الفيروس والاقتصاد

النمو سيتعرض لضربة وترامب أمامه فرصة

الفيروس والاقتصاد

2.5 % من المتوقع أن يتدنى معدل نمو الاقتصاد الأمريكي تحت هذا الرقم بسبب تأثير انتشار كورونا

«نشك في أن تخفيضات الأسعار يمكن أن تعالج صدمات العرض التقليدية مثل تلك التي ظهرت بسبب فيروس كورونا».. رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول.

عندما تتم زعزعة الأسواق العالمية، يمكن لأي اقتصاد التعرض للدهس. وهذا ما حدث في الجمعة الأخيرة من شهر فبراير، عندما تحدث المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لاري كودلو Larry Kudlow عن حقيقة أن تهديد فيروس كورونا سينتهي في النهاية، وأن الولايات المتحدة ستتعافى. ومع ذلك، انخفضت الأسهم بنسبة 1% أو نحو ذلك في نفس اليوم.

والأسئلة التي يتوجب علينا توجيهها الآن هي: ما مقدار الضرر، الذي سيحدث للاقتصاد الحقيقي؟ وما الذي يمكن القيام به إن وجد هذا الضرر للخروج من الأزمة؟.

ولدى كودلو كل الحق في رغبته بمنع ثقة المستهلك من التذبذب وانتشار الذعر، الذي عطل النمو في الولايات المتحدة. وهو محق أيضا في أن أسس الاقتصاد الأمريكي قوية، وذلك في ظل انخفاض معدل البطالة تاريخيا، ومكاسب الدخل الجيدة، وسوق الإسكان، الذي يزداد قوة.

لكن المؤكد أيضا أن الأسهم لا تنخفض بنسبة 11.5% خلال أسبوع دون سبب، فهي تستجيب لإشارات واضحة بأن انتشار فيروس كورونا سيؤثر على الاقتصاد العالمي بشدة.

وعلى الأرجح سيكون إجمالي الناتج المحلي الصيني في الربع الأول سلبيا، كما تعاني أوروبا من التذبذب بالفعل، والولايات المتحدة أكثر ثباتا ولكنها ليست محصنة ضد الضعف العالمي -خاصة إذا تسبب الفيروس في فرض الحجر الصحي الشامل-، كما بدأت القيود المفروضة على سفر رجال الأعمال في التأثير على السوق.

وتراجعت سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى أدنى مستوياتها التاريخية لتصل لـ 1.15% فقط، في إشارة إلى أن المستثمرين يتوقعون تباطؤ النمو وخفض أسعار الفائدة الفيدرالية. وانخفض سعر خام برنت 24% هذا العام، ليصل إلى 50 دولارا للبرميل، وسط توقعات ببطء معدلات الطلب.

وانخفضت العقود الآجلة للنحاس بنسبة 9% منذ شهر يناير، وتراجعت بنسبة 1% في الجمعة الأخيرة من فبراير، في إشارة إلى أن تعافي التصنيع لن يكون وشيكا.

أيضا، تتعرض أسواق السندات غير المرغوب فيها والقروض المدعومة لضغوط بسبب تشديد الظروف المالية.

وسيتم الآن تأجيل الانتعاش في الاستثمار التجاري، الذي توقعه الكثيرون مع انخفاض التوترات التجارية على الأقل حتى نهاية نصف الأول من العام، حيث يجب استعادة فاعلية سلاسل التوريد العالمية، والتخفيف من وطأة عدم اليقين الطبي والاقتصادي أولا.

ومن المحتمل الآن أن يتدنى معدل نمو الاقتصاد الأمريكي، الذي كان من المتوقع أن يكون بين 2% و2.5% لهذا العام، تحت ذلك الرقم في النصف الأول من السنة الجارية، مع الأمل في أن يرتد لقوته خلال النصف الثاني.

وكل تلك التعقيدات الاقتصادية يعززها حالة عدم اليقين السياسي في سنة الانتخابات، ومناخ واشنطن الحزبي المتطرف.

ومن الواضح أن الديمقراطيين يرون أن مرض كورونا الجديد «كوفيد –19» سلاح يمكن استخدامه ضد الرئيس ترامب، وربما يحولون الهجوم على الرئيس بسبب هذا الفيروس إلى ما يشبه ما حدث في أيام إعصار كاترينا عام 2005 -هاجم الديمقراطيون الرئيس الجمهوري آنذاك جورج بوش بضراوة بحجة ضعف رد الفعل الرئاسي-.

فلا توجد طريقة أخرى لتفسير وابل الرسائل الهجومية، التي انهالت على ترامب، بغض النظر عما يفعله أو يقوله عن الفيروس، كما تستمر وسائل الإعلام المعارضة للرئيس أيضا في الهجوم، وهذا يغذي قلق الجمهور، ويحول كل قرار حكومي إلى معركة سياسية.

