الزواج الصحي.. طوق النجاة من الأمراض الوراثية

أبرزها الالتهاب الكبدي ونقص المناعة والأنيميا المنجلية

الزواج الصحي.. طوق النجاة من الأمراض الوراثية

أكد مختصون ومواطنون أهمية الالتزام ببرنامج الفحص قبل الزواج، لما فيه من فائدة كبيرة على الراغبين في الزواج، مطالبين في الوقت نفسه بإلزام الجميع باتباع نتائج الفحص، إذ يلزم البرنامج طرفي عقد النكاح، بإحضار شهادة الفحص الطبي قبل إجراء العقد، على أن يكون هذا الإجراء أحد متطلبات تدوين العقد، مع ترك حرية إتمام الزواج لصاحبي العقد.

وأشاروا إلى أن الزواج الصحي مفهوم شامل، يؤسس لحالة من الاكتمال والتناغم بين الزوجين من النواحي الصحية، والنفسية، والاجتماعية؛ بهدف حماية الزوجين وذريتهما من الأمراض المعدية، وإنجاب أبناء أصحاء، لذا أولت حكومة المملكة الرشيدة -أيدها الله- اهتمامًا بإنشاء أجيال سليمة ومعافاة من خلال برنامج الزواج الصحي.


ويشمل الفحص الطبي قبل الزواج، الكشف عن وجود بعض الأمراض الوراثية، أو المعدية؛ لإعطاء المشورة الطبية حول إمكانية انتقال تلك الأمراض للطرف الآخر، أو الأبناء في المستقبل، بهدف إعطاء الخيارات والبدائل أمام راغبي الزواج؛ من أجل التخطيط لإنشاء أسرة سليمة صحيًّا واجتماعيًّا.

الاختبار النفسي ضرورة للحد من الطلاق

قال المستشار النفسي د. عبدالعزيز المطوع: إن غالبية المراكز الصحية أصبحت تضم أطباء نفسيين، ومَنْ يعانون من رهبة عند إجراء فحص ما قبل الزواج، عليهم الانضمام لبرامج في هذه المراكز؛ لتهيئتهم نفسيًا، وإزالة هذه الرهبة.

وأوضح أنه يؤيد وجود فحص نفسي قبل الزواج؛ للحد من الطلاق، الذي يكون هذا الأمر سببًا فيه، وبعض الاضطرابات والأمراض النفسية عند اكتشافها في المريض، فإنها يسيرة العلاج بأدوية وجلسات، عوضًا عن تعاظم هذه المشكلة.

وأشار إلى أن هناك بعض الحالات لها علاج، وأخرى نادرة لا علاج لها، مؤكدًا ضرورة الإرشاد الأسري، لإقناعهم بأن إتمام الزواج في هذه الحالة، قد يكون له تأثير سلبي.

.. وعواقب تجاهله وخيمة مستقبلا

قال المواطن عبدالله السلطان: إن فحص ما قبل الزواج يعتبر من أهم القرارات التي يجب الإشادة بها، لما له من فائدة مستقبلية على الأسرة التي سيتم بناؤها، وإن هذا يجنب الأسرة انتقال أمراض وراثية، مشيرًا إلى أن هناك بعض أقاربه تجنبوا إكمال الزواج بسبب عدم التوفق الصحي للزوجين.

وأكد المواطن سلطان الجاسم أن شرط فحص الزواج مفيد، لكن ينقصه إلزام الزوجين على عدم إتمام الزواج في حالة عدم التطابق، لأن احتمالية إنجاب أبناء مصابين كبيرة.

وتابع: «هناك من يقلّل من أهمية الفحص الطبي قبل الزواج، فيتسبب بذلك -دون أن يعلم- في تهديد مستقبل أطفال أبرياء بعواقب صحية وخيمة؛ لهذا يصبح الكشف الطبي قبل الزواج ضرورة وحماية لكل المقبلين على الزواج، لا سيما في ظل وجود بعض الإحصائيات المقلقة حول الأمراض، التي تنتشر وراثيًا من خلال زواج الأقارب في المجتمع».

