المحتوى المنشور بترخيص من الشريك التجاري. صحيفة وول ستريت جورنال

انتقام الهند من الصين له عواقب اقتصادية

بعد حظر نيودلهي لتطبيقات بكين

انتقام الهند من الصين له عواقب اقتصادية

الاثنين ٠٦ / ٠٧ / ٢٠٢٠

80 مليار دولار.. حجم التجارة الثنائية بين نيودلهي وبكين، معظمها منتجات صينية تأتي إلى الهند

«ستكون هناك حرب تجارية تدريجية بين الهند والصين، تليها معركة استثمارية، إذا لم تتلاشى التوترات».

سريرام تشوليا- عميد كلية الشؤون الدولية بجامعة جندال

نيودلهي - قال مسئولون هنود ومحللون إن الهند تعتزم فرض حظر على التطبيقات الصينية؛ لإظهار استعدادها لتفكيك الروابط الاقتصادية المهمة بين البلدين، وذلك للضغط على إدارة بكين للتراجع عن موقفها في النزاع الحدودي بينهما.

لكن المزيد من الخطوات للتراجع عن التكامل الاقتصادي بين البلدين سيكون -على الأقل- مؤلمًا للهند مثلما هو مكلف للصين.

وزادت العلاقات الاقتصادية بين الهند والصين بشكل ملحوظ على مدى السنوات الخمس الماضية، ولا سيما في الصناعات التكنولوجية، وتتدفق مليارات الدولارات الأخرى في التجارة والاستثمار المباشر وعمليات الاستحواذ بينهما كل عام.

ويقول مسئولون حكوميون ومحللون إن نيودلهي مستعدة لمواصلة فصل تلك الشراكة لتحسين موقعها في النزاع الحدودي بعد مقتل 20 جنديًا هنديًا الشهر الماضي في قتال مباشر مع القوات الصينية في جبال الهيمالايا.

ومع تمتع الجيش الصيني بإنفاق وإمكانات تفوق الجيش الهندي، فإن الانتقام الاقتصادي هو أحد أدوات إدارة نيودلهي القليلة المتاحة في تلك المعركة.

ويقول محللون إن حظر التطبيقات الصينية في الهند، الذي ينطوي على مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني، ليس أكبر سلاح في الترسانة الاقتصادية في نيودلهي، حيث يمكن للهند أيضًا أن تضيف تعريفات استيراد وتفرض قيودا على الاستثمار والشركات الصينية في الهند، ولكن يجب أن تكون على استعداد لتلقي ضربة اقتصادية كبيرة، في وقت ينكمش فيه اقتصادها بالفعل.

وقال مايكل كوجلمان Michael Kugelman، نائب مدير برنامج آسيا في مركز ويلسون في واشنطن: «عندما يكون لديك [أخبار] تصور الهنود وهم يرمون أجهزة التلفاز الصينية خارج نوافذهم، أعتقد أن هذا مؤشر دقيق للغاية عما يريده الجمهور الهندي أن تفعله حكومتهم». وأضاف: «لكن كلما حاولت الهند تشديد الخناق، زادت احتمالية تعرضها للأذى أكثر من الصين».

وتعد الهند واحدة من أكبر الأسواق الدولية للتطبيقات الصينية. وحصلت التطبيقات الـ 59 التي حظرتها نيودلهي - بما في ذلك تطبيق الفيديو تيك توك TikTok الخاص بشركة بايت دانس المحدودة ByteDance Ltd، ونظام المراسلة وي شات WeChat من تينسنت القابضة المحدودة Tencent Holdings Ltd- على 4.9 مليار عملية تنزيل في الهند، بما في ذلك 750 مليونًا حتى الآن هذا العام، وذلك وفقًا لبيانات شركة سينسور تاور Sensor Tower. لكنهم بشكل عام ليسوا مصادر توليد الأرباح الرئيسية لصانعيهم في الصين.

وفي مجالات التجارة والاستثمار، باتت كل من الهند والصين أكثر اعتماداً على بعضهما البعض، وتضاعفت التجارة الثنائية بين البلدين تقريبًا في السنوات العشر الماضية إلى ما يزيد قليلاً عن 80 مليار دولار، معظمها منتجات صينية تدخل الهند.

وفي حين أن الأرقام الحكومية بشأن الاستثمار الأجنبي المباشر للصين في الهند تظهر أنه تم استثمار حوالي 2.3 مليار دولار على مدى العقد الماضي، فمن المحتمل أن يكون المبلغ أعلى من ذلك بكثير، حيث إن الأرقام الرسمية لا تقوم بحساب الأموال الصينية التي يتم توجيهها للهند عبر دول أخرى، وذلك حسبما ذكرت ورقة بحثية صادرة عن معهد بروكينجز Brookings Institute، نشرت في شهر مارس الماضي، حول نمو اعتماد الهند على الصين.

وتقدر الورقة البحثية أن الاستثمار الصيني المباشر والاستثمار المخطط يتجاوز بكثير حاجز الـ 25 مليار دولار. وقالت أيضا إن الهند أصبحت تعتمد بشكل مفرط على الواردات والاستثمار من الصين في الصناعات الرئيسية، بما في ذلك: الاتصالات، والأدوية، والبنية التحتية.

وقال أنانث كريشنان Ananth Krishnan، مؤلف التقرير: «لن يكون من السهل على الهند بين ليلة وضحاها التوقف عن استيراد معدات لمحطات الطاقة ومعدات الاتصالات والمكونات الصيدلانية النشطة». وأضاف: «هذه بضائع هيكلية».

