«مخرج 7» ودع السباق مبكرا .. و«فلانتينو» مصنوع

«مخرج 7» ودع السباق مبكرا .. و«فلانتينو» مصنوع

الجمعة ٢٢ / ٠٥ / ٢٠٢٠
أحسب أن أول الخارجين من السباق هو المسلسل السعودي مخرج 7، ولا نعني بالخروج توقف حلقاته قبل انقضاء رمضان عند الحلقة العشرين، إنما عدم قدرته على إقناع النقاد وجزء كبير من الجمهور، وسبب ذلك في ظني أفق انتظارات الجماهير العالية، لما سيقدمه نجوم مثل ناصر القصبي وراشد الشمراني وحبيب الحبيب، بحيث يفوق ما قدم سابقا، بعد موسمين قويين تضمنا مسلسلا حاز إعجاب الكثيرين، وهو مسلسل العاصوف بما دونه من مرحلة تاريخية مهمة لاقت المتابعة والاستحسان، وهذه بحد ذاتها مسؤولية كبيرة كان على ناصر القصبي التفكير فيها، حتى وإن تفهمنا أن الهدف من مخرج 7 أن يكون عملا تلفزيونيا من صنف «خفيف الظل» أو «اللايت» وفق مصطلح الإنتاج الدرامي، لكنه في الواقع جاء مكرر الأحداث، فاتر الصراع، تدور قضاياه في فلك متشابه، وهذا يدفعني إلى فتح سؤال عريض لفريق العمل وعلى رأسهم النجم المحبوب ناصر القصبي، هل كان المسلسل بغرض التواجد في السباق الرمضاني فحسب؟، وإذا كان الأمر كذلك، هل فكر فريق العمل فعليا فيما سبق هذا العمل من نجاح كالنجاح الذي حصده العاصوف؟.

خلطة درامية

من جانب آخر، وعلى حد علمي فإن mbc بحسب تصريحها أن توقف العمل جاء نظير جائحة كورونا، وقد يكون هذا صحيحا لكن الحقيقة تقول إن مشكلة مخرج ٧ ليست في اكتمال حلقاته من عدمه، إنما تكمن مشكلته في الخلطة الدرامية والفكرة القائمة على اجترار الأحداث، وفرض بعض القضايا الحساسة على عمل بسيط للغاية في توجهه وشكله، وتبقى الحسنة التي تسجل له تلك الخبرة الجيدة التي اكتسبها الممثل السعودي من الجنسين، خاصة ممن ما زالوا يشكلون مواهبهم إذا ما علمنا أن ناصر وراشد وحبيب تجاوزوا تلك المرحلة بكثير.

مستوى ضعيف

لم أتطرق في مقالي الأول لمسلسل الفنان عادل إمام، «فلانتينو»، الذي كان يراد له أن يكون كوميديا، لكنه بصراحة شديدة لا يحمل من الفكاهة إلا اسمها، وهو عمل فاتر في قصته ومشاهده، لا أظنه يواكب الأعمال السابقة التي قدمها عادل إمام زعيم الكوميديا كما يسمى، حتى أنني أشفقت عليه وسط هذا المستوى الفني الضعيف، الذي أشبهه بالعمل التلفزيوني المصنوع صناعة معنية لذاتها، لاسم عادل إمام، بعد أن شارف على الثمانين من عمره، ولا أعلم عن صحة المعلومة التي تقول إنه أنتج لعام 2019 وأجل لأسباب لا نعلمها، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الكوميديا لا يمكنها الثبات في قوالبها، بل تتطور وتتغير بتغير وتطور الزمن، فربما أن القوالب والأساليب التي كانت تضحك الجماهير بالأمس لا تستطيع إضحاكهم اليوم، وهذا طبيعي جدا في حركة الزمن وتبدلها.

ومع تقديري الكبير للتجربة الفنية الاستثنائية للفنان عادل إمام في المجال الفني وخبرته وشهرته الكبيرتين، أرى أن يعيد حساباته لاحقا فيما يقدمه من أعمال ولا أظن أن هذا التاريخ الذي صنعه قابل للمجاملات على الإطلاق.