وأشار المواطن أحمد الحسن إلى أنه مع إلزام الأسر بالالتزام بنتائج فحص الزواج، ولكن وفق ضوابط معينة، فمثلا عندما لا يكون هناك توافق، ويرغب الزوجان في إكمال عقد النكاح أن يكتبا إقرارًا بتحمل مسؤولية ذلك، وعدم مطالبة الدولة بأي تكاليف جراء عدم الالتزام بنتائج الفحص.

.. واحتمالات كبيرة لانتقال «الكبد الوبائي B»

«العلاقات العاطفية» و«القرابة» أهم أسباب التهرب من الفحص

قالت المواطنة سلمى الزهراني: إن الفحص أسهم في خفض الإصابة بالأمراض، وإن هناك وعيًا مجتمعيًا بذلك، وبعض الأسر تشترط أن يكون هناك توافق بين الرجل والمرأة.

فيما قالت المواطنة سعاد الغامدي: إن هناك أسبابا تدعو الشباب والفتيات إلى عدم الالتزام بفحص الزواج، مثل وجود علاقة عاطفية، أو قرابة، أو حتى إجبار بعض الأسر لأبنائهم بالزواج من عائلة معينة، معتبرةً أن التثقيف بأهمية الفحص يسهم في تجاوز كثير من الأسباب المانعة لنتائج الفحص.

وشددت المواطنة سمية السليم على دور وسائل الإعلام وأئمة وخطباء المساجد في إبراز أهمية الالتزام بفحص الزواج، من خلال تكثيف الحملات الإعلامية والخطب الدينية في ذلك.

.. الكشف يحمي الأجيال القادمة

أكد مستشار تطوير الذات وخبير العلاقات المعتمد وعضو الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية د. طلال أباذراع لـ «اليوم» أن الهدف من الفحص الطبي للمقبلين على الزواج حماية الأجيال القادمة من الأمراض الوراثية، والمحافظة على البيوت من التوترات الأسرية، والمنغصات الحياتية.

وأضاف إنه منذ أن أقرت وزارة الصحة برنامج الفحص الطبي للمقبلين على الزواج، وهو يطالب بأن يضاف إليه كذلك التأكد من حالة الطرفين النفسية والذهنية والأمراض العقلية كذلك تحليل العقاقير والمخدرات والسموم الكيميائية.

ولفت إلى أنه في عام 1429هـ تمت تسمية الفحص «برنامج الزواج الصحي»، هذا الإجراء الحضاري، الذي ساهم في الحد من انتشار الأمراض الوراثية التي فتكت بصحة آلاف الأطفال سابقًا، وأرهقت الأسر و العوائل ماديًا ونفسيًا واجتماعيًا، مما حدا بالبعض إلى الطلاق؛ لعدم القدرة على تحمل تلك الأعباء، أو الاقتراض، بسبب ارتفاع كلفة العلاج والغذاء لتلك الفئات، غير التأثير السلبي على عطاء الموظفين، وضعف أداء العاملين من ذوي المرض.

وتابع د. أباذراع: «كان لزامًا حماية المجتمع من تلك المصاعب والتحديات بالطرق الحكيمة والأسباب المشروعة، وأهمها إلزام الأطراف بفحص ما قبل الزواج؛ لحماية الأجيال القادمة من الأمراض الوراثية».

وأشار إلى أن الفحص الطبي مجرد قطرات دم، ولكن هذه القطرات قد ينقذ الله تعالى بها الكثير من الأسر، وهو مهم لإعداد أجيال صحية وقوية، ولا شك بأنه خطوة احترازية للوقاية من الكثير من الأمراض.

وشدد على ضرورة زيادة التوعية الإعلامية والمجتمعية بأهمية هذه الفحوصات التي تسبق الزواج، بل إلزام الخاطبين بنتائج هذه التحاليل، ومنعهم بقوة النظام من استمرار العقد ما دام فيه وقاية لهما من الأضرار الحتمية.

