أزمة كورونا تشجع الهند للاعتماد على نفسها

أزمة كورونا تشجع الهند للاعتماد على نفسها

الثلاثاء ١٩ / ٠٥ / ٢٠٢٠
تسببت أزمة فيروس كورونا المستجد في تحفيز الهند على تبني نظرة جديدة نحو الاعتماد على الذات، والبحث عن حلول مبتكرة، والحديث عن ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتشجيع كل ما هو محلي. وذلك بعد أن تركت الجائحة أزمة الوظائف في البلاد وهي تتجه من سيئ إلى أسوأ.

ويبدو أن أحدث خطة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي Narendra Modi تهدف إلى مساعدة الشركات على التركيز بشكل أكبر على المستهلكين الهنود، بدلاً من الصادرات، مع استخدام السوق المحلية الواسعة المحتملة لإغراء الشركات الأجنبية لإنشاء استثمارات في البلاد وتوظيف الهنود.

ويشير الاقتصاديون إلى أن نجاح الهند في تحقيق ذلك يعتمد على مدى تطبيق البلاد لقواعد الحمائية، ومقدرتها على تحقيق إصلاح الاقتصادي جذري وفرعي، أو أحدهما، حيث يمكن أن تحدد تلك العوامل مدى نجاح إدارة نيودلهي في خلق عشرات الملايين من الوظائف الجديدة التي تحتاجها البلاد بشدة في السنوات والعقود المقبلة.

وألقى مودي خطابا للشعب في الأسبوع الماضي، تم نقله عبر التلفزيون الوطني؛ للترويج لخطة التحفيز الاقتصادي، التي قال إنها تساوي 10 ٪ من اقتصاد البلاد، وكان محور عرضه هو «الاكتفاء الذاتي».

ورئيس الوزراء الهندي ليس الزعيم العالمي الوحيد الذي يسلط تركيزه على سوقه المحلية في هذه الفترة، حيث أبرز السياسيون حول العالم خطورة التحدي شبه المستحيل المتمثل في عدم القدرة على الحصول على إمدادات طبية أساسية من حول العالم، وضرورة المطالبة بمزيد من السيطرة الاقتصادية المحلية.

ومع انتشار الفيروس، طالب وزير المالية الفرنسي بمزيد من «الاستقلال الاقتصادي والإستراتيجي» للصناعة الفرنسية. وقال الرئيس دونالد ترامب مرارًا إن الوباء يبرر أجندته الاقتصادية القومية.

وفي مقابلة مع شبكة فوكس بيزنس Fox Business، الخميس الماضي، قال ترامب إن الوباء أثبت أنه كان على حق في تشجيعه للسياسات الأمريكية الحمائية، وألقى باللوم على «سلاسل التوريد الغبية هذه في جميع أنحاء العالم» في نقص المعدات الطبية الأمريكية.

وأضاف: «قلت إنه لا يجب أن يكون لدينا سلاسل إمداد عالمية، بل يجب أن يكون لدينا كل ما لديهم داخل الولايات المتحدة».

والهند لها تاريخ طويل في رفض العولمة، وبالتالي فدعوة مودي لها جذور عميقة في نفسية الأمة الهندية.

وكان شعار الاكتفاء الذاتي في قلب الحملات التي قادها موهانداس كرمشاند غاندي Mohandas Karamchand Gandhi لتحقيق استقلال الهند عن بريطانيا. فبالنسبة لمهاتما غاندي، كان الاكتفاء الذاتي يعني التركيز على حياة القرية والزراعة والاعتماد على الذات، وهو ما كان يرمز إليه بصورة خيط الغزل اليدوي على عجلة خشبية.

وحول أول رئيس وزراء في الهند، جواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru، المفهوم إلى إستراتيجية اقتصادية وطنية تتطلب أن تكون فيها «المراكز القيادية» للاقتصاد الهندي من البنوك إلى شركات صناعة الصلب والسيارات تحت سيطرة حكومية مشددة.

وكان الاكتفاء الذاتي جزءًا رئيسيًا من هذه الإستراتيجية، التي وجهت البلاد لعقود بعد تأسيسها في عام 1947، وهي تدابير واسعة النطاق لوقف أو إضعاف الواردات لصالح الإنتاج المحلي.

