حرب إعلانات المستقبل الرقمية

هواتفنا ستعرض ما نريده قبل حتى أن نفكر فيه

حرب إعلانات المستقبل الرقمية

الاحد ٠٢ / ٠٢ / ٢٠٢٠
عندما قابلت لاري بيج Larry Page وسيرجي برين Sergey Brin لأول مرة في عام 1999 تقريبًا، قال مؤسسو محرك جوجل البحثي Google، الذين أصبحوا مليارديرات إنهم لم يتمكنوا من بيع تقنيتهم إلى شركة ياهو Yahoo مقابل مليون دولار. وخلال خطاب له عن مستقبل البحث، ابتعد بيج قليلا، ثم توقف، وابتسم ابتسامة عريضة، وقال: «ما نريد فعله حقًا هو معرفة ما تريده قبل أن تفكر فيه»، وقتها ضحك الجمهور على مضض غير مصدق، ولكن هذه الفكرة الثورية كانت قوة دافعة لسوق التكنولوجيا منذ ذلك الحين.

ومنذ فترة عرض مسلسل Mad Men محاولة رجال الدعاية والإعلام أن يتلاعبوا بعقولنا لشراء المنتجات التي يروجون لها لعملائهم. ولكن هل يمكن أن نجد في المستقبل إعلانات حقيقية تتفاعل معنا عن كثب، وتركز على إقامة حوار ثنائي الاتجاه يقوم على رغباتنا الفعلية وليس مجرد الرغبة في البيع، أو بمعنى أصح هل ستسبق الإعلانات تفكيرنا بخطوة؟.


حسنا، لقد طرحت هذا السؤال على عملاق الدعاية مارتن سوريل Martin Sorrell، الذي بنى وكالة الإعلانات دابليو بي بي WPP في الثمانينيات بناء على «فكرة التليفزيون الكبيرة»، واليوم غمرتنا الإعلانات لمدة 24 ساعة و7 أيام أسبوعيا في حملات مختلفة مثل إعلانات: باد نايت Bud Knight وجيكو جيكو Geico gecko وفلو Flo.

ولكن الآن أصبحت الإعلانات أكثر تحديا بكثير مع ظهور «فريق المرعبين الخمسة» -كما يمكن أن نطلق عليهم-، ممن يمثلهم مواقع: فيسبوك Facebook، وجوجل Google، وأمازون Amazon، وعلي بابا Alibaba، وتنسينت Tencent، حيث يقول سوريل إننا دخلنا عصر «تخصيص الإعلانات الشخصية على نطاق واسع الآن بالفعل».

ويعرّف سوريل «الإعلان المخصص» بأنه: «محتوى إعلاني، ليس مثاليا ولا عشوائيا، مصمم حسب احتياجاتك ويتم إرساله لك في الوقت الذي تريده، عبر متابعة الاختيارات التي تستجيب لها».

وأنشأ سوريل شركة إعلانية رقمية بحتة تحمل اسم أس فور كابيتالS4 Capital، من أجل تطبيق الإستراتيجية الجديدة للإعلانات المخصصة، عبر متابعة طريقة ونمط استخدام الأفراد المختلفة.

على سبيل المثال، اكتشف موقع الفيسبوك أن الشخص العادي يقضي 1.7 ثانية تقريبا في مشاهدة منشورات النيوز فيد Newsfeed على الأجهزة المحمولة عن المنتجات المختلفة، لذلك استخدمت شركة أس فور كابيتال تلك المعلومات في إنشاء إعلانات مستحضرات تجميل للعلامة التجارية الشهيرة لوريال L’Oréal مدتها ثانية واحدة فقط، استجابة لنمط استخدام الجمهور.

وفي نفس الإطار، ساعدت شركة فور أس أيضًا منصة الأفلام والمسلسلات الإلكترونية نتفليكس Netflix في الترويج لمسلسلها الرئيسي «Narcos» عن طريق تقطيعه إلى مليون مقطع قصير مختلف. وقد يشاهد متصفحو موقع وول ستريت جورنال WSJ.com الإعلانات التي تشبه العرض السريع لعدد من الخدمات أو الأعمال، مثل إعلانات عن مواقع رياضية أو مواقع للياقة البدنية، حيث يقوم الكثير منها على فكرة تقسيم المقاطع ذاتها لفترات قصيرة جدا.