قضية أم هارون

أعترف أنني توقفت عن مشاهدة مسلسل أم هارون من بعد الحلقة السادسة تقريبا، ولي أسبابي الخاصة، ربما لكون المسلسل لم يستطع إقناعي على المستوى الشخصي، رغم أنني تحدثت في مقالي الأول الذي عنونته بـ «الدراما في زمن الكورونا» عن قوة اللغط الذي دار آنذاك عن المسلسل تحديدا، ووضحت حينها مرد هذا اللغط، الدائر حول قضية المسلسل الحساسة للغاية التي يتناولها، وهي الوجود اليهودي في الخليج في مرحلة ما، لكنني رغم انقطاعي عن مشاهدة حلقاته المتبقية لاحظت مسألة غاية في الأهمية وهي تراجع قوة اللغط الذي اشتعل فتيله في بداية رمضان حول المسلسل، ولا أعلم السبب الكامن وراء ذلك، فهل هو تغير مسار المسلسل في الفكرة المطروحة، أم تذبذب الصراع فيه، أم ماذا بالضبط، خاصة إذا ما علمنا أن الحملة التي واكبت بداياته لم يشهدها مسلسل آخر في رمضان.

نظرة موضوعية

سأنتقل إلى مسلسل حاز حسب الإحصائيات مشاهدات مذهلة على مستوى الوطن العربي، واستطاع مواصلة السباق الدرامي الرمضاني، لكننا بغض النظر عن الحضور الجماهيري الكبير، وقوة تفاعل السوشيال ميديا معه، لا بد أن ننظر إليه نظرة فنية وموضوعية قدر المستطاع، ولأنه من المسلسلات التي حصدت نجاحا جماهيريا مذهلا على مستوى الأسرة، سأشير إلى ترقب الشارع العربي لأحداثه حلقة حلقة، مشهدا مشهدا إلى الحد الذي لاحظنا المشاهد اليومية التي تمثلها الجماهير وتحاول من باب التفاعل استكمال أحداث المسلسل من وجهة نظرها الخاصة، وسوف أشير من الطرافة إلى ما حدث لأحد أبطال المسلسل وهو الفنان أحمد زاهر من كونه هدد من قبل الجمهور بأخذ حق رضوان البرنس لو شوهد في الشارع، وهذا بطبيعة الحال معيار تفاعل جماهيري وليس بالضرورة معيار نجاح فني وسأوضح بالتفصيل معنى هذا.

لغة الكاميرا

من أهم الأسباب التي دفعت المسلسل نحو المشاهدة العالية كونه بسيطا للغاية في لغته الفنية، بمعنى أن مخرجه لم يتفذلك كثيرا في لغة الكاميرا، ولا في الاستعراض المشهدي، وركز تركيزا واضحا على مقولة المشهد وحواراته التي تتقدم بالحدث نحو التعقيد أكثر، أما السبب الثاني فهو تمركز المسلسل حول العاطفة، ذلك البعد القادر على تحريك عاطفة الناس، وإثارة وجدانياتهم، بطرحه قصة إنسان بسيط، مظلوم، مستلب الحقوق والإرادة، وهو رغم ذلك كله بطل شهم، يقف عاري الصدر، وحيدا أمام قوى الشر والتسلط والجبروت، لكن ذلك الأمر لن يكون مقنعا أكثر لو لم يكن يحدث في محيط الأسرة الواحدة مما يخلق طاقة عاطفية مضاعفة، الأمر الذي برر للجماهير تجاوزهم عدم منطقية بعض أحداث المسلسل، والعاطفة كما هو معروف لها قوتها الخارقة التي تعمي بصر المتلقي البسيط عن ملاحظات هذه الهفوات في القصة والسيناريو، كونها توفر لها بديلا تطهيريا هو بحاجة إليه.

مثالية مفرطة

من الأسباب المهمة أيضا «شخصية رضوان البرنس» التي تستمد قوتها من مثالية مفرطة، وشخصية بطولية خارقة تذكرنا بأبطال السير الشعبية العربية، الذين يجسدون طموح كل مسحوق وآمال كل مسلوب، مما قادنا إلى سبب مجتمعي عميق للغاية، هو فكرة الانتقام، التي باتت الجماهير تنتظرها وتتوقعها وتتصورها وتقترحها على رضوان البرنس بشكل يومي، فهل التقت رغبة الانتقام لدى رضوان المظلوم مع رغبة الناس في الفضفضة والتصريح عن متطلبات خفية في أنفسهم تجاه أي قوى أخرى لم يستطيعوا مواجهتها؟.

