ميناء صفوى.. تاريخ يقاوم العوامل الجوية وينتظر الترميم

شاهد على فترة زمنية مهمة

ميناء صفوى.. تاريخ يقاوم العوامل الجوية وينتظر الترميم

الخميس ١٦ / ٠٤ / ٢٠٢٠
يعد ميناء صفوى القديم بمحافظة القطيف من أبرز وأهم المباني التاريخية، ولا يزال العديد من حوائطه وجدرانه باقية حتى اليوم لتكون شاهدة على حقبة زمنية مهمة، ويطالب العديد من الباحثين بالاهتمام بما تبقى من الميناء وتسويره وترميمه حتى لا تتسبب العوامل الجوية المختلفة في القضاء على ما تبقى منه.

غاية الصعوبة


ويقول المهتم بالتراث والتاريخ ياسر آل خميس إن خليج صفوى خليج صغير، كان به ميناء، ويتميّزالخليج بشدة الضحالة، والانتشار الكثيف لنبات الشورى في محيطه، وكذلك اختلاف مستوى منسوب مياهه بشكل مهول في أول أيام الشهر، عن وسطه، وعن آخره، الأمر الذي جعل عملية الملاحة فيه أمرًا في غاية الصعوبة، فقد تصل المراكب إلى موضع يصبح قاحلًا في اليوم التالي، ولم يكن باستطاعة أي ربّان ماهر أن يرسو على بره ما لم تكن لديه الخبرة الكافية بجغرافية الخليج ومنسوب المياه فيه، فلم يكن ميناء صفوى كما نشاهده اليوم، بعدما هجرته البوانيش والمحامل، فقد بلغت الضرائب التي جنتها الدولة العثمانية منه في سنة 966هـ مبلغًا قدره 1100 «آقجة» تركية، ومن هنا نقول إنه من الصعب جدًا الحصول على معلومات توثق تاريخ الملاحة في خليجه الصغير، لندرة الوثائق المعربة عنه من اللغتين التركية والبرتغالية، فضلًا عن شحّ المصادر العربية، وليس من سبيل إلى ذلك سوى الاعتماد على ما رواه الآباء ومشاهداتهم العينية، وربطها مع بعض المعلومات الموثقة.

مكافحة القرصنة

وأكد آل خميس أنه كان بالقرب من ميناء وجمرك صفوى آنذاك قرصنة، ففي سنة 1304هـ أنشأت الدولة العثمانية في ميناء رأس تنورة قاعدة عسكرية صغيرة لمكافحة القرصنة، وبالفعل توقفت القرصنة إلى حين، وكل تلك المخاطر البحرية التي هددت الساحل الصفواني قد جعلت له تحصينات لم نجد لها أثرًا بعد ذلك.

وأشار آل خميس إلى أن الجدران المتصدعة لهذا المبنى القديم تحكي قصة معاركها المريرة مع العوامل الجوية عبر سنوات مختلفة، فهي جدران قوية جدًا، ولا تزال ظاهرة، مؤكدًا أنه ليست لديه معلومات عن تاريخ تأسيس هذا الجمرك تحديدًا، ولكنه ذكر في الوثائق العثمانية المبكرة لعام 966هـ أي قبل حوالي 475 سنة. وهو يقينًا أنشئ قبل ذلك، فربما أنشئ مع بداية العهد العثماني في العام ٩٥٩هـ. كما لا تتوافر معلومات حول ما إذا كان المبنى جمركًا فقط أم كان ميناء فقط خلال أيام البرتغاليين ومَن سبقهم.

وأوضح آل خميس أن كلمة الجمرك «قمرق» كلمة تركية، ترادفها كلمة «مكس» في اللغة العربية، وتعني الضرائب. ولم يكن الجمرك في زمان الدولة العثمانية محلًا لتحصيل الضرائب على البضائع الواردة فحسب، بل كان يصدر أيضًا تصاريح السفر للبحارة والمسافرين، حيث يدوّن فيها اسم المسافر، وقبلة سفره، وربما ما يتعلق بالبضاعة التي يحملها المركب، من تمر، ودبس، وسلوق، وأسل، وسعف، وجريد النخيل، وغيرها من البضائع.

