كيف غير كورونا السياسة الاقتصادية العالمية؟

كيف غير كورونا السياسة الاقتصادية العالمية؟

السبت ٢١ / ٠٣ / ٢٠٢٠

250 مليار دولار رصدتها إدارة الرئيس دونالد ترامب لمساعدة الأمريكيين

«نسبة التوسع المالي المتوقعة على مستوى العالم من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام تبلغ 2 %».. أريند كابيتين - خبير في مؤسسة يو إس بي

خلقت أزمة انتشار فيروس كوفيد 19 فجأة إجماعا جديدا بين واضعي السياسات والاقتصاديين لصالح وضع إجراءات مالية جديدة وجريئة، حيث تحولت أزمة فيروس كورونا الجديد إلى أكبر تهديد يواجه الاقتصاد العالمي على الأقل منذ عام 2008، حينما وقعت الأزمة المالية العالمية الأخيرة.

والفرق الكبير هذه المرة هو ظهور إجماع عالمي مفاجئ حول ما يجب فعله حيال ذلك الفيروس، والطرق التي يتوجب بها على الاقتصاديين مواجهته. والواقع أن الخصائص المحددة لتفشي مرض كوفيد 19 تمنحه القوة لتغيير السياسة الاقتصادية حول العالم إلى الأبد.

فحتى البنك المركزي الأوروبي، الذي كان حذرا من قبل، أطلق هذا الأسبوع برنامج تحفيز بقيمة 750 مليار يورو (ما يعادل 809 مليارات دولار) تتضمن إمكانات جريئة لدعم الحكومات الأضعف في منطقة اليورو.

وفي الوقت نفسه، استعان الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية بجميع الأدوات، التي تم تطويرها خلال أزمة السيولة المالية العالمية قبل 12 عاما، بما في ذلك التسهيلات لدعم البنوك والشركات، ومبادلات العملات مع البنوك المركزية الأخرى.

وتأتي تلك الخطوات العالمية بشكل حاسم وسط موجة من تعهدات الإنفاق من قبل الحكومات لدعم الاقتصاد والمتضررين، فيما يعد أكبر تحول في السياسة الاقتصادية منذ السبعينيات، عندما تم التخلي عن التحفيز المالي كأداة أساسية لتحقيق الاستقرار في التوظيف.

ووفقا للخبير الاقتصادي أريند كابيتين Arend Kapteyn من مؤسسة يو إس بي UBS، فإن التوسع المالي على مستوى العالم سيبلغ حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مقابل 1.7% فقط في عام 2009.

وتتضمن خطط الدعم الاقتصادي أيضا أفكارا كانت تعتبر هامشية ولا تحتل المرتبة الأولى في أجندة الحكومات منذ وقت ليس ببعيد، فعلى سبيل المثال تريد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرسال 250 مليار دولار من شيكات المساعدة إلى الأمريكيين.

ويقدم الاقتصاديون حتى مقترحات غير تقليدية مثل قيام البنوك المركزية بطباعة مثل هذه الشيكات فيما يسمى «أموال طائرات الهليكوبتر» ومنح الجميع دخلا أساسيا حتى انتهاء الأزمة.

ويجادل البعض بالقول إن أزمة تأثير انتشار فيروس كورونا ليست بنفس قوة أزمة السيولة النقدية ولا تشكل تحديا قويا من وجهة نظر المسؤولين كما كان الحال في عام 2008.

فمنذ 12 عاما غيرت الأزمة المالية العالمية حقا نطاق ما يمكن للبنوك المركزية فعله، وليس الحكومات، وكان صندوق النقد الدولي يعتنق نظريات «التقشف التوسعي»، كما قوبلت حزمة التحفيز التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حينها بمعارضة شديدة.

أما الآن، فيبدو أن جميع المسؤولين والاقتصاديين تقريبا متحدون في الدفع باتجاه عقلية جديدة. والسؤال الآن هو ما الذي تغير بين الأزمة العالمية 2008 وأزمة كورونا؟

في حقيقة الأمر، فإن جزءا من هذه التغييرات كان يتخمر منذ عقد من الزمان، حيث لم يثبت التضخم ولا الديون العامة الضخمة أنها المشكلة التي يخشى اللاعبون الماليون الكبار منها.

أيضا تم تبديد فكرة أن «الحكومات الغربية التي تعمل في طباعة العملات العالمية الكبرى يمكن أن تنهار». كما أنه وقبل أن يصيب الفيروس العالم، كان الرئيس ترامب في الولايات المتحدة وبوريس جونسون Boris Johnson في المملكة المتحدة قد وضعا حدا لسياسات التقشف.

لكن التغيير الحقيقي يتعلق بما كتبه الاقتصادي البولندي مايكل كاليكي Michał Kalecki في مقاله الشهير عام 1943 تحت عنوان كبير وهو «الجوانب السياسية للعمالة الكاملة»، حيث قال الاقتصادي البولندي وقتها: «السبب في عدم تشجيع الاقتصاديين على تقديم الدعم للمستهلكين لأنه يتعارض مع المبدأ الأخلاقي، الذي يقول إنه على كل فرد أن يكسب لقمة عيشه من عرق جبينه» وليس بالدعم.

ولكن أزمة فيروس كورونا بصفة خاصة، على الرغم من أنها قوة خارجية غير أخلاقية إلا أنها ضربت الاقتصاد «الحقيقي» أولا، وجاء الضرر الذي لحق بلاعبي الأسواق المالية والمستهلكين المثقفين -وهما مجموعتان غالبا ما يشكك الاقتصاديون فيهما- نتيجة للأزمة ثانيا، ولم يكن سببه أخطاء صادرة منهما كما حدث في عام 2008.

علاوة على ذلك، فإن الضربة الحتمية التي تلقاها الاقتصاد عندما بدأت المصانع في الإغلاق تمكن الخبراء من رؤيتها قبل وقوعها بوقت طويل، ومن المتوقع أن تستمر لفترة زمنية محدودة، مما يساعد على تقديم المساعدة الحكومية المؤقتة. أيضا جاء انخفاض أسعار النفط ليسكت أي مخاوف اقتصادية تضخمية قائمة، وكل ذلك شجع الحكومات على تقديم مساعدات مالية قوية.

ومن المؤكد أن الحوافز المالية المعلنة قد لا تكون كافية، خاصة في أوروبا. فهناك خطر تكرار فترة ما بعد الأزمة العالمية لعام 2008 إذا لم تدعم الشركات والمسؤولون المرحلة الثانية من الدعم الحكومي لمحاربة البطالة، بمجرد ترك الأثر المباشر متروكا على عاتق الشركات.

وعلى مدار الأسبوعين الماضيين، على الرغم من كل تلك الأوضاع، كان صانعو السياسة يتوقون فجأة إلى التحرك. وكان الاقتصاد الحالي الذي يشبه إلى حد كبير الاقتصاد العالمي في فترة ما بعد السبعينيات يعاني بالفعل من ظروف موجودة من قبل، ولكن هذه المرة يمكن أن يكون فيروس كوفيد 19 هو ما يرسل العقيدة القديمة إلى القبر ويتسبب في إجراء خطوات اقتصادية حقيقية جديدة في العالم.