وألقى الاقتصاديون باللوم في النهاية على هذا النهج لعرقلة النمو الاقتصادي، حيث كانت الشركات الهندية المحمية غير قادرة على المنافسة في أي مكان في الداخل أو الخارج، وغابت الهند عن عولمة التصنيع التي انتشرت حول العالم. وتم التخلي عن هذه الإستراتيجية في أوائل التسعينيات، خلال أزمة اقتصادية حادة أخرى.

لكن بقايا النظام استمرت في قواعد الهند غير المرنة التي تحكم استخدام الأراضي، وتقيّد القوانين بشدة قدرة الشركات على تسريح العمال واللوائح العديدة والقيود الروتينية التي تقيد الشركات الخاصة.

وجاء ظهور مودي على الصعيد الوطني في عام 2014 مع التوقعات بأن إدارته ستقطع المسافة النهائية في إزالة تلك العوائق وتبشر بعصر جديد من النمو القوي وخلق فرص العمل. وقبل ذلك، كان يُنسب إليه الفضل في ازدهار التصنيع كرئيس لولاية كجرات، وهي واحدة من أكثر الولايات ديناميكية اقتصاديًا في البلاد.

وتم إحراز بعض التقدم خلال ولاية مودي الأولى كرئيس للوزراء، حيث تم إصلاح قوانين الإفلاس في البلاد، واستبدال مجموعة من أنظمة الضرائب الحكومية بنظام موحد على الصعيد الوطني.

وكانت مبادرته المميزة محاولة لبناء قدرات التصنيع التي أطلق عليها اسم «Make in India».

لكن الخطوة المفاجئة التي تم اتخاذها في عام 2016 لحظر جزء كبير من العملة المتداولة بهدف الحد من الفساد وتشجيع المدفوعات الرقمية وجهت ضربة للاقتصاد. وتسببت مشاكل تنفيذ إصلاح النظام الضريبي في ضمان عدم تعافي الاقتصاد على الإطلاق.

وتعطلت مبادرة «Make in India» بسبب نفس اللوائح التي تركها الاقتصاد القديم، ولم تتغير حتى الآن، خاصة فيما يتعلق بقوانين الأرض والعمل.

وبحلول أواخر العام الماضي، انكمش النمو الاقتصادي السنوي إلى 5 ٪، وهو الأبطأ منذ عقد من الزمان، بعد وتيرة سريعة تجاوزت 8 ٪ في عام 2017. وكانت البطالة بمقياس واحد على الأقل الأعلى في جيل عند 6.2 ٪ في عام 2019، وبعدها ضربت تأثيرات الوباء اقتصاد البلاد.

وكما هو الحال مع العديد من الدول، كانت استجابة الهند لأزمة كورونا على هيئة إغلاق معوق للاقتصاد في البلاد لوقف انتشار العدوى. وارتفعت البطالة إلى أعلى مستوى لها بنسبة 27 ٪ في الأسبوع الأول من هذا الشهر، وفقًا لموفر البيانات الخاص (مركز مراقبة الاقتصاد الهندي).

وقال اقتصاديون خاصون، إن الاقتصاد قد ينكمش هذا العام للمرة الأولى منذ عام 1980.

وقد تسبب هذا البحث الجديد عن الحلول في عودة الحديث عن الاكتفاء الذاتي. وأطلق مودي شعارا جديدا في حديثه للأمة الهندية الأسبوع الماضي، وهو: «لنكن صوتا يشجع المحليين» أو Let’s be vocal for local.

ويندرج تحت هذا الشعار نقاش داخل الحكومة حول ما سيعنيه الاكتفاء الذاتي في عالم ما بعد الوباء، ومن ناحية أخرى، تضمنت التدابير المعلنة بعض التحركات الحمائية المصممة لحماية الشركات الهندية، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، من المنافسة الأجنبية، مثل منع الشركات الأجنبية من تقديم عطاءات لعقود حكومية أصغر.

27 %

معدل البطالة في الهند بالأسبوع الأول من شهر مايو الجاري لتصل إلى أعلى مستوى قياسي لها

10 %

نسبة خطة التحفيز الهندي من مجمل اقتصاد البلاد حسبما أكد رئيس الوزراء ناريندا مودي