قالت استشارية الأمراض المعدية د. يم أبو الحمائل: إن فحص ما قبل الزواج مهم لمعرفة مدى خطورة أو احتمالية انتقال العدوى من أحد الطرفين إلى الآخر، وأيضًا من المهم جدًا معرفة احتمالية انتقال هذه الأمراض إلى الأطفال، سواء كان أثناء فترة الحمل، أو بعد الولادة، سواء كان من الأمراض المعدية أو مرضًا وراثيًا.

وأضافت إن الفحص الطبي عبارة عن تحليل دم للطرفين المقبلين على الزواج، ويتم بعده الاطلاع على النتائج من قبل الطبيب، إما اعتماد أن هذا الزواج آمن لعدم وجود أمراض، أو زواج غير آمن بسبب اكتشاف الأمراض، وفي هذه الحالة تقدم المشورة الطبية للطرفين، وشرح ما يتطلب عمله من فحوصات أخرى أو علاجات.

وأكدت أن الأمراض الوبائية، التي يتم الفحص عنها هي: الكبد الوبائي B and C، وفيروس نقص المناعة المكتسبة HIV، أما المرض الوراثي الذي يتم الفحص عنه فهو مرض الأنيميا المنجلية.

ولفتت إلى أن الشخص المصاب قد لا يشعر بأي أعراض، ومن الصعب حساب خطورة انتقال العدوى للطرف الآخر بشكل دقيق، بالإضافة إلى أن هذه الأمراض يمكن تفاديها للطرف السليم، إذا تم اكتشافها، فيمكن أخذ علاجات واقية، أو تطعيمات، حسب الحالة، ويمكن البدء بعلاجها، بحيث تقل نسبة انتقال العدوى بشكل كبير.

وشددت على إمكانية حماية الأطفال في المستقبل، فبعض هذه الأمراض المعدية قابلة للانتقال بشكل كبير، فاحتمالية انتقال الكبد الوبائي B للطفل أثناء الولادة، تصل إلى 85%، إذا لم يتم اكتشاف الحالة عند الأم بشكل مبكر، وفي هذه الحالة، يمكن البدء بعلاجات معينة أو أخذ تطعيمات، وكذلك في حالة الأنيميا المنجلية، فإن كلا الطرفين قد يكونان حاملين للمرض بدون أعراض، ولكن نسبة إنجاب طفل مصاب تصل لـ50% في كل حمل.

واختتمت بأن فحص ما قبل الزواج خطوة بسيطة وسهلة، ولكنها ذات أهمية كبيرة، قد تحمي من انتشار الأمراض الوبائية، ناصحةً بالبدء المبكر للعلاج؛ تفاديًا لأي أمراض مزمنة.

99.1 % زواج آمن وراثيا في الشرقية

قال المشرف على برنامج الزواج الصحي بالشرقية د. نواف العتيبي لـ«اليوم»: إن البرنامج حقق 99.1 % زواج آمن وراثيًا، من إجمالي عدد الفحوصات، البالغ 26916 فحصًا على مستوى المنطقة الشرقية لعام 2019.

وأضاف إن برنامج الزواج الصحي هو برنامج وطني صادر بقرار مجلس الوزراء، بهدف الحد من الأمراض الوراثية، مثل فقر الدم المنجلي، وأنيميا البحر المتوسط «الثلاسيميا»، وبدأ العمل فيه عام 1424هـ، وتمت إضافة الأمراض المعدية الالتهاب الكبدي الوبائي «ب»، و«ج»، ونقص المناعة المكتسب، عام 1429هـ.

وتابع أن هذا المنجز للعام الثاني على التوالي، إذ حققت المنطقة في عام 2018 نفس النسبة، وتم تكريم الشرقية من قبل وزير الصحة، بحصولها على المركز الأول في تطبيق البرنامج.

وأشار د. العتيبي إلى أن نتائج الفحوصات غير ملزمة للطرفين، ولكن يسعى العاملون في مراكز الفحص وعيادة المشورة الطبية لإقناع أطراف الزواج بالأخذ بالنتيجة من حيث الامتناع في حالات عدم التوافق الوراثي، والاستمرار في حالة الأمراض المعدية الالتهاب الكبدي «ب» أو «ج»، بعد علاج الطرف المصاب، وتحصين الطرف السليم، مؤكدًا زيادة الوعي، فكانت نسبة الإقناع في بداية البرنامج 9 %، أما هذا العام فتجاوزت 80%.