وما نشعر به هنا هو أن هذا الظرف قد يكون فرصة لترامب على الرغم من كل هذه المناورات الحزبية. فعلى سبيل المثال: لن يلومه الناخبون على تباطؤ الاقتصاد الناجم عن الفيروس، ولكنهم سيلومونه إذا كان رد الحكومة على الأزمة غير كفء، أو إذا كان ترامب يرفض المشكلة ويقلل منها، وتبين أنها أسوأ بكثير مما أعلن.

وأفضل حل الآن هو إخبار ترامب الجمهور بالحقيقة، المتمثلة في أن الجميع لا يعرفون حتى الآن حجم الضرر، الذي قد يلحقه الفيروس، ومع تقديم ضمانات بأن خبراء الحكومة في الأمراض المعدية، ومنظمات الصحة العامة الهائلة مستعدة لمواجهة هذا التحدي. من الأفضل للرئيس الأمريكي إظهار الثقة، دون التباهي بقوته، أو التعامل مع الهجمات غير المبررة.

وإذا سأل الصحفيون ترامب عن بعض الهجمات، التي شنتها عليه نانسي بيلوسي Nancy Pelosi، رئيسة مجلس النواب الأمريكي، أو تشاك شومر Chuck Schumer، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، فيجب على السيد ترامب أن يتجاهل تلك الأسئلة. ويقول، إنه يركز فقط على الحد من مخاطر الفيروس. سيقدر الناخبون بهذا إظهاره لروح القيادة ويسجلون الديمقراطيين في خانة الحاقدين. فعلى عكس الشجار الدائر على قضية عزل ترامب ومساءلته أمام الكونجرس، يهتم الأمريكيون بقضية انتشار فيروس كورونا فعلا، ولا يريدون من الحزبين التعامل بشكل رخيص مع هذه القضية.

وهذا يقودنا إلى استجابات السياسة الاقتصادية المحتملة لانتشار الفيروس، حيث يمكن لترامب المساعدة في تجاوز التأثيرات السلبية من خلال رفع تعريفاته من جانب واحد على البضائع، التي قد تؤدي بدورها أيضا إلى إقرار تخفيض ضريبي على التجارة والمستهلكين.

وربما تكون «الحوافز المالية» هنا مضيعة للوقت، بالنظر إلى أن الديمقراطيين سيصرون على خطة الإنفاق الجديدة، وإقرار التخفيضات الضريبية المؤقتة، التي تندرج أسفل نفس قائمة الإجراءات، التي سبق وتفاوضت عليها بيلوسي مع الرئيس جورج بوش في عام 2008 لكنهما لم تساعد في رفع معدلات النمو.

وأوضح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول Jerome Powell في بيان لم يكن مرتبا له في الجمعة الأخيرة من شهر فبراير أيضا، أنه جار اتباع السياسة النقدية اللازمة، مع توقعات بخفض 25 نقطة أساسية في سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية على نطاق واسع في شهر مارس الجاري. ولكننا نشك في أن تخفيضات الأسعار يمكن أن تعالج صدمات العرض التقليدية مثل تلك التي ظهرت بسبب فيروس كورونا.

وأموال الاحتياطي الفيدرالي منخفضة بالفعل عند 1.5%- 1.75%، وبالتالي فإن تأثير خفض أسعار الفائدة سيكون أيضا أقل، مقارنة بتحرك بنك الاحتياطي الفيدرالي بشكل أسرع نحو تطبيق سياسته، التي أقرها في السنوات التي أعقبت انتشار حالة من الذعر المالي والركود عام 2008-2009.

على الجانب الآخر، يمكن لمجلس الاحتياطي الفيدرالي محاربة تأثير الفيروس المالي، حيث قلصت الأسهم خسائرها بعد بيان باول، الذي يظهر مدى التأثير النفسي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي على المستثمرين.

وإذا قام بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة كوثيقة تأمين، فيجب أن يكون مستعدا لرفعها مرة أخرى بسرعة إذا تبين أن الفيروس أقل ضررا.

وتاريخيا، أبقى بنك الاحتياطي الفيدرالي معدلات الفائدة منخفضة للغاية لفترة طويلة بعد أحداث 11 سبتمبر، وهذا حفز فقاعة الإسكان والكساد.

ختاما، فإن عمليات البيع الأخيرة يجب أن تمثل تحذيرا ولكن دون نشر الذعر في الأسواق. فنحن ببساطة لا نعرف مقدار الضرر، الذي سيحدثه فيروس كورونا. وستتم مكافأة المستثمرين الذين يحتفظون بهدوئهم، كما سيكافئ الناخبون السياسيين الذين يفعلون الشيء نفسه.

المزيد من المقالات
x