أوروبا تتخلف عن أمريكا في تمويل لقاح كورونا

أوروبا تتخلف عن أمريكا في تمويل لقاح كورونا

مع اقتراب عمالقة المستحضرات الصيدلانية من العثور على لقاح محتمل لفيروس كورونا المستجد، فإن الحكومات التي تطالب بالوصول إلى أي إمدادات صيدلانية لتحقيق هذا الغرض تواجه الآن واقعًا صعبًا، وهو: ارتفاع فاتورة الحصول على تلك الإمدادات.

ويوم الخميس الماضي، تلقى سيرج واينبرغ Serge Weinberg رئيس شركة سانوفي Sanofi مكالمة من رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب Édouard Philippe. ووفقًا لشخص مطلع على الأمر، سأل رئيس الوزراء الفرنسي الرئيس التنفيذي لشركة سانوفي ـ التي تعتبر مصدر فخر كبيرًا، وإحدى جواهر التاج الفرنسي - عن سبب تصريحه لأحد الصحفيين بأن الولايات المتحدة ستكون الأولى في طابور العثور على اللقاح المحتمل لفيروس كورونا.

وقال واينبرغ إن سانوفي لم تعِد بإعطاء الأولوية للولايات المتحدة، لكن المسؤول التنفيذي كان ببساطة يوضح ما هو واضح أصلًا، وهو أن الشركة ستبدأ في تصنيع اللقاح في البلدان التي تساعدها على تحمّل المخاطر المالية لزيادة الإنتاج قبل إثبات أن لقاحها يعطي مفعولًا.

وتتخلف أوروبا عن الولايات المتحدة في تمويل حصتها من المليارات التي تحتاجها الشركات لتصنيع جرعات اللقاحات المطلوبة للفيروس على نطاق غير مسبوق.

ومع ذلك، تتوقع الحكومات الأوروبية أن يكون مواطنوها من بين أوائل المستفيدين من أي لقاح ضد كوفيد- 19/‏ Covid-19، وذلك لأن القارة الأوروبية هي موطن لعمالقة قطاع الأدوية حول العالم مثل سانوفي Sanofi وأسترازينيكا AstraZeneca، الذين يطوّرون بعض أكثر اللقاحات الواعدة والمرشحة للتصدي للفيروس حول العالم.

ويوم الثلاثاء الماضي، استدعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واينبرغ ومسؤولين آخرين من سانوفي إلى قصر الإليزيه، حيث تعهّدت الشركة بعرض أي لقاح تطوّره كسلعة عامة متاحة للجميع، وفقًا لأحد مساعدي الرئيس. ورفضت سانوفي التعليق على الاجتماع.

وفيما يخص عملية تطوير اللقاح الطبيعي، تنتظر الشركات حتى يكون لديها دليل قوي على أن المنتج يعطي مفعولًا قويًا قبل زيادة الإنتاج، وحتى بعد ذلك قد تطرح الإمدادات تدريجيًا.

وفي سبيل هزيمة الفيروس الذي قتل مئات الآلاف من الناس ودمّر الاقتصادات في جميع أنحاء العالم، تتوقع الحكومات أن يكون لدى شركات الأدوية مئات الملايين من الجرعات جاهزة للعمل بمجرد أن تظهر التجارب السريرية أن اللقاح فعّال. لكن الشركات تقول إنها لا تستطيع تحمّل مخاطر تصنيع جرعات اللقاح التي قد تصبح غير فعّالة بدون دعم مالي من الحكومات والممولين الآخرين.

وبرزت الولايات المتحدة بشكل سريع فيما يخص الالتزام بتمويل بعض اللقاحات، وذلك بفضل جهود منظمة حكومية أمريكية تسمى هيئة البحث المتقدم والتطوير الطبي (باردا)Biomedical Advanced Research and Development Authority، تم إنشاؤها في عام 2006 للتحضير للتهديدات البيولوجية الكبرى، مثل: الأوبئة والإرهاب البيولوجي.

وتتمتع باردا بتاريخ طويل في توفير الأموال لتطوير وتصنيع لقاحات جديدة لإعداد الولايات المتحدة لوباء الإنفلونزا. وتضمنت حزمة التحفيز الاقتصادي التي أقرتها الإدارة الأمريكية مؤخرًا للتصدي لتأثيرات فيروس كورونا، وبلغت قيمتها 2 تريليون دولار، ما يصل إلى 3.5 مليار دولار لباردا لدعم تصنيع وإنتاج وشراء اللقاحات والأدوية والتشخيصات اللازمة لعلاج كوفيد- 19.

وسلّمت باردا سانوفي بالفعل 30 مليون دولار لدعم البحث المبكر في لقاح. وقالت متحدثة باسم الشركة إنه إذا استمر هذا اللقاح المرشح للاستخدام في إظهار نتائج واعدة، تتوقع الشركة أن تقدم باردا المزيد من الدعم بما يصل إلى مئات الملايين من الدولارات، وذلك لبدء جرعات التصنيع على نطاق واسع، بينما لا يزال اللقاح قيد الاختبار.

