التسوية بين الدولة و«حزب الله» تعني زخما جديدا لمشروع إيران في لبنان

لا يمكن تحقيق إصلاحات بظل سلطة تغيب القانون وتستبدله بموازين قوى سياسية

التسوية بين الدولة و«حزب الله» تعني زخما جديدا لمشروع إيران في لبنان

الاحد ١٧ / ٠٥ / ٢٠٢٠
تعتبر الأزمة النقدية المالية المصرفية الاقتصادية التي يعيشها لبنان هذه الأيام من طبيعة تراكمية طويلة في تاريخها، وليست بنت ساعتها. والخروج منها يتطلب «مشروعًا إستراتيجيًا» متكاملًا، وليس مجرد إجراءات تقنية مرحلية وموضعية، وعليه يشهد لبنان انهيار منظومة سياسية ـ اقتصادية محلية امتدادًا لانهيارها سياسيًا واقتصاديًا على المستوى الإقليمي، فهل يصلح الإصلاح النقدي المالي والاقتصادي في ظل وجود منظومة «حزب الله» التي يدور لبنان وشعبه في فلكها؟.

المال والاقتصاد


لذلك، فإن التركيز على موضوع الإصلاح المالي والاقتصادي ومحاربة الفساد (فقط) كأولوية، على الرغم من أهميته وضرورته وعدم جواز استمراره أخلاقيًا ووطنيًا وقانونيًا، يصب في مصلحة «حزب الله»؛ لأن عدم التركيز على فساد الخيارات الإستراتيجية الإقليمية يبرئ الحزب من المسؤولية الأساسية عما وصلت إليه الأمور، ويشجع الطبقة السياسية اللبنانية على المضي قدمًا في «تسويات مرحلية» جديدة مع «حزب الله» تخدم الإستراتيجية الإيرانية على حساب المصالح اللبنانية والعربية.

ويرى التقرير الذي أعده مركز الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الجيوسياسي، أنه يستحيل عمليًا تحقيق إصلاحات تقنية في ظل سياسات عامة للدولة تقوم على تغييب القانون واستبداله بموازين القوى التي يفرضها «حزب الله»، وفي ظل عدم قدرة الدولة (والأهم عدم رغبة المكوّنات السياسية) على استعادة سيادتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والنقدية وممارستها على حدودها وأرضها وشعبها بدون استثناء.

ويضيف: «لكن الرهان على الانهيار السياسي والاقتصادي للمنظومة الإيرانية في لبنان، لا يعني بالضرورة انهيارًا وجوديًا لها. فإيران المنهارة اقتصاديًا والمعزولة عربيًا ودوليًا تستخدم القمع للإبقاء على منظومتها الداخلية على قيد الحياة، وللإبقاء على قدرة التخريب لأذرعها الخارجية. وما ينطبق على إيران، إقليميًا، ينطبق في الوقت ذاته وبالطريقة نفسها على لبنان، فانهيار المنظومة التي تغطي حزب الله سياسيًا واقتصاديًا لا يعني بالضرورة انهيار منظومته الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي تمسك بالوضع اللبناني. لذلك، فإن التسوية الداخلية مع حزب الله في هذه المرحلة سواء من خلال تسوية جديدة أو من خلال تعويم التسوية الرئاسية للعام 2016 تعني إعطاء نفس جديد للمشروع الإيراني في لبنان والمنطقة».

رغبة الحزب

انطلاقًا مما سبق، فإن «حزب الله» يريد احتواء ثورة اللبنانيين بثورة مضادة تدفع الأمور إلى شفير الانهيار لاستدراج خصومه المحليين والإقليميين والدوليين إلى مشروع تسوية معه في لبنان تؤمن له التغطية السياسية اللبنانية لوجوده الأمني والعسكري، ولسيطرته المباشرة وغير المباشرة على الدولة اللبنانية وقراراتها الإستراتيجية، في مواجهة الضغوط العربية والدولية على إيران وأذرعها على الأقل في انتظار الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

ويخشى «حزب الله»، بفعل حاجة المجتمع الدولي إلى معالجة التداعيات الاقتصادية لوباء «كورونا» على الصعيد الدولي، تفاهمًا أمريكيًا روسيًا على التهدئة في المنطقة من خلال إعادة إحياء مسار جنيف للمفاوضات في شأن مستقبل سوريا بالاستناد إلى القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، لا بالاستناد إلى منصة التفاوض في آستانة التي تشارك فيها إيران.

تحجيم الدور

كما يخشى الحزب حدوث تطورات حول الوجود الإيراني في سوريا وبالتالي وجوده المرتبط بذاك الوجود، ومع تصاعد الخلافات داخليًا وهو ما يفسره مراقبون بأنه انعكاس لترتيبات جديدة قد تطيح بالوجود الإيراني الذي يسعى لكسب الجزرة السورية بالكامل متجاوزًا الروسي عبر التنسيق مع الحلقة الضعيفة وهو الأسد، ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان والذي يحصل على معلوماته من داخل النظام السوري إن الميليشيات الإيرانية تواصل تحصين مواقعها ضمن البادية السورية وسط وصول تعزيزات عسكرية ولوجستية بشكل دوري إلى المنطقة. وتركز إيران عمليات تحصين مواقعها بشكل رئيسي على طول البادية الممتدة من البوكمال قرب الحدود العراقية ـ السورية حتى جنوب مدينة دير الزور، بعد توارد معلومات حول إمكانية شنّ عملية عسكرية تستهدف النفوذ الإيراني في حال فشلت حلول روسيا السياسية.

ويرى مراقبون أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة إلى إسرائيل تأتي ضمن تنسيق المواقف حول إنهاء الوجود الإيراني في سوريا، وتغيير نظام الأسد وإنهاء الأزمة، وهذا ما يدفع حزب الله للالتفاف على مثل هذه التطورات، بحيث يتمكن عبر حلفائه من إيجاد وضع مستقر له في لبنان مع مزيد من الضغط في حال أجبرت إيران وميليشياتها على الانسحاب من سوريا، وفقدان الاتصال البري مع إيران عبر العراق.
المزيد من المقالات