البنوك لا تملك مفتاح تغير المناخ

حل مشكلات الاقتصاد العالمي مطلوب أولا

البنوك لا تملك مفتاح تغير المناخ

الثلاثاء ٠٤ / ٠٢ / ٢٠٢٠
مؤخرا سمع المشاركون في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مرارا وتكرارا بأن الطريق إلى مستقبل خال من الكربون يمر عبر النظام المالي أولا، وأن البنوك وشركات التأمين وصناديق المعاشات التقاعدية تتحمل مسؤولية حالات الطوارئ المناخية، مثل لاعبي قطاع الوقود الأحفوري تماما، بل ويتوجب عليهم المساهمة في دفع تكلفة نشر «السلام الأخضر» حول العالم.

وقالت طالبة سويدية مراهقة تدعى غريتا تونبرج Greta Thunberg، وهي ناشطة في مجال حماية المناخ، وقتها: «يجب تجريد العالم من استخدام الوقود الأحفوري على الفور، وبشكل كامل».


وبالفعل وعلى أرض الواقع، فإن المصرفيين والمستثمرين من أصحاب الضمائر البيئية والمهتمين بقضايا المناخ يسارعون إلى تصحيح أخطاء الماضي، من خلال التخلص من مشكلات: الفحم، ورمال النفط الكندية، والحفر في القطب الشمالي.

ولكن على الرغم من كل هذه الشعارات الجذابة، إلا أن سحب الاستثمارات لن يؤدي إلى تقليص صناعة الوقود الأحفوري أو الحد منها بأي شكل من الأشكال، فرأس المال والنفط هما أهم سلعتين في العالم، والتخلص من أحدهما- عبر إلغاء القروض المصرفية مثلا- سوف يؤدي لظهور بدائل أخرى لملء الفراغ.

كذلك، إذا تركنا رواسب واحد من آبار النفط والغاز في الأرض بسبب هذه الشعارات الجذابة، فهناك الكثير من الآخرين غيرنا سيسعون إلى استغلالها.

والحقيقة المرة هنا هي أنه طالما استمر الطلب على النفط والغاز والفحم في النمو، فإن أصحاب الشركات سيجدون طريقة لاستخراجها وتوزيعها.

ولإبطاء أزمة تغير المناخ، يجب على العالم معالجة «الطلب» على الوقود الأحفوري، وليس «العرض»، حيث لا يمكن تحقيق ذلك الهدف الطموح، إلا من خلال القرارات السياسية الصعبة بدلا من إلقاء الخطأ على الجميع.

ولو افترضنا مثلا أن أكبر مديري الصناديق أعلنوا أنهم سيبيعون حصصهم في كبرى شركات النفط والغاز المتكاملة مثل إكسون موبيل Exxon Mobil وشيفرونChevron، فإن التأثير العملي على إنتاج الوقود الأحفوري سيكون صفر%.

وذلك لأن الشركات الكبرى في هذا القطاع تولد الكثير من الأرباح بالفعل، ولا يحتاجون إلى إصدار أسهم جديدة أو الاستدانة لتمويل الإنفاق الرأسمالي لهم.

على العكس، ففي الواقع سيقوم الكثير من الأشخاص بإعادة شراء الأسهم، ورغم أنه على الأرجح ستنخفض أسعار هذه الأسهم نتيجة لعمليات البيع، ولكن الرغبة في شرائها من قبل آخرين ستبقى موجودة، وذلك لأنه أمام كل بائع واع بيئيا، سيظهر مشتر آخر حريص على تحقيق أرباح كبيرة، تماما كما حدث مع أسهم شركات التبغ في البورصة، عندما تم تجنبها بالمثل، ثم أعيد شراؤها.

وتعتمد شركات الاستكشاف والإنتاج المستقلة للصخر الزيتي في الولايات المتحدة بدرجة أكبر على التمويل الخارجي. لكن هذه السياسة تتغير الآن؛ بسبب ضغط المساهمين المضطربين على تلك الشركات لتحقيق الأرباح من الداخل، وليس مجرد الاعتماد على التمويل.

وانخفض إجمالي إصدار الديون وحقوق الملكية إلى 12 مليار دولار العام الماضي من 46 مليار دولار في عام 2016، وفقا لما ذكرته أليسا لوكاش Alisa Lukash، المحللة في شركة ريستاد للطاقة Rystad Energy، وهي شركة أبحاث. وتتوقع لوكاش أن يولد القطاع ككل تدفقات نقدية أعلى من إنفاق رأس المال هذا العام.

