ضجيج الدراما العربية في زمن كورونا

رؤية نقدية مسبقة لمسلسلات لم تكتمل حلقاتها

ضجيج الدراما العربية في زمن كورونا

الأربعاء ٢٩ / ٠٤ / ٢٠٢٠
السياق الصحي والاجتماعي الذي يعيشه العالم اليوم، ونحن أيضا، «استثنائي» وظرف غير مرتقب البتة، تبدلت فيه أمور، وتغيرت فيه أوضاع، وعلى رأسها وضع الدراما من حيث الإنتاج، بعد أن تسبب في توقف برامج ومسلسلات تم التراجع عن استكمالها وإنتاجها.

تغيرت خطط مسلسلات في طواقم عملها، أو حتى ظروف تصويرها، واتفاقياتها، وهذا بحد ذاته أشبه ما يكون بضرب الموسم الدرامي السنوي الذي اعتادت القنوات التسابق عليه، بل وتدفع الملايين من الدولارات من أجل تسويقه، وجذب المشاهدين إلى صالحها، وفي الوقت نفسه شكل مكوث الناس في منازلهم فرصة ذهبية لارتفاع نسب المشاهدة إلى مستويات عالية جدا بحسب الإحصاءات، وبحسب ما يمليه الظرف المجتمعي العام، وهذا يعني أن ما ثبت بثه من مسلسلات سيدخل حتما في تنافس كبير ورهيب في إطار المشاهدة والمتابعة.


الأمر الآخر الذي واكب هذا الموسم التلفزيوني ذلك اللغط المسبق، الذي دار حول العديد من المسلسلات قبل بثها، أو لنقل قبل حلول موعد بثها في ليالي رمضان، فمواقع التواصل الاجتماعي ضجت بهذه التصورات والمجادلات حول ما سيطرح، لاسيما تويتر -بطبيعة الحال- كونه الحاضن الأول لهذا الجدل، تبعا لـ «ترنداته»، ومعظمنا تابع ما دار من جدل حول المسلسل الكويتي الخليجي (أم هارون) على سبيل المثال، من بطولة الممثلة الكويتية حياة الفهد، كما تابعنا ما دار من لغط حول مسلسل الفنان المصري محمد رمضان، (البرنس)، وما دار حول وجود بعض الأسماء المرتبطة بمسلسلات رمضان من عدم وجودها، كالفنان ناصر القصبي الذي يأتي موسم رمضان عليه بعد أن قدم عملا اجتماعيا لاقى نجاحا كبيرا تمثل في مسلسل (العاصوف)، مما حمله مسؤولية مضاعفة لما سيقدمه هذا العام، كما دار لغط آخر حول المسلسل المصري (الاختيار)، بالنظر إلى موضوعه الدائر حول الإخوان المسلمين والإرهاب وتبعاته، وقد فضلت أن أتحدث عن هذه النماذج الأربعة فقط.

مثلت هذه المسلسلات الدرامية الأربعة أمثلة لما دار من جدل قبل حلول الموسم الدرامي المنتظر، لكننا وبرؤية فنية نقدمها في هذه العجالة الصحفية عبر جريدة اليوم، بحيث نقرأ ما قدم حتى اللحظة، بعد مرور خمسة أو ستة أيام من العرض، منوهين بأن ذلك لا يمثل حكما نقديا قطعيا، على اعتبار أن ما نطرحه هنا عبارة عن رؤية نقدية مسبقة لمسلسلات لم تكتمل حلقاتها بعد، بل هي ما زالت في البداية، الأمر الذي يدعونا بموضوعية شديدة إلى طرح تصورات عامة حول ما تمت مشاهدته من حلقات.

«أم هارون»

سنبدأ بالمسلسل الإشكالي «أم هارون» لحياة الفهد، الذي أعلن منذ استهلالته عن مقاربة التابوهات الدينية والسياسية في المجتمع الخليجي، وبشكل مباشر وغير مسبوق في منجز الدراما التلفزيونية الخليجية، فهو يناقش -ولأول مرة- الوجود اليهودي على أرض الخليج العربي، مما أثار ضجيجا واكب عرض المسلسل، إلى الحد الذي دفع بالبعض إلى إعلان مقاطعتهم له قبل أن يبدأ، من منطلق أن الحديث عن اليهودية بما تحيل إليه من صهيونية غير قابل أصلا للطرح، بالنظر إلى العداء العربي الإسلامي الدفين مع الإسرائيليين، خاصة أن المسلسل ومن أولى حلقاته اتخذ من المغامرة المثيرة للجدل منحى له، بالحديث ليس عن اليهود فحسب، بل عن ثالوث الديانات السماوية التي تعيش -بحسب مقولة المسلسل- على أرض واحدة (مسلمة، ويهودية ومسيحية)، وشاهدنا كيف أن الممثل الإماراتي أحمد الجسمي أحد أبطال المسلسل، قال من ضمن حواراته فيما معناه: «يجب أن نعيش متسامحين ولا يفرقنا دين»، وبالتالي فمن الواضح أن المسلسل يتبنى بشكل مبدئي فكرة التسامح الديني، لكن وفق خطاب وظرف ومرجعية تجعل تقبل مثل هذا الطرح على محك الرفض، في مجتمعنا الخليجي خاصة والعربي عامة.