إعادة البناء

ولفت الباحث للتراث ياسر آل خميس إلى أن مبنى ميناء صفوى اليوم هو المبنى الوحيد الباقي من مباني الميناء القديمة والمتعددة في محافظة القطيف، وهو شامخ في وجه العوامل الجوية والتعرية، محتفظًا بأسواره وخفايا أسراره، والواضح من حديد خرسانة مبناه أنه تمت عملية إعادة بنائه قبل عشرات السنين، ولكنه أهمل بعد ذلك، لذا ندعو المسؤولين في التراث والمهتمين للعمل على تسويره، وترميمه، وحمايته، مجددًا والبحث لدى الجهات المختصة عن الأوراق ذات العلاقة به لتوثيق نشاطه وتاريخه.

كتب متخصصة

وأكد المهتم بالبيئة البحرية وحياة البحارة قديمًا داوود آل إسعيد أن ميناء صفوى يقع بالقرب من البحر، فهو يقع غرب البحر تمامًا ومجاور له، وهو يقع داخل سور كبير تقدّر مساحته كما هو الآن بحوالي 3600 متر مربع.

ولفت آل إسعيد إلى أن ميناء صفوى، كما ذكرته بعض الكتب المتخصصة عن صفوى أن نشأته في عام 1343 هجرية، وقد يكون ذلك التاريخ هو تاريخ تجديده، لأن هناك مَن بحث من متخصصي التاريخ والتراث، وأثبتوا أن إنشاءه تم قبل هذا العام بكثير ويرجع للدولة العثمانية.

وأبان أن الميناء يقع في شرق مدينة صفوى بجانب بحر وخليج صفوى، وتسمى هذه المنطقة «العلي». وقد كانت مهمة هذا الميناء متابعة الواردات التجارية القادمة، سواء كانت من البر أو البحر، وهذه الواردات تكون قادمة من دول الخليج، خاصة القادمة من البحرين آنذاك، وقد عيّن على الجمرك شخص يسمى «ضامن الجمرك» وتكون مهمته إعطاء التقديرات على البضائع القادمة «الواردة» وتؤخذ خلالها رسوم ومبالغ جمركية على كمية التقديرات الواردة، وقد فقد هذا الجمرك أهميته بعد تولي جهات حكومية هذا الأمر، فتوقف العمل به حينها.

مساحة السور

وأشار آل إسعيد إلى أن مساحة السور الباقية أطلالها اليوم تقدّر طولًا بـ60 مترًا، وعرضًا بـ60 مترًا، فهي بشكل مربع. ويتواجد مبنى غرب هذا السور، حيث تبلغ مساحته حوالي 40 مترًا مربعًا. 5 أمتار عرضًا × 8 أمتار طولًا، وبه يقيم المقدّر للواردات التي تأتي للجمرك. وهذا المبنى مكون من 3 أقسام، كما هو الآن غرفة صغيرة من الجهة الجنوبية تلاصقها غرفة في الوسط، ثم الغرفة الملاصقة لها في الجهة الشمالية وهي أكبر من الجنوبية بقليل، وتعتبر المساحة المتوسطة هي الأكبر في هذا المبنى الباقي أثره لليوم.

وأكد داوود آل إسعيد أن الأطلال المتصدعة والقديمة من ميناء صفوى القديم، والذي تقتحمه مياه البحر في الوقت الحالي إن كانت في حالة المد، ما هي إلا أثر باقٍ لتسطير تاريخ كان مليئًا بالأحداث منذ بداية إنشائه، والذي أصبح أطلالًا تنتظر السقوط في كل لحظة، فقد أصبح اليوم مهملًا وبات لا يعلم جيل اليوم عنه شيئًا، وكذلك مَن يمر ويشاهد مبناه القديم، يتذكر أن هذا المبنى كان جمركًا يمتلئ بالحركة واستقبال الواردات والبضائع، ونحن من هنا نأمل من المسؤولين عن التراث في المنطقة الشرقية الاهتمام به وإعادة تهيئته، وعدم تفويت تاريخ عريق يتواجد في المنطقة بعدم المبالاة والإهمال والاندثار.

عودة الماضي

وأبان آل إسعيد: نتمنى أن يحتفل أهالي صفوى بعودة الماضي بالاهتمام بهذا الميناء، فيؤدي الناس العرضة بجانبه، حيث إن صفوى تزخر بالتراث الأصيل.

آل خميس: الجدران المتصدعة تحكي قصة معاركها مع الطبيعة

آل إسعيد: نأمل من المسؤولين عن التراث الاهتمام به وإعادة تهيئته
المزيد من المقالات
x