التوزيع الشرعي للميراث يحافظ على تماسك الأسرة والمجتمع

القرآن الكريم فصل في أحكامه لمنع الخلاف بين أهل العلم

التوزيع الشرعي للميراث يحافظ على تماسك الأسرة والمجتمع

الثلاثاء ١٤ / ٠٧ / ٢٠٢٠
المواريث من الأمور الشائكة والمعقدة، التي تتطلب دقة وضميرا حيا خاصة أن النفس جبلت على حب المال، وربما تنجرف إلى الظنون وسوء النوايا، والبعض للخبث، في محاولة للتضليل أو العبث، رغم أن الشرع بيَّن والقرآن الكريم جاء بنصوص واضحة في المواريث والقسمة، وهناك عدة تفسيرات لما يطرأ على النفس البشرية لدى البعض من تحولات وانقلابات وأحيانا منازعات من ناحية الميراث، فهل للتربية دخل في ذلك أم أنها مسألة ضمير ووازع ديني؟ وكيف يحافظ الإنسان على توازنه أمام هذه النزاعات، خاصة أن قضايا الميراث تتشعب حسب الورثة، والعوامل النفسية والاجتماعية تؤثر في نفس الوارث؟.

تربية إيمانية


واعتبر أستاذ الفقه وأصوله بجامعة الملك فيصل د. عبدالله الديرشوي أهمية دور التربية الإيمانية الصالحة في معالجة هذا الحرص الشديد على المال، كما أن للوعي الصحيح لوظيفة المال أثرا كبيرا في وضعه في مكانه المناسب، فالمال وجد ليكون خادما للإنسان، ووسيلة لجلب السعادة له، فلا ينبغي أن يجعل من نفسه عبدا له، وفي الحديث: «تَعِسَ عبدُ الدينار، وعبدُ الدرهم، وعبدُ الخميصة، إنْ أُعطيَ رضي، وإنْ لم يُعطَ سخط ...» رواه البخاري، يضاف إلي ذلك إدراك ما يعنيه عدم الرضا بالتوزيع الشرعي للميراث من شك في عدالة الله، الأمر الذي يتنافى مع أصل الإيمان.

مهمة خطيرة

فالميراث من المواضيع المهمة والخطيرة في حياتنا الاجتماعية، لسببين:

أولهما: تعلقه بالأسرة، بل بالدائرة الضيقة منها، حيث لا يوجد مَنْ هو أقرب للمورث «الميت» أكثر من الورثة، ومن ثم فإن أي خلاف يدب بينهم، قد يتسبب في تصدع الأسرة وتمزقها، ولا يخفى ما له من أثر خطير على كيان المجتمع وتماسكه.

ثانيهما: تعلقه بالمال، وهو مقصد من المقاصد الشرعية الخمسة الكبرى، التي جاء الشرع لتنميتها والمحافظة عليها، وهو أحد ضرورات الحياة، وقد جبل الإنسان على حبه، والحرصِ عليه، قال تعالى: «وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» العاديات: 8، والخير هو المال، وقال تعالى: «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ومن هنا فقد فصل القرآن الكريم في أحكام الميراث ما لم يفصل في غيره، تقليلا لمساحة الخلاف بين أهل العلم لخطورته، في الوقت الذي أجمل القرآن الكريم فيه أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج مع كونها من أركان الإسلام، وأحال تفاصيلها إلى السنة المطهرة، لأن الخلاف فيها لن يؤدي إلى تنازع وشقاق، بخلاف الميراث، فإنه المال محدود الكمية، والأفراد الذين يتنازعونه ويرون أنهم الأحق به متعددون، وتقديم أي فرد، يترتب عليه تأخير غيره، والزيادة في حصة أي وارث يعني النقصان من حصة آخر، ومن هنا اقتضت الحكمة الإلهية أن يتولى القرآن الكريم بنصوصه القاطعة تحديد درجات الورثة وأنصبتهم، بيانا للحقوق، وتحقيقا للعدل، وحسما للخلاف بين الورثة.

نفوس ضعيفة

ولكن ومع هذا كله، قد نجد نفوسا ضعيفة لا تَقبل هذا التوزيع، وتظهر عدم رضاها به، وتحاول التحايل عليه للاستئثار بالميراث بحرمان الإناث أو الصغار من نصيبهم، وهو أمر متوقع ينسجم مع أنانية الإنسان، وحرصه على المال إن لم يهذبه الشرع، ولذلك نجد القرآن الكريم يعقب بيانه -للورثة من الأولاد والوالدين والأزواج- بقوله: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) » النساء 13- 14، فينبه إلى أن هذا التوزيع من حدود الله، ولا يجوز تجاوزه أو التلاعب به، بل ربما أوصله عدم رضاه بذلك إلى الخروج عن دائرة الإيمان إن رأى في حكم الله وتوزيعه ظلما، قال تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً».
المزيد من المقالات
x