أما السبب الأكثر وجاهة من غيره فيتمثل في بلوغ الشر الجماعي أقصى درجاته، في مقابل فردانية الخير، ليكون الشر على هذا النحو من الوحشية مبررا مقنعا لخلق ردود فعل جماهيرية فورية حركت البسطاء ووجهت مشاعرهم إلى الحد الذي جعل بعضهم يبث تهديدا للانتقام من شخصية الشرير، وهنا يتوجب الحديث غن صيغة الشر البارزة في مسلسل البرنس، والتي تشكلت في عدة صور، فإخوان رضوان حتى وإن جمعتهم فكرة الشر فقد اختلفوا في كيفيات تجسيده، فتحي مثلا، شخصية تمثل الشر المطلق، ولكن بصورته النمطية المتعارف عليها مجتمعيا والتي يمكننا رؤيتها ومشاهدتها، أما عبير فتصور الشر المطلق أيضا لكن في صورته الحمقاء، وياسر يصور الشر الإمعة الذي بثه الآخرون فيه، أما روجينا فهي الشر في صورته اللا معهودة، صورة مدهشة للشر تخرج عن المنمط والسائد.

ملامح جامدة

هنا لا بد من وقفة مع شخصية فدوى وتجسيدها من قبل الفنانة روجينا، ابتداء من الكاركتر المناسب جدا، المحبوب من الناس ، رغم شرانيته، هو شر ملامح وجهه جامدة، يعبر بالصوت والعينين، شر غير مألوف، جميل أنيق لماح سريع البديهة خفيف الحضور، وفدوى أحسبها خلقت توازنا مطلوبا في حضور الشر في هذ المسلسل حين جسدت معادلا للشر الذي يقدمه فتحي. كون المؤلف هو نفسه المخرج فذلك سبب رئيسي ساهم في خلق حالة درامية سلسة، نتاج معرفة المخرج ما يريده نصه، وبالتالي فقد سايرت الكاميرا الأحداث حتى في مواقفها التي لا تدخل عقل عاقل، ولا يمكن أن يقنع بها إلا ساذج، إذا ما علمنا أن الدراما تقوم على الحجة والبرهان، ومع ذلك مرت أحداث يصعب تصديقها مرور الكرام، وسبب ذلك قوة العاطفة، ثم انصهار التأليف والإخراج في يد شخص واحد أدى إلى تمريرها بخبث فني.

ثقة الناس

رضوان البرنس، ويجسده الفنان محمد رمضان، وهو البطل الممثل للمطحونين المسحوقين، بكل ما يقف خلف شخصيته الحقيقية من لغط، وجماهيرية كبيرة في نفس الوقت، ورمضان غير متكلف في الأداء، ملامحه من الناس، فضلا عن أن الكاتب رسمه في صورة الثوري ثورة هادئة، الذي يستطيع ضبط أعصابه وكسب ثقة الناس بمثالية مفرطة. أخيرا.. القبول الذي حصده البرنس من الناس لا يعني أن وراءه عملا فنيا عبقريا وخارجا عن المعتاد، إنما هو تواصل بذكاء مع الناس، حين لامس مكامن العاطفة واستثارها، وحرك تعاطفهم مع المظلوم، وكما قلت سابقا لا يوجد فيه على المستوى الفني ما يمكن اعتباره تجاوزا للسائد، أو خارقا للمعتاد لكنه عمل استثمر جيدا طاقات ممثليه، وأجاد حبكة حكاية إنسانية مؤثرة في النفوس، وهذا بحسب وجهة نظري السر الفعلي لنجاحه.

رئيس رابطة الإنتاج

المسرحي العربي المشترك

ونحن على مشارف نهايات، المسلسلات الدرامية وحلقاتها الأخيرة نرى إمكانية وضع تصور نقدي لما شوهد، مع التنويه على أنها رؤية من وجهة نظر شخصية، تتوجه لبعض الأعمال بقراءة نقدية موضوعية، وتتوخى تقييمها فنيا قبل أي شيء آخر، ولا يفوتني التنويه في مقدمة حديثي أن الموسم التلفزيوني الدرامي في رمضان أشبه ما يكون بمضمار سباق فإما يواصل فيه من يواصل، ويسقط فيه من يسقط، سباق طويل فيه من يحصد النجاح وفيه من يخرج بخسارة فادحة ليست مالية فحسب، بل خسارة فنية أو جماهيرية يفترض أن أنتجت الأعمال من أجلها بالدرجة الأولى.