المسح المجتمعي إجراء طبي متقدم لحصار «كورونا»

مختصون في ندوة اليوم : يسهم في الحد من انتشار العدوى

المسح المجتمعي إجراء طبي متقدم لحصار «كورونا»

أكد أطباء ومختصون أن خيار المسح المجتمعي لكافة شرائح المجتمع؛ للتأكد من سلامتهم من جائحة فيروس «كورونا» المستجد، يتم وفق خطط وآليات مقننة وأسس علمية في علم الوبائيات، وليس بشكل عشوائي؛ لتحديد الإصابات، وتقصي الحالات بالفحص والعزل، للحد والإبطاء من انتشار الفيروس، وتفادي إرهاق النظام الصحي.

وأوضحوا خلال حديثهم في ندوة «اليوم»، أن المسح المجتمعي يُعد من الإجراءات الطبية المتقدمة، التي تستهدف محاصرة الفيروس، ومعالجة الأشخاص المصابين، مشددين على أهمية الالتزام بالتعليمات لتجاوز المرحلة، والوصول لبر الأمان.

خطط مدروسة وضوابط للأحياء والمدن

قالت استشارية مكافحة العدوى والأستاذ المشارك بكلية الطب في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة د. مها العلاوي، إن خيار المسح المجتمعي لكافة شرائح المجتمع؛ للتأكد من سلامتهم من فيروس كورونا وارد، ويمكن العمل عليه وفق أسس واشتراطات علمية تحفظ للجميع سلامتهم، ويمكن العمل على المسح المجتمعي وفق دوائر حول الأحياء التي ينتشر بها الوباء؛ للوصول إلى الدائرة الأخيرة، والتي تكون خالية من الحالات وفق الأحياء المجاورة حول الحي أو المنطقة التي ينتشر فيها الوباء، وليس كما يروج في بعض مواقع التواصل الاجتماعي بأنه سيتم الكشف والفحص للجميع بالطريقة التي يروج لها.

وأضافت د. العلاوي: إن وزارة الصحة بكافة كوادرها وطاقاتها البشرية والعاملين في الطب الوقائي من أطباء وممارسين طبيين يسابقون الزمن للحد من انتشار الفيروس، بوضع آليات وضوابط لكافة الأحياء والمدن والمحافظات، كل وفق الحالات، ومدى الانتشار، ولا يبقى على المواطنين والمقيمين سوى الالتزام التام بالتعليمات؛ لتجاوز المرحلة والوصول لبر الأمان.

وأشارت إلى أن الوزارة تسير وفق خطط مدروسة لكل مرحلة، وليس بشكل عشوائي كما يتوقع البعض، وهناك مختصون يراجعون التطور والحالات بكل دقة؛ لرسم الخطط المناسبة لكل مرحلة.

التخطيط والتنفيذ الاستباقي حجر زاوية في مواجهة الطوارئ

أشار الأستاذ المساعد بقسم طب الأسرة والمجتمع بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل والمتخصص في الطب الوقائي والصحة العامة د. عاصم العبدالقادر، إلى أن حجر الزاوية في مواجهة الطوارئ على مستوى الأنظمة الصحية يكمن في التخطيط والتنفيذ الاستباقي، وتفعيل مركز القيادة والتحكم، والتواصل الفعال مع المجتمع.

لافتًا إلى اختيار المملكة، الإنسانية، وتضحيتها بالكثير مقابل صحة الإنسان، إذ كانت من أوائل الدول التي فاقت باستجابتها التوقعات، واتخذت وما زالت حزمة قرارات وإجراءات احترازية ووقائية وعلاجية، واستثمرت رأس المال الاقتصادي لحفظ رأس المال البشري.

وبدأت في توسيع الفحص الميداني، وهي خطوة إضافية أثبتت التجربة - في كوريا الجنوبية مثلا-، أنها مجدية في ضبط انتشار الفيروس، حينما يبادر الفريق الطبي بفحص السكان حول بؤر انتشار المرض أو الأحياء المكتظة، أو ما يسمى «المسح النشط».

وأكمل: «من المتوقع أن نرى زيادة في عدد الإصابات، وهي في الحقيقة كشف مبكر لمصابين لم تظهر عليهم أعراض أو لم يبادروا بالفحص، وبهذه الطريقة يتم عزلهم من وقت مبكر، ونتفادى أضعاف هذه الإصابات لو لم تتم هذه الخطوة الاستباقية، ومع مرور الوقت، والزيادة المتوقعة في الأرقام، تزداد أهمية الإجراءات التخفيفية التي تفرضها الجهات الرسمية، مثل منع التجمعات، وتقليص العمل والأنشطة التجارية، والحرص على الممارسات الوقائية مثل التباعد الجسدي، وغسيل وتعقيم الأيدي، ولبس الكمام، وغيرها».