وفي حين أن الهند رفضت أن تكون جزءًا من شبكة البنية التحتية العالمية للصين، ضمن مبادرة الحزام والطريق، فقد وجدت أن اقتصادها يتشابك بشكل متزايد مع الصين، على الرغم من أنه متشابك على نطاق أصغر بكثير بالمقارنة مع بعض جيرانها، ممن باتوا جزءًا من المبادرة، بما في ذلك باكستان وسيريلانكا.

وذهب مركز أبحاث مومباي إلى حد القول إن الهند أصبحت الآن وظيفياً «جزءًا افتراضيًا من مبادرة الحزام والطريق» في الصين، وذلك بسبب العلاقات التجارية والروابط الاستثمارية المتزايدة. ويقدر المركز أن 18 من أصل 30 من المؤسسات المعروفة باسم «شركات اليونيكورن» في الهند -وهي شركات ناشئة تقدر قيمتها بمليار دولار أو أكثر- بها بعض الملكية الصينية.

وعلى سبيل المثال، تمتلك مجموعة علي بابا Alibaba حصة كبيرة في شركة بايتم Paytm الهندية الرائدة في مجال الدفع عبر الهاتف المحمول، في حين تمتلك تينسنت حصة كبيرة في «أولا»Ola، التي تعد أكبر شركة في الهند في خدمات ركوب السيارات.

والهواتف الذكية هي مجال آخر دخلت من خلاله الشركات الصينية إلى أسواق الهند على مدى السنوات الخمس الماضية. وقامت الشركات الصينية بإزاحة المنافسين الآخرين للاستيلاء على أكثر من 80 ٪ من السوق هذا العام، ارتفاعًا من 18 ٪ في عام 2015، وذلك وفقًا لبيانات شركة كاونتر بوينت ريسيرش Counterpoint Research.

ومن أجل توفير هواتف أكثر بأسعار معقولة للعملاء الجدد، استثمرت الشركات الصينية مليارات الدولارات في إقامة مرافق جديدة عبر الهند.

وقال سريرام تشوليا Sreeram Chaulia، عميد كلية الشؤون الدولية بجامعة جندال العالمية في سونيبات بالهند: «إذا لم تهدأ المواجهة على الحدود، فقد تميل الهند إلى استهداف جميع هذه الروابط التجارية والاستثمارية الجديدة المتصلة بالصين».

وأضاف: «ستكون هناك حرب تجارية تدريجية، تليها حرب استثمار» إذا لم تتلاشى التوترات. وأضاف: «لا يمكن للصين أن تتوقع الوصول بحرية إلى سوق الهند الشاسعة والاستفادة منها إذا استمر الجيش الصيني في شن غارات، وارتكاب أعمال عنيفة ضد الجيش الهندي».

ومن شأن المواجهة الاقتصادية بين نيودلهي وثاني أكبر اقتصاد في العالم أن تضيف المزيد من المشاكل الاقتصادية في الهند.

وعلى غرار معظم الاقتصادات، تضررت الهند بشدة من الخوف والقيود المرتبطة بالمعركة ضد فيروس كورونا المستجد. وتباطأ اقتصادها إلى أدنى مستوى له في 11 عامًا حتى قبل أن يضرب الوباء المنطقة. ومن المتوقع أن ينكمش اقتصاد الهند هذا العام لأول مرة منذ عقود.

ويقول الاقتصاديون والمديرون التنفيذيون إن الاقتصاد الهندي - ثالث أكبر اقتصاد في آسيا- سيحتاج إلى مزيد من الانفتاح، وليس إلى التراجع؛ إذا أراد العودة إلى النمو المرتفع المطلوب لإيجاد الوظائف لعدد سكان البلاد الهائل.

وقال موهيت سينجلا Mohit Singla، رئيس مجلس ترويج التجارة في الهند: «يجب أن تكون القرارات الاقتصادية مدفوعة بالواقعية والاعتبارات العملية، والدعوة لمقاطعة المنتجات الصينية خاطئة». وأضاف: «لدينا العديد من الصناعات التي تعتمد على الواردات الصينية».

من جانبها، وصفت بكين حظر التطبيقات الصينية في الهند بأنه «غير عادل». وقالت، إن التطبيقات الصينية لا تمثل تهديدًا أمنيًا. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان Zhao Lijian يوم الثلاثاء الماضي، إن بكين تشعر بقلق بالغ إزاء الخطوة التي اتخذتها الهند. وأضاف: «إن التعاون العملي بين الصين والهند مفيد للطرفين ويعود بالنفع على كليهما، وأي ضرر من صنع الإنسان للأنماط الاقتصادية بينهما لا يتماشى في الواقع مع مصالح الهند الخاصة».

ويقول مسؤولون في الحكومة الهندية إنهم يدرسون خياراتهم المتاحة، لكن العمل مع الصين لن يعود إلى طبيعته حتى يتم إصلاح الثقة بين البلدين.

وفي الأشهر الأخيرة، تحركت السلطات الهندية لاتخاذ سلسلة من الإجراءات الاقتصادية ضد بكين، بما في ذلك: إضافة خطوة جديدة قبل الموافقة على عمليات الاستحواذ من الصين والدول الأخرى المجاورة للهند، وزيادة التعريفات على 89 منتجًا صينيًا، وتقييد شراء معدات شبكات الاتصالات من الصين.

وقال مسؤول حكومي هندي: «إذا تم بناء الثقة بين البلدين وأعمالهما، فقد تكون هناك إمكانية لمزيد من التعاون»، واستطرد: «ولكن مع انعدام الثقة والتهديد بالتجسس وخرق أمن البيانات، يكون الأمر غير ممكن».
المزيد من المقالات
x