كيف ضلت منظمة الصحة العالمية الطريق؟

كيف ضلت منظمة الصحة العالمية الطريق؟

15 % فقط من ميزانية منظمة الصحة العالمية مخصصة للتصدي لوباء فيروس كورونا المستجد

سيحدث بعض التغيير حتمًا في منظمة الصحة العالمية (WHO)، بعد إخفاقاتها المميتة خلال جائحة فيروس كوفيد-19/ Covid-19. لكن الإصلاح الحقيقي سيتطلب أكثر من تعديلات تكنوقراطية على المنظمة الأممية، ويجب على الدول الأعضاء فيها التركيز على الأسئلة الأساسية حول الهدف الرئيس منها.

ففي عام 1948، أعلنت جمعية الصحة العالمية الأولى أن مهمة منظمة الصحة العالمية هي «بلوغ جميع الشعوب أعلى مستوى ممكن من الصحة».

وعلى الرغم من الخطاب السامي وقتها، تصوّرت الدول المانحة في البداية دورًا أكثر محدودية لمنظمة الصحة العالمية، والتي ركّزت على السيطرة على انتشار الأمراض الوبائية ومنع انتشارها.

ومن المنطقي أن تقوم هيئة عالمية بتنسيق الاستجابة للجراثيم التي لا تعترف بالحدود من خلال منظمة الصحة العالمية. وقامت الدول الغنية بتمويل وتنفيذ حملات صحية في البلدان الفقيرة لمكافحة أمراض مثل الجدري smallpox وعمى الأنهار river blindness.

وأدى هذا التركيز «الرأسي» على أمراض منفصلة بعينها إلى بعض النجاح. وكانت إجراءات التصدي للملاريا مفهومة وتعالج الوضع بشكل جيد نسبيًا، مع وضع طرق للحد من انتشارها، وعندما أطلقت منظمة الصحة العالمية البرنامج العالمي لاستئصال الملاريا في عام 1955، ساعدت المبادرة في القضاء على المرض في 15 دولة على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة.

وفي الهند، انخفضت الحالات إلى أقل من مليون في عام 1968 من 110 ملايين في عام 1955. وبحلول عام 1970 تقلص عدد الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الموبوءة بالملاريا بنحو مليار شخص.

وأدى النهج الرأسي للوكالة ببطء إلى نهج أفقي آخر، حيث بدأت منظمة الصحة العالمية في التعامل مع جميع جوانب الصحة.

وفي عام 1979، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة برامج «الصحة للجميع» و«الرعاية الصحية الأولية» كأهداف جديدة لمنظمة الصحة العالمية، وأدى هذا إلى توسيع تفويض المنظمة، واستمر زحف السيطرة.

وقال مقال صدر عام 2009 عن روجر بيت Roger Bate وكارين بورتر Karen Porter من معهد المؤسسة الأمريكية: «لن تركز منظمة الصحة العالمية في المقام الأول على البرامج الخاصة بالأمراض، ولكنها ستعزز الآن التنمية الصحية على نطاق أوسع من خلال تحسين النظم الصحية وبناء البنية التحتية ومكافحة الأمراض المزمنة».

وتوسّعت منظمة الصحة العالمية في العديد من المجالات المسيسة للغاية، حيث كانت لديها قدرة فنية أقل، أو كفاءة إدارية، أو خبرة محدودة؛ مما يكرر جهود المنظمات الأخرى. ووضعت الوكالة تفضيلًا واضحًا للحلول الإحصائية من القمة إلى القاعدة، وغالبًا ما أظهر المسؤولون ازدراءً واضحًا لشركات القطاع الخاص، خاصة شركات الأدوية الكبيرة.

ودونالد ترامب ليس أول رئيس أمريكي ينزعج من منظمة الصحة العالمية. ففي الوقت الذي شجّعت فيه المنظمة البلدان على إنشاء صناعات دوائية محلية خاصة بها - اقتراح غير واقعي بل وخطير للعديد من البلدان النامية - قامت الولايات المتحدة بوقف التمويل في عام 1985.

واليوم، وسط جائحة تنتشر مرة في كل قرن، تجد الوكالة وقتًا للتغريد بشأن الصحة العقلية والعنف المنزلي والسمنة والحاجة إلى رعاية صحية تديرها الحكومة، متناسية ضرورة تركيز الحديث عن الوباء.

ويدافع مسؤولو منظمة الصحة العالمية عن أهدافهم التوسعية بحجة أن الأمراض المعدية مثل كوفيد-19 لا يمكن هزيمتها إذا كانت البلدان تفتقر إلى أنظمة الرعاية الصحية المناسبة. وهذا صحيح، لكن هذه مسؤولية أقسام الصحة الوطنية، وليست منظمة دولية.

ومن الطبيعي أن يحاول موظفو منظمة الصحة العالمية توسيع نطاق أوامرهم، ولكن في نهاية المطاف، فإن الدول الأعضاء هي المسؤولة عن اتجاه المنظمة.

وجاء حوالي 17٪ فقط من تمويل منظمة الصحة العالمية 2018-2019 من المساهمات المقدرة، بينما كانت حوالي 77٪ من ميزانية الوكالة تبرعات طوعية لبرامج محددة. وبدلًا من ضخ الأموال والجهد للتصدي لوباء، قامت الدول والمانحون من القطاع الخاص بتمويل مجموعة مذهلة من المشاريع الأخرى.

وتقول مؤسسة التراث بريت شيفر Heritage Foundation’s Brett Schaefer إن حوالي 15٪ فقط من تمويل منظمة الصحة العالمية مخصص للاستجابة للوباء.

ولا شك في أن كوفيد-19 هو أخطر تحدّ واجهته منظمة الصحة العالمية، وهذا يجب أن يدفع إلى مراجعة الغرض من التمويل، بل ويمكن أن تجد إدارة ترامب آذانًا متعاطفة في جمعية الصحة العالمية إذا سعت إلى إزالة برامج مثل «الخدمات الصحية المتكاملة التي تركّز على الناس» من جدول أعمال منظمة الصحة العالمية.

لذا، يجب على المنظمة أن تعود إلى جذورها، وأن تركّز على منع ومكافحة تفشي الأمراض المعدية.

وإذا فشل الإصلاح، فلا يوجد سبب لواشنطن لمواصلة تمويل المنظمة على المستويات الحالية. ويتمثل أحد الخيارات في تحويل التمويل إلى وكالة جديدة مكرّسة حصريًا للاستجابة للوباء، كما اقترح روجر بيت. ونحن متشككون في إنشاء مؤسسات دولية جديدة، ولكن وكالة محدودة مثل الإنتربول يمكن أن تكون منسقًا فعّالًا للاستجابة للوباء إذا كانت منظمة الصحة العالمية غير قابلة للإصلاح.

ختامًا، يمكن القول إن العالم سيواجة وباءً مثل كوفيد-19 مجددًا، وسنتعامل معه بشكل أفضل في المرة القادمة، ولكن فقط إذا قادت وكالة صغيرة وفعّالة الاستجابة للجائحة المقبلة.