قال أستاذ نظم المعلومات الجغرافية المشارك د. حسن خرمي، إن السيطرة على فيروس «كورونا» تمثل تحديًا كبيرًا لمسؤولي الصحة في كثير من بلدان العالم، وكذلك منظمات الصحة العالمية، ومن الأساسيات المساعدة على السيطرة على انتشار الفيروس، معرفة النمط المكاني لانتشاره؛ لتساعد في التحقق من المتغيرات البيئية والسلوك الاجتماعي والحالة الاقتصادية، وغيرها من العوامل، والتي إلى الآن تعد غير واضحة ومفهومة أو مؤكدة في حالة «كورونا».

وأشار إلى أن القاعدة الأولى في فهم انتشار وتوزيع الأمراض مكانيًا، هي أن كل شيء مرتبط بما حوله، لكن الأشياء القريبة تكون أكثر ارتباطًا من الأشياء البعيدة، وهذا يعني أن العوامل التي ساهمت في نقل المرض تكون أكثر تأثيرًا على بقاء المرض وانتقاله من العوامل البعيدة، وهذا يحثنا على دراسة المحيط الجغرافي للمصابين، وعلاقته بالشخص المصاب، ودراسة بقية العوامل البيئية والمناخية والاجتماعية المساعدة على الانتشار، ومدى قرب هذه من الضحية سواء إنسانًا أم حيوانًا.

وشدد على أن التحليل المكاني يوضح أعداد المصابين، وقدرتهم على التنقل، وكذلك المناطق المتأثرة بأعداد إصابات عالية أو منخفضة، ومعرفة المناطق المشابهة التي يمكن أن يتواجد فيها المرض، وتحديدها كمناطق خطرة، وعزلها، وعليه تأتي إمكانية استخدام نظم المعلومات الجغرافية، كوسيلة لصنع القرار، بدلًا من استخدامها لعرض خارطة الإصابات، لأنها لا تكتفي بربط العلاقات بين المعلومات المدخلة وتوضيحها، ولكن أصبح من أهدافها وصف الإحداثيات المكانية، التي انتشر فيها المرض، وتوقع الفرضيات المسببة لحدوثه أو انتشاره، وتحديد أماكن تجمعات المصابين، والمناطق الساخنة، وأماكن الخطورة العالية، وعلى مقاييس جغرافية تصل لمستوى المنزل؛ لاتخاذ الإجراءات الوقائية، وتطوير خرائط خط المرض وبدقة عالية لتوفير الأجهزة اللازمة، وإجراء دراسات وتحاليل مركزة للعوامل البيئية المحيطة وربطها أو دراسة عوامل الارتباط.

وأضاف خرمي: إن من الأمور التي يمكن الاعتماد عليها مع استمرار تطور الحالة المحيطة بالفيروس، دعم المجتمع ببيانات ومعلومات مواقع الإصابات، وهذا ما تعمل عليه وزارة الصحة، وعلى مقياس المدن، ونظم المعلومات الجغرافية «GIS»، وبرامج رسم الخرائط والخدمات، والمواد التي يمكن استخدامها حتى على مقاييس الأحياء والأحياء الفرعية والأشخاص؛ للمساعدة في مراقبة تأثير تفشي المرض وإدارته والتواصل معها، وهذا ملاحظ حتى على مستوى التطبيقات التي نشرتها وزارة الصحة.

ولفت إلى أن استخدام كل هذه الموارد، ومشاركتها، ستساعد المجتمع والمؤسسات على الاستجابة بفعالية، وذلك بوضع خطط استباقية، يمكن من خلالها اتخاذ صورة فورية لمناطق الخطر، بخمس خطوات، باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، أولها رسم خارطة الحالات المؤكدة والنشطة والوفيات وعمليات الاسترجاع؛ لتحديد مكان وجود العدوى، وتحديثها بشكل مستمر، وثانيها رسم خريطة الانتشار، ويمكن أن تكشف الخرائط الزمانية والمكانية عن كيفية انتشار العدوى، بمرور الوقت والمكان الذي قد ترغب في استهداف التدخلات فيه.

