مختص: «تشتت الذهن» يحول الدماغ إلى فوضى فكرية

اضطراب المشاعر من الفرح أو الحزن والضعف في إدارتها.. أبرز أسبابه

مختص: «تشتت الذهن» يحول الدماغ إلى فوضى فكرية

الاحد ٠٧ / ٠٦ / ٢٠٢٠
أوضح استشاري طب التطور والسلوك ورئيس قسم تطور وسلوك الأطفال في مستشفى الأطفال بمدينة الملك سعود الطبية د. أيمن الحازمي أن من الأسباب التي قد تسبب تشتت الذهن، اضطراب المشاعر والضعف في إدارتها، فحينما يوجد فرح شديد أو خوف وقلق شديدان، فإن ذلك يؤدي إلى تحول القيادة على مستوى الدماغ من الفص الأمامي إلى الجزء المسؤول عن المشاعر، ويصبح القائد هو جزء يسمى «اللوزة» وهي التي تجعل تصرفات الشخص مبنية على رد فعل عاطفي، إما للحصول على ملذات قوية بشكل عاجل، أو للهروب من مواقف يكرهها الشخص كالخوف والتوتر والقلق، وفي تلك الحالة يكون الانتباه والذهن مشتتًا، وتغيب عنه الأهداف وإجابات الأسئلة بطريقة منطقية ومرتبة؛ والسبب أن تلك المشاعر القوية اختطفت القيادة من الفص الأمامي المنطقي والمسؤول عن التفكير، وجعلت القيادة في القرارات للوزة المسؤولة عن المشاعر، وفي تلك الحالة من قيادة المشاعر وتعطيل الفص الأمامي يتبعثر النظام البشري، ويصبح الدماغ في حالة من الفوضى بين المشاعر والذاكرة والحواس والأفكار المبعثرة، ويظهر معنا على شكل تشتت الانتباه وغياب التركيز، أو فلنقل غياب الوضوح والحضور الذهني الآني في حالة من التوازن العقلي والشعوري والعاطفي.

اعتلال العاطفة


ومن الأسباب التي يمكن أن تسبب تشتت الذهن أيضًا اعتلال العاطفة القلبية، وعدم وضوح الأهداف الشخصية، أو ما نسميه بالنية والدوافع المنبعثة من محض إرادة الشخص وذاته العميقة الصادقة، وفي تلك الحالة قد يفتقد الشخص إلى وضوح أهدافه ودوافعه الذاتية التي تجعله متحمسًا ومثابرًا للوصول إلى ما يريده، ويعتبر البعض أن هذا الجزء، المكون الإنساني الأعمق، هو القائد الحقيقي الذي يقوم بتوجيه الفص الأمامي للدماغ، المسؤول عن الانتباه والتركيز والقيام بالعمليات الذهنية كإيجاد الحلول وترتيب الخطط، وتوجيه السلوكيات للوصول إلى الأهداف الذاتية العميقة النابعة من قلب الإنسان.

ومما يعيق وضوح الأهداف الذاتية، أو العواطف القلبية، غياب الأمور التي تغذي القلب معنويًا حتى يعمل بكفاءة، ويقوم بدوره بالشكل المطلوب، وأهم تلك الأمور التي تغذي القلب والعاطفة هي الحب، والاحترام، والتقدير، والملاطفة، والسرور، والمشاركة، والتعاون، والبذل، والعطاء، والامتنان، والشكر.

تلك هي الحالات التي قد تسبب تشتت الذهن إجمالًا، واستعرضنا أهم ثلاثة أسباب دماغية، وهي: المشاعر ثم العواطف والقلب، وجميعها قد يصيب كلًا الجنسين ذكورًا أو إناثًا، ومن جميع الفئات العمرية صغارًا وكبارًا.

تشتت الذهن

وعن كيفية مقاومة تشتت الذهن، قال: استعرضنا الاعتلال والإشكالات، ولا بد أن نشير لبعض الحلول العملية المبنية على العلوم التطبيقية المثبتة، فهنالك ما يُعرف بهرم ماسلو، وهو يلخص الاحتياجات البشرية الضرورية التي لا بد من تلبيتها وتوفيرها للشخص حتى يصل إلى مرحلة تحقيق الذات والإبداع والحضور الذهني بوعي كامل وثقة قوية، نبدأ من رعاية الجسد والاهتمام به بالغذاء الجيد والنوم الجيد والصحة البدنية والجنسية، ثم بعد ذلك يأتي دور الاهتمام بالمشاعر، وأهم ما فيها الشعور بالأمن والاستقرار وعدم الخوف والقلق، من خلال الفأل الحسن والإيجابية، والتيسير والبشارة وتجنب التشاؤم والسلبية والتعسير والتنفير، ثم بعد ذلك يأتي الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية، وجميعنا يعلم أن الإنسان اجتماعي بطبعه، ولذلك فإن جودة العلاقات الزوجية أو العلاقات مع الأبناء والأقارب والصداقات، والعلاقات عمومًا، تؤدي إلى استقرار نفسي وعاطفي للإنسان، ما يدفعه للتطور والنجاح.