وتعهّدت باردا أيضًا بتقديم مبلغ يصل إلى 483 مليون دولار لدعم لقاح تم تطويره من قِبَل شركة التكنولوجيا الحيوية الأمريكية مودرنا Moderna، وهي شركة رائدة أخرى أظهرت بالفعل نتائج واعدة مبكرة في الدراسات البشرية.

على الجانب الآخر، وفي شهر يناير الماضي، تحركت المملكة المتحدة، لتأمين الوصول إلى لقاح يحمي مواطنيها. وأعلنت الحكومة البريطانية يوم الأحد عن اتفاق لتأمين 100 مليون جرعة من لقاح قيد التطوير بالتعاون بين جامعة أكسفورد وشركة أسترازينيكا. وسيكون هذا الاتفاق هو الأول بين عدة اتفاقيات يتوقع الشركاء توقيعها لتوصيل اللقاح في جميع أنحاء العالم، وفقًا لمتحدث باسم الشركة.

أيضًا، ساهم الاتحاد الأوروبي بـ1.4 مليار يورو (1.53 مليار دولار) للاستجابة العالمية لفيروس كورونا، وتم ذلك من خلال صندوق يهدف إلى دعم تطوير التشخيص والعلاجات واللقاحات ضد فيروس كورونا وتوزيعها عالميًا. ولكن ليس من الواضح حتى الآن كيف سيقوم الصندوق الذي يقوده الاتحاد الأوروبي، والذي جمع حتى الآن 7.4 مليار يورو في المجموع، بتوزيع الأموال بين المشاريع، وكيف سيضمن الوصول العادل في جميع أنحاء العالم؟.

وما يفتقر إليه الاتحاد الأوروبي حقًا هو مؤسسة يمكنها تنسيق الإنفاق على اللقاحات، حيث يسارع المسؤولون إلى إنشاء هيئة أوروبية موازية لباردا منذ بداية الأزمة، ويعتزمون تقييم لقاحات مرشحة مختلفة خلال الأسابيع المقبلة، وتوفير مزيد من الوضوح بشأن خطط التمويل خلال فصل الصيف، وفقًا لمصدر مطلع على المحادثات بين منتجي اللقاحات والمفوضية الأوروبية.

وقال المصدر المطلع: «في أوروبا استيقظوا متأخرين جدًا»، مضيفًا إن المسؤولين في اللجنة والدول الأعضاء لم يقدّروا دور الحكومات في دعم تطوير اللقاحات الطارئة. واستطرد واصفًا طريقة تعامل المسؤولين الأوربيين تجاه رحلة البحث والتنسيق للحصول على لقاح بقوله: «لم يكن لديهم شعور بالإلحاح».

وحتى الآن، أجرت سانوفي محادثات مع المفوضية، بالإضافة إلى عدد من الدول الأعضاء حول كيفية تمويل تصنيع لقاح في أوروبا، وفقًا لأشخاص مطلعين على هذه المحادثات. وأحد هذه الخيارات هو أن تعد الدول بشراء عدد معين من الجرعات مقدمًا، وفقًا لأشخاص مطلعين على المحادثات.

وتستخدم الدول الأوروبية بالفعل اتفاقيات الشراء المسبق هذه لشراء إمدادات لقاح الإنفلونزا الموسمية.

ويحاول المسؤولون الأوروبيون تجنب تكرار الصراع على الموارد التي اندلعت عبر القارة في وقت مبكر من الأزمة، وانتهت بنقص معدات الحماية وأجهزة التنفس وتأليب الدول ضد بعضها البعض، مما أدى إلى تفاقم الانقسام بين دول الشمال والجنوب الأوروبي، وفي الوقت الذي حافظت فيه ألمانيا على معدل وفيات محدود شهدت إيطاليا تحميلًا زائدًا على الطاقة الاستيعابية لمستشفياتها.

ومنذ ذلك الحين، خصصت المفوضية أموال الطوارئ لشراء معدات وقائية مشتركة مثل القفازات والأقنعة، وكذلك أجهزة التنفس، لتوزيعها عبر دول الكتلة الأوروبية كلها، كما قدمت قرضًا بقيمة 80 مليون يورو للشركة الألمانية المصنعة للقاحات كيور فاك إيه جي CureVac AG، وذلك للإسراع في بناء مصنع يمكن أن يُنتج مليارات الجرعات من اللقاح المرشح. ومع ذلك، ستحتاج الشركة إلى مزيد من الدعم لبدء تصنيع الجرعات على نطاق واسع، وفقًا لمتحدث باسم الشركة.

3.5

مليار دولار تم توجيهها لمنظمة باردا الحكومية الأمريكية لدعم تصنيع وإنتاج وشراء اللقاحات والأدوية والتشخيصات اللازمة لعلاج كوفيد - 19

«الشركة ستبدأ في تصنيع اللقاح بالبلدان التي تساعدها على تحمل المخاطر المالية لزيادة الإنتاج»..

سيرج واينبرغ - رئيس شركة سانوفي