وتابع: ثالثها إخراج خريطة السكان المعرضين للخطر، وكيفية تأثير الفيروس بشكل غير متساو على بعض التركيبات السكانية، مثل كبار السن، والذين يعانون من حالات صحية مزمنة، كما يساعد رسم خرائط الضعف الاجتماعي والعمر وعوامل أخرى على مراقبة المجموعات والمناطق المعرضة للخطر.

وأوضح أن الخطوة الرابعة هي وضع خريطة للقدرات ومواقع التجهيزات، مثل خريطة للمرافق أو الموظفين أو المواطنين، والموارد الطبية والمعدات والسلع والخدمات؛ لفهم والاستجابة للتأثيرات الحالية والمحتملة للفيروس، والخطوة الخامسة استخدام خرائط الويب التفاعلية، وتطبيقات لوحة المعلومات، وخرائط القصص والتتبع التاريخي؛ للمساعدة في توصيل موقفك بسرعة، حتى يبقى الجميع على علم بكافة الإجراءات.

واختتم بأن وزارة الصحة، والجهات المعنية بعمليات مواجهة جائحة «كورونا»، قدمت دروسًا عملية ومتميزة في هذا الجانب، أكدت من خلالها قدرة التعامل السريع مع مثل هذه الأزمات.

أكد استشاري الأمراض المعدية ومكافحة العدوى د. محمد الغامدي، أن جميع الخطط مطروحة للحد من انتشار فيروس «كورونا»، ومنها المسح المجتمعي لكافة شرائح المجتمع، وفق خطط وآليات مقننة وأسس علمية في علم الوبائيات، وليست بشكل عشوائي، ويراعى فيها بؤر الانتشار، والأحياء المجاورة لها، والتوزيع الجغرافي، ومتى ما رأت الوزارة حاجتها لذلك، لن تتأخر، سواء بهذا المسح، أو غيره من الخطط التي تسهم بشكل كبير في الحد من انتشار فيروس كورونا وخطوة استباقية محسوبة.

وأضاف د. الغامدي، إن وزارة الصحة ستعمل خلال الفترة المقبلة، وفق خططها المعمول بها مسبقًا، والتماشي مع الوباء، وتطبيق الخطط الاحترازية، وستعتمد على الوقاية والتزام المواطنين والمقيمين بذلك، إضافة إلى التشديد على الاحترازات الوقائية، ولن يكون هناك تشديد دائم أو تساهل تام، ويعتمد ذلك على الوعي لدى الجميع، والذي بموجبه تعمل كافة القطاعات المشاركة مع وزارة الصحة، والاستفادة من كافة الخطط من الجهات الحكومية والوزارات الأخرى، كونهم جميعا في خندق واحد، يعملون لحماية أبناء الوطن من كورونا.

مراعاة بؤر الانتشار والأحياء المجاورة

أبدى عدد من المواطنين آراءهم حول التوسع في المسح الميداني الطبي بالأحياء، للكشف المبكر عن المصابين بفيروس كورونا من قبل وزارة الصحة، ومدى تعاونهم في هذا الأمر، وقال المواطن نايف الخالدي، إن الحملة ستسهم في التخفيف والحد من انتشار الفيروس، وانحساره مبكرًا، إذ يعد ذلك إيجابيًا؛ لتعود الحياة إلى وضعها الطبيعي، على أن تسبق ذلك توعية بأهمية هذه الحملة، وبتنظيم يتناسب مع الجميع.

وأكد رغبته في التطوع والتعاون مع القطاع الصحي في هذا الشأن، لما في ذلك من تخفيف الضغط على المستشفيات في حال لم تكن الحالات تستوجب الحجز الطبي. وأيد المواطن علي القحطاني التوسع في المسح الميداني، مؤكدًا تعاونه مع الجهات الطبية، سواء بالتطوع، أو من خلال خدمات يستطيع تقديمها لهم بشكل رسمي، من خلال الوزارة، مضيفًا أن المسح الميداني في الأحياء أمر إيجابي لتقصي الجائحة، وتحديد بؤر انتشارها، ليمكن لوزارة الصحة تكثيف جهودها في أماكن انتشار الفيروس. وقال المواطن محمد عبدالله إنه كلما كانت هناك خطط للمسح الطبي في الأحياء، وتم إنجازها بسرعة، عادت الحياة لطبيعتها من جديد، مشيرًا إلى إيجابية سجلها المسح الطبي في الأحياء والمدن التي شرعت وزارة الصحة بعزلها فترة؛ لحصر أعداد المصابين بها؛ وللحد من انتشار الفيروس، وستزداد الأمور إيجابية أكثر، لو تم التوسع بالمسح الطبي لكافة الأحياء، من خلال مخطط زمني - مكاني. وكانت وزارة الصحة قد أعلنت في وقت سابق أنها ماضية في المسح الموسع الخاص بفيروس «كورونا» في جميع مناطق المملكة، وفق آلية عمل منظمة وجدول مواعيد، مشددة على عدم الانسياق وراء الشائعات وأخذ المعلومات من مصادرها الرسمية.