العواطف القلبية

ثم بعد ذلك يأتي دور الاهتمام بالعواطف القلبية كالحب غير المشروط، المتحرر من أي طائفية أو تحزبات او استعلاء، والتعاون والإحسان وعمل الخير، ونقاء الأهداف وجعلها فيما يعود على الشخص وعلى مجتمعه بالخير، بالإضافة إلى أمور العبادة الروحانية الصحيحة، التي تدعو لكل خير ورحمة وتسامح وتنبذ الشرور والعنف والقسوة.

بعد حصول تلك الأمور للإنسان فإنه سيكون قادرًا على الحضور الذهني والوعي بأهدافه الذاتية والتركيز عليها، وسيكون قادرًا على التعلم والتطور وضبط سلوكيات نفسه، وقدرته على التركيز واتخاذ القرارات الصحيحة بشكل كبير، فكما قلنا التركيز والحضور الذهني يعدان مهارة تكتسب بالتدريب والاجتهاد في ظل وجود استقرار وكميات كافية من الاهتمام بما ذكرناه في هرم ماسلو الشهير.

الاحتياجات البشرية

وعلى قدر الاهتمام بتلك الاحتياجات البشرية التي يشير إليها هرم ماسلو، تكون قدرة الشخص أكبر على التركيز والحضور الذهني بشكل متوازن، أما إهمال تلك الاحتياجات أو بعضها، فإنه قطعًا سيؤثر سلبًا على التركيز والحضور الذهني، لأنه كما اتضح لنا أن العملية تنبع من مختلف المكونات للعنصر البشري، كالعواطف والمشاعر والفص الأمامي للدماغ، فالتركيز والحضور الذهني هما عملية تراكمية، ونتيجة لما قبلها من استقرار ووضوح ورعاية شاملة لعدة جوانب مختلفة.

تحسين التركيز

وفي إجابته عن سؤال: ما مدى صحة أن الألغاز وألعاب التفكير تعزز التركيز؟، قال الحازمي: كما أوضحنا، فالأمر متشعب وأعمق من مجرد حلول سطحية قد تساعد لحظيًا في تحسين التركيز، ولكن العلم يؤكد لنا أن مجرد تلك الأمور والتمارين دون الاهتمام بشكل شامل بمكونات الإنسان بأبعادها المختلفة يعد حلًا ناقصًا، ولا يبني الحضور الذهني والوعي والتركيز بشكل متكامل ومتوازن يكفل لنا وصول الشخص للاعتماد على نفسه، والثقة والاستقرار النفسي والعاطفي، وأود الإشارة إلى أمر مهم، هو أن نتجنب الحلول السطحية، أو البحث عن حل واحد بسيط لكل مشكلاتنا، بل علينا أن ندرك ونتيقن أن الحل يشمل دور الأسرة والتربية والصحة النفسية والبدنية والتعليم والتدريب والعلاقات الاجتماعية، ووجود أمثلة وقدوات لنا ولأطفالنا لكي ننجح في بناء أنفسنا وأبنائنا والأجيال القادمة بشكل شامل، لا بد من مواجهة الإشكالات التي نعانيها معتمدين على العلم والتجربة الإنسانية بكل حكمة وواقعية، بعيدًا عن الآراء والاجتهادات الواهمة التي ما زادتنا إلا حيرة وتيهًا.

إحصائيات دقيقة

وعن نسبة المصابين بتشتت الانتباه ونقص التركيز في المملكة، أضاف: نحن نفتقر الى إحصائيات دقيقة بهذا الخصوص في المملكة لعدة أسباب، من أهمها غياب الأبحاث العلمية القوية، وأيضًا قلة الكوادر المختصة التي تقوم بالتشخيص بشكل دقيق ومبني على الأسس العلمية المعتبرة، ولكن عالميًا تتراوح نسبة الإصابة بهذا الاضطراب من ٧٪ الى ١٥٪ في مجتمعات مختلفة، ولا أظن أن النسبة في مجتمعنا بعيدة عن تلك النسب العالمية.

الخير والإحسان

وأضاف: في الختام، نحن ندعو للعودة للخير والإحسان وتحمّل المسؤولية تجاه أنفسنا وأزواجنا وأبنائنا ومجتمعاتنا، وانتهاج أساليب تربوية وتعليمية مبنية على القيم الإنسانية العليا التي يجمع عليها البشر، كالخير والصدق والعدالة والحب والتسامح والتعاون والاستفادة من بعضنا، وتبادل المعارف والمهارات دون تعال أو استعلاء على الأمور الصحيحة، فلنتواضع ونسعَ بنوايا طيبة وبعلم صحيح وسنتحسن بعون الله «سبحانه وتعالى».
المزيد من المقالات