وعموما، فإن الشركات الصخرية لديها خطوط ائتمان بنكية مضمونة باحتياطياتها. ولكن إذا انسحبت البنوك الكبيرة، فستجد الكثير من البنوك الإقليمية لتحل محلها.

ويقول أندرو ديتمار Andrew Dittmar مزود أبحاث الطاقة والبيانات في مؤسسة إينفرسEnverus: «من الصعب أن نتخيل عالما لا تقدم فيه بنوك تكساس قروضا لشركات النفط والغاز، فهذا هو أساس عملهم كله».

وحتى عندما لا يتاح خيار القروض التقليدية، كما حدث بعد التراجع الأخير في الأسعار، فإن البدائل المبتكرة، مثل عمل شراكات بين مؤسسات النفط والغاز وشركات الأسهم الخاصة تأخذ مكانها.

ولكن حتى لو افترضنا أن سحب الاستثمارات نجح في تنحية بعض المنتجين عن العمل في استخراج الوقود الأحفوري، سيظل لدى العالم الكثير من المصادر الأخرى للنفط الرخيص.

ويقول جيسون بوردوف من مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا: «لا يوجد نقص في المواد الهيدروكربونية الرخيصة في العالم، وإذا أردت التخلص من كمية من الصخر الزيتي في أمريكا، فسوف تضخ مؤسسة الأوبك تلك البراميل مرة أخرى بطريقتها في السوق».

وتقدر وكالة الطاقة الدولية، أن شركات النفط الوطنية، مثل: أرامكو السعودية، والشركة الوطنية الإيرانية للنفط، والشركات الحكومية النشطة دوليا، مثل: شركة البترول الوطنية الصينية، وشركة غازبروم الروسية تسيطر على 66٪ من احتياطيات النفط العالمية و60٪ من احتياطيات الغاز العالمية.

وهذه الشركات، التي غالبا ما تخضع لسيطرة الحكومات، أقل عرضة للضغط العام من الشركات الأوروبية والأمريكية الشمالية المدرجة في البورصة.

أيضا، فالاحتياطيات منخفضة التكلفة تعني أن معظمهم يستطيعون تمويل العمليات بدون أموال أجنبية.

فعلى سبيل المثال، تستخدم الحكومة السعودية العائدات أو الطرح العام الأولي لشركة أرامكو السعودية لمشاريع التنمية الاقتصادية المختلفة، وليس لاستخراج النفط، وكان التدفق النقدي للشركة البالغ 81 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2019، أكثر من ثلاثة أضعاف النفقات الرأسمالية.

على الجانب الآخر، فالفحم الحجري هو أحد صناعات الوقود الأحفوري القليلة، التي انتشر فيها الانقسام حول الأضرار البيئية المحتملة. لكن في هذه الحالة، تعمل البنوك والمستثمرون ببساطة وفق مصلحتهم الاقتصادية.

وفي الفترة الأخيرة، قوضت ولايات الطاقة النظيفة والغاز الطبيعي الطلب على الفحم الرخيص، مما دفع ما لا يقل عن ثماني شركات فحم أمريكية منذ أواخر عام 2018 إلى إعلان «حماية الإفلاس» -يقصد بها الحالة الممنوحة لأي فرد أو شركة غير قادرة على سداد ديونها بالكامل-.

والدرس المستفاد هنا هو، أن الحد من استهلاك الوقود الأحفوري يتطلب تغيير الاقتصاد الأساسي. وتتمثل إحدى الطرق، التي يمكن لوعي المناخ من خلالها تحقيق ذلك في دفع البنوك إلى تقديم المزيد من التمويل لمشروعات الطاقة البديلة، والتي تحتاج في الواقع إلى الكثير من التمويل الخارجي. حل آخر هو تشجيع الاعتماد على مصادر الطاقة الأنظف، من خلال فرض ضرائب الكربون على المخالفين، أو دفع أنظمة الحد الأقصى للتجارة أو دفع حكوماتهم لاتخاذ إجراءات صارمة في هذه الحالة.

8

شركات أمريكية اضطرت منذ أواخر عام 2018 إلى إعلان حماية الإفلاس بسبب توجهات الطاقة النظيفة.
المزيد من المقالات
x