وتابع أن البرنامج يسعى لتوعية المجتمع حيال الأخذ بنتائج عيادة المشورة، من خلال التقدم للفحص بوقت كافٍ لا يقل عن ثلاثة أشهر قبل موعد الزواج، مكملًا: «نسعى للوصول إلى شرائح المجتمع في عمر الزواج، من خلال المحاضرات التثقيفية في الجامعات والكليات والمدارس الثانوية، وإقامة المعارض التثقيفية في المجمعات التجارية والأماكن العامة».

الصحة: تطعيم ثلاثي في مراكز الرعاية الأولية

كشفت وزارة الصحة أن مراكز الفحص المبكر تستقبل المواطنين المقبلين على الزواج، سواء بشكل فردي، أو الطرفين معًا، دون موعد مسبق؛ وذلك بغرض الحد من انتشار الأمراض المعدية والوراثية، وإعطاء المشورة الطبية حول احتمالية انتقال تلك الأمراض للطرف الآخر، أو للأبناء في المستقبل، وتقديم الخيارات والبدائل أمام الخطيبَيْن، من أجل مساعدتهما على التخطيط لأسرة سليمة صحيًّا.

وأشارت إلى أن مراكز الفحص قبل الزواج موجودة في المستشفيات، وبعض مراكز الرعاية الصحية الأولية الموجودة في جميع المناطق؛ إذ تقدم خدمات كالتثقيف الصحي عن فحص ما قبل الزواج، والأمراض المشمولة به، وأهمية التوافق الوراثي، إضافة إلى التطعيم الثلاثي الفيروسي «الحصبة، والحصبة الألمانية، والنكاف» للمُقبلات على الزواج، إلى جانب الفحوصات المخبرية لأمراض الدم الوراثية «الأنيميا المنجلية، والثلاسيميا»، والمعدية «التهاب الكبد الفيروسي ب، والتهاب الكبد الفيروسي ج، وفيروس نقص المناعة المكتسب»، وإحالة جميع الحالات الإيجابية للعلاج.

ولفتت الصحة إلى أنه يمكن الحصول على موعد للفحص عن طريق تطبيق «موعد»، أو 937، أو موقع وزارة الصحة الإلكتروني، وذلك للمواطنين المقبلين، ناصحة بإجراء الفحص مبكرًا قبل مرحلة الزواج.

إنجاب أطفال مرضى يهدد بخسارة الموارد البشرية

أكد عضو الجمعية السعودية للاقتصاد د. عبدالله المغلوث أهمية الفحص الطبي ما قبل الزواج، الذي أصبح إلزاميًا قبل عقد القران؛ لمكافحة الأمراض الوراثية، وتجنب تكاليف العلاج العالية التي تتكبدها الدولة، أو الأسر، نتيجة عدم الالتزام بالفحص، خاصةً أن إنجاب أطفال مرضى، يثقل كاهل الأسر ماديًا، ويؤدي لخسائر كبيرة في الموارد البشرية اللازمة لتنمية أي مجتمع.

وأشار إلى أن أمراض الدم الوراثية تنتقل من الوالدين للأبناء عن طريق الجينات، وتزيد الإصابة بنسبة 25% في حالة وجود اضطراب في جينات الأم والأب، أما في حالة سلامة أحد الأبوين، فمن الممكن أن ينتقل المرض إلى بعض الأبناء، ويسهم إجراء الفحص في الحد من انتقال هذه الأمراض.

وأضاف: «حسنا صنعت وزارة الصحة، وبادرت بتخصيص مبادرة فعالية اليوم المحلي للزواج الصحي، لتوعية المجتمع بأهمية فحص ما قبل الزواج»، مشيرًا إلى إنشاء جمعيات ومراكز تحث على الكشف قبل الزواج.
المزيد من المقالات
x