«مخرج 7»

ناصر القصبي في مسلسل اجتماعي بسيط شكلا، لكنه كما بدا لي يحمل رؤى فكرية جدلية ستثير مساحات نقاش عديدة، كالحلقة الثالثة التي تماست فكرتها مع قضية فلسطين وتبنت طرحا جديدا لم نألفه في الدراما العربية قطعيا فما بالنا بطرحه عبر الدراما السعودية!، بل وبصورة مباشرة وصادمة، حيث كان يدور الحوار حول موقفنا الخاص من قضية فلسطين، وعلاقة العرب بإسرائيل ككيان مغتصب، بات يحتل أرضا عربية دون وجود حلول جذرية على المدى القريب أو البعيد، ثم يطرح -وهو الأكثر جدلا- فكرة التطبيع وفق معطيات سياسية أصبحت حقيقة ماثلة، وبدا لي من هذا أن الشكل الاجتماعي البسيط للمسلسل سيكشف عن أقنعته بمناقشة قضايا حساسة للغاية في المجتمع السعودي، بل سيلعب على وتر القضايا الآنية التي نعايشها الآن ودار حولها جدل كبير وحوار طويل، فمنذ الحلقة الأولى ونحن نشاهد السيدة السعودية تعين مديرا عاما لدائرة عمل يعمل فيها الرجال وتأتي بوصفها مديرا عاما عليهم، وهذا صدى طبيعي لما تعيشه المملكة حاليا في أطر تمكين المرأة ومنحها مساحة أكبر من الحضور والفاعلية.

«البرنس»

محمد رمضان هذا الممثل الإشكالي الذي دارت حول شخصيته الفنية وشخصيته الاجتماعية الكثير من الأقاويل والنقاشات، وبعد سلسلة من مسلسلات جسد فيها دور الشاب المصري الفقير، ابن العشوائيات الذي يتحول إلى أشبه ما يكون بالبطل الشعبي، والنموذج البطولي البسيط لأبناء «الحتة»، ولا أريد أن أقول صورة (البلطجي) الذي لا يُغلب بحسب مفهوم بعض البيئات المصرية الشعبية، أقول يأتي محمد رمضان بمسلسل عنوانه «البرنس»، في تواصل واضح للتسميات التي تعلي من شأنه كبطل متفرد، لكنه ينحى في بدايات هذا المسلسل منحى البطل الحامل للأخلاق الفاضلة، الشهم، الشجاع، الحنون وقل ما شئت من هذه الصفات الحميدة، لكنه على ما يبدو لي في التصور العام سيكشف لاحقا عن وجه آخر، بعد أن مات أبوه وتكشفت أمامه قسوة الحياة وطمع إخوانه، ولكن في كل الأحوال لن يخرج المسلسل عن تصوير محمد رمضان بطلا شعبيا خارقا للعادة والمعتاد.

«الاختيار»

أنتقل إلى مسلسل «الاختيار» الذي بدا لي من أولى حلقاته أنه مسلسل مصنوع من عجينة فنية راقية على مستوى الكتابة، والتنفيذ، حيث ظهر أنيقا في إنتاجه بصورة عامة، مع طرح فكرة سياسية بالمجمل، هي حالة مصر في المرحلة الانتقالية من الحكم الجمهوري ويمثله حسني مبارك، إلى الحكم الإخواني ويمثله محمد مرسي، والرابط الدرامي بين كل هذه التحولات سيرة البطل المصري الشهيد أحمد منسي بعد أن تحول إلى بطل أسطوري في الذاكرة المصرية، نتيجة الصنيع العظيم الذي قام به في سيناء من أجل وطنه، والذي يجسد دوره الفنان المصري أمير كرارة، وفي ظني أن من أبرز ما يتناوله المسلسل فضلا عن أكذوبة الإخوان المسلمين، ذلك الواقع الخطير الذي تركه الإرهاب في بلداننا العربية، وكيفية صناعة العقلية الإرهابية من كل شيء.

سؤالي بعد هذا كله إذا كانت الدراما بمفهومها العميق تجسيدا للحياة وقضاياها الآنية، هل سيشهد الموسم الدرامي القادم أعمالا درامية تتناول ما يعيشه العالم اليوم بسبب جائحة كورونا؟، وهل سيفتح هذا الحدث العالمي بابا للكتابة والتأمل فيما جرى للدول وشعوبها؟ وهل سيكون التلفزيون سبيلا لمقاربة هذه الفكرة وتوثيقها وتحليلها؟، سؤال نطرحه على المدى باحثين عن إجابة درامية له.

رئيس رابطة الإنتاج المسرحي العربي

المشترك ATPA

بقلم د. سامي الجمعان
المزيد من المقالات