميتر في عام 2019 زيادات كبيرة في نسبة الشباب أقل من 30 عامًا من العرب الذين يعتبرون غير مؤيدين للإسلام السياسي، كما تضاءلت الثقة في الزعماء الدينيين.

ليس هذا وحسب، حيث تلاشت أسطورة القومية العربية القديمة الناريّة لعصر الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وكان صدام حسين آخر من سقطت رايته.

وحاليًا تستمر منافسات القوى العظمى في المنطقة، ولكن بكثافة أقل مما كانت عليه في الماضي القريب. والقوة العظمى الوحيدة القادرة على فرض نفسها على المنطقة الآن هي الولايات المتحدة، والتي تحاول الحد من التزاماتها وتقليص تدخّلها، كما تقلل الصين من أهمية أي مصلحة جيوسياسية في المنطقة، مما يجعل الشرق الأوسط خارج معادلة التنافس بين القوى العظمى الناشئة.

وعلى قائمة الدول الأقل قوة في المنطقة تأتي روسيا وتركيا وإيران، ولكن لا يبدو أن أيًا منها مستعد بما فيه الكفاية لتحقيق مكاسب كبيرة في الشرق الأوسط. وبينما كان الاتحاد السوفيتي يطمح إلى اجتذاب الشرق الأوسط بأكمله في مداره، إلا أن الطموحات الروسية في عهد الرئيس فلاديمير بوتين باتت أكثر تواضعًا. ورغم أن روسيا تدخّلت في سوريا وليبيا، وتتطلع إلى تعزيز مكانتها كوسيط سياسي وشريك نفطي، إلا أنها تفتقر إلى الموارد اللازمة لفرض قالب كبير محدد على المنطقة.

أما نظام الملالي الإيراني فيبدو أنه مُحبَط، وذلك لأن الفساد والهشاشة الاقتصادية للنظام الثوري كشفا عيوب أيديولوجية المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وأضعفا من سلطته داخل البلاد، كما يحد الضغط الاقتصادي الناتج عن العقوبات الأمريكية من قدرة النظام على تعزيز طموحاته ودعم وكلائه في الخارج.

وبينما يحلم أردوغان بجعل إسطنبول مركزًا سياسيًا وروحانيًا جديدًا للشرق الأوسط، إلا أن الدولة التركية الحالية ـ على غرار الإمبراطوريتين العثمانية والبيزنطية قبلها ـ تعيش في نعمة ونقمة بسبب موقعها الجغرافي.

فموقع تركيا المركزي ضمن لها التحوّل لقوة مهمة في شؤون البحر الأبيض المتوسط والبلقان والقوقاز والشرق الأوسط، ولكن هذه المركزية جعلت تركيا مكشوفة أيضًا من جميع الجهات لقوى معادية محتملة. وفي الوقت الحالي، باتت علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران وإسرائيل ومصر واليونان جميعًا سيئة.

وأصبحت قيادة الدول العربية في المنطقة للأحداث أقل احتمالًا. فالعراق وسوريا ولبنان وليبيا مزّقتها الحروب، وباتت دولًا فقيرة ومقسّمة. والخليج العربي لم يتمكن بعد من إحلال السلام في اليمن، ويحاول التصدي لإيران.

وتركز مصر، التي كانت قوة ثقافية وسياسية في العالم العربي، على الشأن الداخلي. وإلى جانب جهود حكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي لاحتواء المعارضين الإسلاميين، تواجه تراجع قطاع السياحة وتحويلات العاملين المصريين في الخليج، والتي تقلصت بسبب إغلاق فيروس كورونا المستجد.

إن الوضع الراهن ليس حميدًا ولا مستدامًا. والحروب في سوريا واليمن وليبيا تتحرك بجهود صنع السلام غير العادية فقط. والركود الاقتصادي والسياسي يعني أن ملايين الشباب العرب ممن يغادرون الجامعات كل عام سيكونون بدون وظائف، إضافة إلى وجود هامش بسيط من الحرية وأمل أقل.

وفي الوقت الحالي، يعتبر الشرق الأوسط المشوّش مكانًا لا يشعر فيه أحد بالسعادة، ولكن المصالح الأمريكية آمنة بشكل معقول، ويتدفق النفط بحرية إلى أسواق العالم، والقضية الإسرائيلية - الفلسطينية مستقرة في المنطقة. ولا يحتاج الدفاع عن هذا الوضع الفوضوي الراهن إلى عمليات نشر القوات الأمريكية واسعة النطاق في المنطقة.

وبدأ الانسحاب الأمريكي العسكري من الشرق الأوسط في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، بعدما تلاشت آمال إدارته في تحقيق الإسلاموية الديمقراطية. ثم توقف سحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط لفترة وجيزة لمحاربة داعش، وعاد مجددًا في عهد الرئيس ترامب.

وقد يحاول المرشح الرئاسي الأمريكي المحتمل جو بايدن إعادة البدء من جديد مع إيران والانخراط بجدية أكبر في صنع السلام في ليبيا وسوريا، ولكن ما لم تظهر تحديات جديدة كبرى، فمن المرجّح أن تستمر إدارة بايدن المقبلة في مسار ترامب - أوباما الأساسي.

«منافسات القوى العظمى في المنطقة ستستمر، ولكن بكثافة أقل مما كانت عليه في الماضي القريب»

النيابة العامة: 4 حوادث سير تعتبر من الجرائم الكبرى

الرئيس اللبناني: لن يمنعني أحد من كشف حقيقة انفجار المرفأ 

سفير المملكة لدى لبنان: الجسر الجوي يعبر عن التضامن مع الشعب اللبناني

أمريكا تفرض عقوبات على زعيمة هونج كونج ومسؤولين صينيين

إغلاق مدرستين في ألمانيا  بسبب كورونا

المزيد

«الأرصاد» تنبه: أمطار غزيرة وسيول على مكة والطائف

البحرين تحبط عمليتي تهريب لمواد متفجرة من إيران  

عروس بيروت: تساءلت.. كيف سأموت؟

إعلان نتائج الفرز الثالث والأخير للقبول الجامعي بجامعة الملك عبدالعزيز

المملكة تٌسيّر أولى طلائع الجسر الجوي لمساعدة منكوبي انفجار بيروت

المزيد