وعادة ما تقوم الإعلانات المخصصة على مجموعة مترابطة من الملاحظات، التي تدور في حلقة واحدة، وتتسبب طريقة تبنيها أو تكرارها في معرفة الميول والأفكار الشخصية لفرد ما بعينه.

ويصر سوريل على أن الحيلة، التي تتبعها تلك الإعلانات في قراءة أفكار المستخدم تتمثل فيما يسمى الثالوث المقدس، والمتمثل في تخصيص الاتصالات، واتباع بيانات المستخدم، والمحتوى الرقمي والبرامجي المفضل، وكلها تدور في حلقة مستمرة.

ويمكن أن نطلق على هذه العملية لفظ «البرمجة»، التي تعني الشراء التلقائي للإعلانات من على مواقع مختلفة، حيث يتم عرض المحتوى والإعلانات بناء على سجل التصفح الخاص بك، ومن ثم يتم تعقب كل ما تشاهده أو تنقر فوقه لتخصيص مجموعتك التالية من الإعلانات حتى -على الأقل من الناحية النظرية- يعرف البرنامج ما تريده بالضبط.

ورغم هذا، أنصحك بألا تقلق بعد كل ما قرأته، فهذه التكنولوجيا لا يزال أمامها طريق طويل لتصل إلى المثالية. فمعظم إعلانات الفيسبوك لا تزال «تعرج بشدة» في البدايات، كما يكره المستخدمون هذه الإعلانات، خاصة الإعلانات عن الأشياء التي بحثوا عنها مؤخرا، كما أن كثيرا منها يستمر في العرض، حتى بعد شراء المنتج المعلن عنه، فقد يتساءل المستخدمون عن سبب استمرار الإعلان عن قفازات حرارية مثلا حتى الآن رغم أنهم اشتروها بالفعل، وكل ذلك من عيوب تلك الإعلانات المخصصة.

ومع ذلك، فإن هذه الإعلانات تعمل بشكل جيد إلى حد ما، ويقدر سوريل أن 60% من إعلانات الفيسبوك هي من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وليس من العلامات التجارية الكبرى، التي ترى في تلك النوعية من الإعلانات شيئا من التبذير والإزعاج للمستخدمين.

أيضا، هذا هو السبب في أن التعليقات، التي يضعها المستخدمون على تلك المواقع تكون مهمة للغاية. فعلى سبيل المثال، يمكن للشركات المالية، مثل شركات بطاقات الائتمان التي تعرف ما يشتريه الأشخاص فعليًا، أن تلعب دورًا حيويًا في تعزيز إعلاناتها المخصصة. ولكن لسوء الحظ، هذا أيضًا يثير علامات استفهام كثيرة عند المدافعين عن حقوق الخصوصية، التي قد تنتهكها تلك الشركات بشكل أو بآخر.

ويعتقد سوريل أن عامل الخصوصية، خاصة في ضوء قوانين اللائحة العامة لحماية البيانات في أوروبا، والإصلاحات التي تم إجراؤها على مواقع التواصل الاجتماعي بعد الاختراق والتدخل في الانتخابات، يعني أن «جدران الحدائق المسورة قد ارتفعت إلى أعلى» -يقصد أن معايير الخصوصية في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أكثر تشددًا-، كما لا يشارك اللاعبون الكبار في الفضاء الإلكتروني الآن بياناتهم بنفس القدر كما كان الحال قديما.

ومن هذا المنطلق، فأفضل حل هو منح المستخدمين ملكية بيانات الاستخدام الخاصة بهم، مما يساعد على تحسين إشارات الأسعار للخدمات الرقمية. لكن في الوقت الحالي، تملكها المنصات الإلكترونية وتستفيد منها إعلانيا.

