«الفلسفة» تفك الألغاز والمشكلات بالتأملات العميقة

مختص: ليس هناك جهل مفيد ولا معرفة ضارة عند الشخص السوي

«الفلسفة» تفك الألغاز والمشكلات بالتأملات العميقة

الثلاثاء ٠٢ / ٠٦ / ٢٠٢٠
قال الكاتب والمهتم بالفلسفة والشؤون الاجتماعية والمتخصص بالفلسفة الشرقية، الفيلسوف السعودي والأستاذ الجامعي وائل القاسم: «حاولتُ أن أتفلسف في تعريف الفلسفة، فوضعت عددا كبيرا من تعريفاتها التي أعجبتني في خلاطتي العقلية الخاصة، فخرجت بأنها التأمل العميق المترابط الشامل في أصول الأشياء وغاياتها وماهياتها وجواهرها وعللها وتعليلاتها، بهدوء تام واستمتاع ذهني طويل النفس، بغية الوصول إلى حلول جادة رصينة رزينة متينة للمشكلات الإنسانية عامة؛ والكبرى منها على وجه الخصوص، في مختلف المجالات».

تعريف الفلسفة


وأضاف القاسم: «ومن التعريفات الخاصة بي أيضا، أن الفلسفة هي تشغيل العقل بكل قواه، من زاوية عامة كلية لا خاصة ولا جزئية، لفك ألغاز الوجود والحياة والإنسان، أو لحل ما يراه الفيلسوف مشكلات، أو للإجابة عمّا يراه أسئلة كبرى لم يقتنع هو بإجابات غيره حولها، وكما قلت سابقا في تعريفي للفلسفة، إنها سبر أغوار المتواريات عن الأنظار، والتأمل العميق فيما خلف الكواليس الظاهرة، وإعمال الذهن بصدق في الوجود بكل ما فيه، رغبة في المعرفة والحكمة، وطلبا لتكوين نظرة كلية للحياة؛ قادرة على الإسهام في إسعاد بني الإنسان، وأيضا أستطيع تعريف الفلسفة بأنها البحث في الكليات، والتفكير الصادق البعيد الجريء العميق الحر فيما وراء الواقع والظاهر والجزئي والقريب».

جهل ومعرفة

وأبان أنه مؤمن بعدم وجود جهل مفيد أبدا، معتقدا أنه لا توجد معرفة ضارة كذلك عند الإنسان المتوازن السوي، القادر على الاستفادة من كل معلومة ونتيجة يصل إليها عقله، بشكل يبعده أيضا عن كل ما يتوقع منه الضرر.

خصائص التفكير

وأخبر أن هناك خصائص تسمى «خصائص التفكير الفلسفي»، وهذه الخصائص قد يتوافر بعضها في بعض الأفراد دون غيرهم، وقد تزيد وتنقص باختلاف الأشخاص، فإذا اجتمعت أو اجتمع الكثير منها في شخص فهو أكثر من غيره استعدادا للدخول إلى عالم الفلسفة الواسع، ومن أهم تلك الخصائص:

أولا: ديمومة الاستفهامات المتواصلة والإلحاح في التساؤلات، فالسؤال في الفلسفة قد يكون أهم من الإجابة في كثير من الأحيان، كما يؤكد كثير من الفلاسفة.

الشك والنقد

ثانيا: الشك والنقد المستمران، فالفيلسوف الجيد المتمكن يرتاب أكثر من غيره، ويطيل التدقيق والتشكيك والاحتياط ووضع الاحتمالات الكثيرة، قبل القطع والتسليم بصحة الشيء من عدمه.

الدهشة والتعجب

ثالثا: الدهشات والتعجبات المتتابعة.. إذ تندهش عقول عامة الناس عادة من الأشياء الغريبة المبهرة المخالفة للمألوف المعتاد أو المتوقع، أما عقول الفلاسفة، فهي تشترك مع عقول غيرهم في هذا الاندهاش؛ ولكنهم لم يصبحوا فلاسفة بسبب تلك الدهشات المشتركة، بل بسبب دهشاتهم الأخرى المختلفة المميزة عن بقية الدهشات، فالدهشة هي أول بواعث التفلسف، كما يقول أرسطو.

الانتقاء والاختيار

رابعا: الانتقائية أو الاختيارية، وهذه الخاصية في الحقيقة من إضافتي، ولا أدري هل سبقني أحد إليها أم لا؟، فلا يوجد فيلسوف يهتم بكل شيء، أي لا يوجد -في علمي- فيلسوف أو متخصص في الفلسفة قال أو ظهر من نتاجه أنه يتعمق في جميع المباحث والمسائل والموضوعات والقضايا والمجالات، بل لا أعتقد أن أحدا يستطيع ذلك، فالفلسفة ليس بمقدور أحد أن يحيط بكل قضاياها ومسائلها ومواضيعها ومجالاتها بتفصيل ودقة كاملين؛ لأن الفلاسفة خاضوا وتعمقوا وأبدعوا في التفلسف في كل شيء، وكلامي هذا لا يناقض -في رأيي- مع ما قرره كثير من الفلاسفة بصيغ مختلفة، مفادها بأن من أهم غايات الفلسفة الوصول إلى النظرة الكبرى الضخمة العظيمة الشاملة الكلية العميقة المترابطة، للإنسان وللحياة كلها والكون وكل ما فيه، لا تناقض أبدا ولا تعارض؛ لأن محب الحكمة الراغب في الفلسفة يستطيع تكوين تلك النظرة أو الصورة الشاملة الكلية الخاصة به، من خلال المناقشة والتأمل والتفلسف والجدل والحوار الفلسفي في المواضيع والقضايا والمسائل والنقاط التي يرى -بعقله الفطن- أنها أعمدة لتكوين تلك النظرة الواسعة العامة.

العمومية والشمولية

خامسا: العمومية والشمولية والكلية.. فالفلسفة لا تهتم كثيرا بالحوادث الفردية والحالات المحدودة أو الشخصية أو الشاذة أو النادرة؛ لأنها بحث وتأمل شامل كامل عميق في ماهيات الأشياء وأصولها وغاياتها وعللها وعلاقة بعضها ببعض، بهدف تكوين نظرة عامة كلية، فالفلسفة تنشغل بالكليات والعموميات لا بالجزئيات والخصوصيات.

الحزم المنطقي

سادسا: الحزم المنطقي، والمقصد هو التصاعد التدريجي المترابط في طرح وسرد الأفكار، حتى الوصول إلى قمة ما يريد أن يصل الطارح المتفلسف إليه، ويظهر ذلك في امتلاك القدرة والمهارة في الانتقال من السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركب، ومن المعلوم إلى المجهول، ثم استنباط النتائج واستخراجها في النهاية وتلخيصها قدر الإمكان في قوالب منطقية موجزة، مع الدقة في الاستدلال والقوة في إيراد البراهين العقلية المقنعة، بالإضافة إلى عدد من الخصائص الأخرى التي تصعب الإحاطة بها هنا، كالإنسانية والنسقية والتجريدية والحيادية، وشرحت كل ذلك وأكثر في كتابي «تسهيل الدخول إلى الفلسفة»، وهو موجود على شبكة الإنترنت بنسخة إلكترونية مجانية، ويسرني أن أقدمه كهدية متواضعة لقرائكم الكرام.
المزيد من المقالات