ليس ما قبل كورونا مثل ما بعدها

ليس ما قبل كورونا مثل ما بعدها

الثلاثاء ٠٧ / ٠٤ / ٢٠٢٠
لم يتوقف الوقت ولكنه يخيل إلينا أنه توقف فجأة !

بات اليوم يمر متثاقلا ناقلا أخبارا مفزعة، هكذا من دون سابق إنذار وجد العالم نفسه أمام طوفان عاتٍ يجوب أرجاءه من المحيط إلى المحيط، حتى المنقذون كلما اقتربوا للمساعدة فر أحدهم من الآخر خشية الغرق، وكأن العالم بشرقه وغربه يعيش حلما يصعب تصديقه ومعايشته منذ اندلاع كورونا، نعم اندلاع إن صح التعبير هي أشبه بالحرب بل أدهى وأمر.


أصبحت الأرض غارقة في أكبر مأساة بشرية لدرجة أنها أصبحت بعد ذلك ساكنة موحشة. لم نعد نسمع ذلك الضجيج المعتاد بل كل صوت نسمعه وكل ضوء نشاهده نهتم لأمره، حتى تفاصيلنا الصغيرة باتت تحت المجهر، كما لو كنا في صحراء قاحلة تنتظر الغيث.

كل هذه القارات السبع تحولت إلى قرى وكأننا نعايش أجيال ما قبل العولمة، عدنا إلى الماضي ونحن في الحاضر، شريط الذكريات يعاد في الأذهان ألف مرة. ملايين البشر تعيد حساباتها الدقيقة وكم أهدرت من وقت مضى...

‏حتى أنه في لحظة أصبحت أمنية البشر واحدة، لم يعد يهم السجناء الحرية، ‏لم يعد يهم الأحرار الأحلام الوردية، ‏لم يعد يهم المهاجرين العودة، ‏لم يعد يهم الفقراء الثراء، ‏لم يعد يهم الأثرياء المال، ليعود الإنسان إلى البساطة ‏وتتوحد لهجاته بأكملها

‏تحت عنوان البحث عن النجاة.

كورونا آفة وأزمة بشرية ‏وصراع بين التناقض والمنطق، جددت كثيرا من المفاهيم الإنسانية، ‏حيث تحولت ميادين الحروب إلى سلام، وإن كان هناك أعداء لا يعترفون بأي وباء لأنهم أوبئة بحد ذاتهم.

وتحول الفضاء المكتظ بالطائرات مسرحا فقط للطيور ودور الأوبرا وساحات الترف إلى أشباح، وحقول الورد مهجورة قبل أن تذبل، وأضواء المدن إلى ظلام وشوارعها إلى عزاء وكأن لم تغن بالأمس.

‏كورونا قلبت كثيرا من المعطيات، ‏جعلت العزلة أمرا يتسابق إليه الجميع

‏وكأن العالم يهرب من نفسه ومن بعضه البعض وما من طوق للنجاة إلا بالهروب للواحد الجبار ثم التفكر في ضعف الإنسان مهما بلغ من قوة.

حتى في الوقت الذي اعتقد فيه العالم أنه قادر على غزو الفضاء بالتقدم والدراسات والتكنولوجيا إذ بفيروس لا يرى حتى بالعين المجردة يغزو العالم ولا يستطيع الدفاع عن نفسه بل أصبح الفرد لا يتقدم خطوة عن منزله، لم يسبق للعالم بأكمله في العقود الأخيرة أن خاض تجربة ومعاناة واحدة والهدف واحد والوقت لا ينتظر.

سباق إنساني موحد نحو كبح جماح الوباء ذابت أمامه كل الصراعات أو أُجلت.

لست هنا بصدد بث التشاؤم والألم والشكوى والتذمر، فالشكوى لله والأمل بيده عز وجل ثم بالصبر.

الحياة بطبيعتها قابلة لكل المتغيرات والتحديات وبقعة الضوء لا تظهر في أول النفق بل في آخره، وآخر الدروس التي سنتعلمها هانحن الآن بصددها مع جائحة كورونا. نعم دروس سيكولوجية بحتة نستحضرها من أجل مستقبل ونسيج إنساني ومجتمعي مترابط نكون فيه أكثر تسامحا ومودة وتنازلات أيضا. وأكثر رضى وأكثر قناعة بحياتنا الاعتيادية التي لم نشعر بأهميتها بهذا القدر إلا أننا اليوم نريد العودة إليها بحلوها ومرها.

لهذا سيطرأ التغيير لا محالة في كافة العالم حتى وإن تغير للأسوأ لن يغفل عن هذه اللحظات الصعبة لأن ما حدث بمثابة الصدمة.

الأمر الذي سيجعله يعيش باتزان ومسار واعٍ مستشعرا أهمية كل خطوة يخطوها ومتهيئا لكل المفاجآت والصدمات والمنعطفات الخطيرة ومتشبثا بعديد القيم الإنسانية والبعد كل البعد عن النزاعات والصراعات بين الأفراد على الأقل مما سيوسع مفهوم الصحة في كل شيء حيث لا تقتصر على الأبدان بل حتى على العقول.. فليس ما قبل كورونا مثل ما بعدها.
المزيد من المقالات