أيضا، لا يمكن أن نتغافل حقيقة إعلان أمازون بمفردها عن أكثر من 400 علامة تجارية ذات ماركات فرعية، وقد تعلن الشركة الواحدة مثلا عن 206 أنواع أحذية مختلفة، ومع قدرة أمازون الكبيرة على تخصيص الإعلانات وفق بيانات المستخدمين، فإن هذا الأمر يخيف العلامات التجارية الأخرى الكبرى، التي لا تملك السلاح الإعلاني ذاته. لذا وفي ظل هذه المؤشرات، يجب علينا أن نستعد من الآن لأكبر معركة إعلانية شهدتها العلامات التجارية على الإطلاق.

ويبلغ سوق الإعلانات الرقمية ما يقرب من 500 مليار، ويعتقد السيد سوريل أن جوجل تستحوذ على ما يصل إلى 150 مليار دولار منها، وفيسبوك 65 مليار دولار، وعلي بابا وتينسنت 60 مليار دولار وأمازون تقترب من نحو 16 مليار دولار، ومايكروسوفت تستحوذ على 7 مليارات دولار، والباقي موزع على عدة مواقع أخرى.

ومن بين الشركات، التي يتوقع لها المنافسة بضراوة أيضا على سوق الإعلانات الرقمية، ستكون شركة بايت دانس ByteDance، وهي الشركة الصينية، التي تملك تطبيق الفيديوهات تيك توك TikTok، ومع دخولها الساحة ستتحول حرب البيانات بالتأكيد إلى معركة ملحمية.

واعتبارًا من شهر نوفمبر الماضي، لم تعد شركة نايكي للملابس الرياضية Nike تبيع مباشرة على أمازون، حيث انضمت إلى العلامات التجارية: بريكنستوك Birkenstock ولوي فيتون Louis Vuittong ونورث فيس North Face وباتاجونيا Patagonia ورالف أند لورين Ralph and Lauren وروليكس Rolex وفانس Vans ممن يرغبون في امتلاك البيانات عبر منصاتهم الرقمية الخاصة.

وفي محاولة للتواصل مع العملاء مباشرة وجمع بياناتهم، قامت شركة نستلة نسبريسو Nestlé Nespresso ببناء منصة تجارية ضخمة تتعامل مع المستهلك مباشرة عبر توصيله بالمتاجر والتطبيقات التابعة لها، ودفعت لمقاهي ستاربكس Starbucks ما يصل إلى 7 مليارات دولار، لتولي عمليات بيع القهوة والكبسولات مباشرة لآلات نسبريسو.

أيضا، أصبحت خدمة البث المباشر من ديزني بلس Disney + تصل مباشرة للمستهلك دون وسيط، وذلك حتى تتمكن الشركة من امتلاك جميع بيانات عملائها.

وفي خطوة أكثر جنونًا، قامت شركة بروكتر أند جامبل Procter & Gambl، وهي الجهة التي تقدم كل منتجات العناية بداية من بامبرز Pampers إلى بانتين Pantene، ببناء قاعدة بيانات لأكثر من مليار مستهلك، أو ما يقرب من نصف جميع البالغين عبر الإنترنت، لتضع كل شيء تحت سيطرة العلامة التجارية نفسها وليس الوسيلة الإعلانية.

ومع تقدم تلك العملية، قد يبدو الإعلان المخصص كالزاحف نحونا بلا هوادة، لكنك بالنهاية كمستخدم ستعتاد على ذلك، كما قد يحسن هذا النوع من الإعلانات عملية بيع تريليونات من البضائع، ويعيد هيكلة شركات التكنولوجيا الكبيرة من خلال الأسواق المباشرة، بدلا من الجهات التنظيمية.

أخيرا، وأثناء اختتام هذا العمود، فاجأني هاتفي بإعلان يقول إنه يمكنني الآن الحصول على مشروب منعش. ولكن السؤال هو: كيف عرف أنني كنت سأفكر في ذلك فعلا؟.
المزيد من المقالات
x