هوة «الأزمات النفسية» أخطر من الفيروس

قالـت المستشارة الأسرية فاطمة الـغامدى، إنه بعد تفشي فيروس كورونا في معظم الـدول، وإعلان أعداد المصابين والمتوفين، ومبالغة البعض في مواقع التواصل الاجتماعي ببث صور الذعر والخوف، أدى ذلـك إلى انزلاق المصابين إلـى هـوة الأزمات الـنفسية، الـتي تشكل خطرًا، أشد من خطر الإصابة بالمرض ذاته، فهم بحاجة إلـى من يمد لـهم يد الـعون، لـذلـك نوجه المصابين بأهمية الالـتزام بالإجراءات الطبية والمسحية؛ لسرعة الشفاء؛ ولـتفادي انتشار الـفيروس بين أفراد الأسرة، الـتي يقع علـى عاتقها الـدعم الـنفسي والمعنوي لـلـمصاب، ومساعدته علـى تقبل التشخيص الخاص بحالـته، والعمل علـى تخطي مرحلـة الـعلاج بشكل مناسب.

وأشارت إلـى الـدور الـكبير لجميع الـعاملـين في الـقطاعات الـصحية، وهم يبذلـون جهدًا مضاعفًا، معرضين حياتهم لـلـخطر، مهيبة بأهمية الـدور النفسي والاجتماعي لمساعدة المصابين على تخطي الأزمة، ليس فقط من الجانب الصحي، وإنما من الجانب النفسي، الذي سيعيد لهم التوافق النفسي الجيد، وإكسابهم الأمن والطمأنينة، وكذلك الجانب الاجتماعي؛ لمساعدتهم على إعادة العلاقات المتزنة مع أفراد أسرهم، والمجتمع. ونصحت بعرض المصابين على أخصائيين نفسيين؛ لمساعدتهم على تقبل المرض، وبث روح الأمل والأمان في نفوسهم، مضيفة : «إيمانًا بالـدور التكاملي بين الجهات لـلـوقوف أمام انتشار فيروس كورونا وتخطي هـذه الأزمة بأقل الخسائر، توجب علينا كمواطنين أن ندعم الحملات التوعوية النوعية، ونحن مدركون دورها الكبير في الحد من العادات الضارة، والتي تعمل على تغيير الثقافات السلبية، وفرض الإيجابيات، ونشر الطمأنينة» .

حاملو «الجائحة» دون أعراض بؤر انتشار متنقلة

بين استشاري الطب النفسي د. علي زائري، أن المسح الاجتماعي، يُعد من الإجراءات الـطبية المتقدمة الـتي تطبق الآن في الـدول الـتي لديها برامج طبية متقدمة، مثل ألمانيا، والـولايات المتحدة الأمريكية،

موضحًا أن المسح الاجتماعي تأتي

فكرته والـهدف منه في

محاصرة الـفيروس، ومعالجة الأشخاص المصابين، وذلك يعود لأن الـفيروس يصيب أعدادًا ك ب ي رة من الأشخاص، بطبيعة سرعة انتشاره، وهناك أعداد من الأشخاص لا يعلمون بإصابتهم، ولا تظهر علـيهم أي أعراض، وفي هـذه الحالـة، يصبح الـشخص المصاب بالـفيروس، بؤرة نقل وانتشار.

وأضاف: إن الـهدف من المسح الاجتماعي، هـو حصار الـوباء، وتحديد الأشخاص الأكثر عرضة لـلإصابة به، وكذلـك المصابين، ثم تلقيهم الـعلاج بعد ذلك، وتطبيق الإجراءات الاحترازية، وفك الحجر الصحي، لا سيما أنه عند الانتهاء من المسح الاجتماعي على مدينة أو منطقة معينة، وعُرفت المواقع الـتي ينتشر فيها الـفيروس، أو الأشخاص، يتم الـتعامل معهم، وإعطاء فرصة لـلأشخاص الآخرين، لمزاولـة حياتهم الطبيعية دون حجر صحي، أو تعطل لمصالحهم وأعمالـهم وتجارتهم، وهذا الإجراء هو أحد الإجراءات الـتي تنصح بها منظمة الصحة العالمية.

المزيد من المقالات
x