قوانين اليورو المصرفية تمهد لدمج البنوك الأوروبية

رغبة في إنقاذ القطاع المتعثر

قوانين اليورو المصرفية تمهد لدمج البنوك الأوروبية

6 % متوسط عائد البنوك الأوروبية على حقوق المساهمين أي ما يقرب من نصف نظرائهم في الولايات المتحدة

«هدفنا دعم إعادة الهيكلة الفعالة للكيانات المدمجة بدلا من تثبيط همتها، مع ضمان استدامة نموذج الأعمال الناتج عن هذا الدمج».. أندريا إنريا- رئيس الذراع المصرفية للبنك المركزي الأوروبي


تعمل القوانين والتنظيمات المصرفية المرنة في القارة الأوروبية على تشجيع عمليات الدمج المصرفي الكبرى في منطقة اليورو، وذلك رغبة في إنقاذ القطاع المتعثر، حيث تكافح بنوك القارة العجوز لكسب المزيد من الأرباح، بعد معاناتها من معدلات منخفضة إلى حد كبير في السنوات الأخيرة.

وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف، تحاول الجهات الرقابية المصرفية الرئيسية في أوروبا تمهيد الطريق للاندماجات بين المقرضين في القارة، مع زيادة اعتقادهم بأن هذا الحل قد يكون مفتاح إنعاش القطاع المتعثر.

ويقوم «المنظم المصرفي» وهو ذراع البنك المركزي الأوروبي، الذي يغطي أكبر بنوك منطقة اليورو، بجعل الإجراءات أكثر ليونة لدعم الروابط المحتملة بين البنوك وبعضها البعض بشكل خاص.

ووفقًا لما يقوله المصرفيون والمشرفون والمحللون، فقد تناول بعض مسؤولي المنظم المصرفي الأوروبي قضية دمج البنوك علنًا في خطاباتهم الأخيرة للدفع نحو هذا الاتجاه.

وتمثل تلك الليونة المستحدثة في الإجراءات خروجًا للمنظم المصرفي الأوروبي عن موقفه القديم المتمثل في فرض شروط قاسية على عمليات الدمج.

ومؤخرا، أظهر البنك المركزي الأوروبي انفتاحه ومرونته في العمل على دمج اثنين من البنوك متوسطة الحجم الإسبانية، وهما: ليبر بنك إس إيهLiberbank SA ويونيكجا بانكو أس إيه Unicaja Banco SA.

وأثناء مناقشات عمليات الاندماج في العام الماضي، ووفقًا لأشخاص مطلعين على المحادثات، تمحورت المفاوضات مع الجهة المنظمة حول ما إذا كان يمكن جمع أي رأس مال إضافي من خلال الديون -مثل إصدار السندات أو الشهادات-، وليس من المساهمين.

أيضا، فالهيئة التنظيمية أصبحت أكثر انفتاحًا فيما يخص إعطاء بعض الوقت للتآزر والبدء في عملية الدمج. على سبيل المثال، أصبح قبول رأس مال عازل أصغر، وفقًا لأحد الأشخاص المطلعين على الأمر.

ورأس المال العازل هو رأس المال الإلزامي، الذي يتعين على المؤسسات المالية الراغبة في الاندماج الاحتفاظ به، بالإضافة إلى الحد الأدنى من متطلبات رأس المال الأخرى، خلال تلك الفترة.

ويأتي تخفيف سياسات الدمج المصرفية في أوروبا، في الوقت الذي يكافح فيه القطاع المصرفي المجزأ في منطقة اليورو لكسب المال.

ولا تزال أسعار الفائدة المنخفضة، التي نتجت عن السياسات النقدية للبنك المركزي الأوروبي، تبتلع هوامش البنوك على القروض، وتضر بربحيتها، وتجعلها غير جذابة إلى حد كبير للمستثمرين.

ولطالما وصفت عمليات الاندماج بأنها «غير محتملة» كحل للمشاكل المصرفية في المنطقة، وكان أحد الأسباب المنطقية لرفض المقرضين الأوروبيين الأكبر حجمًا لفكرة الدمج قديما، هو شعورهم الدائم بأنهم بحاجة إلى مقياس للتنافس مع المنافسين الأمريكيين، الذين تفوقوا في أدائهم منذ الأزمة المالية العالمية.

ويبلغ متوسط عائد البنوك الأوروبية على حقوق المساهمين حوالي 6%، أي ما يقرب من نصف نظرائهم في الولايات المتحدة.

ويقول جيروم ليجراس Jérôme Legras، رئيس الأبحاث في مؤسسة أكسيوم للاستثمارات البديلة Axiom Alternative Investments: «في قرارة نفسه، يدرك البنك المركزي الأوروبي أن بيئة أسعار الفائدة السلبية تؤثر على ربحية البنوك، وأنه يتوجب عليه أن يفعل شيئًا حيال ذلك».

ولا شك أن قدرة البنك المركزي الأوروبي على تعزيز عقد الصفقات في القطاع المصرفي الأوروبي تعتمد على رغبة البنوك نفسها في توحيد قواها. ومن الناحية التاريخية، أثبتت تلك الوحدة في بعض الأحيان أنها تمثل تحديًا كبيرًا، بسبب الخلافات بين الشركات حول تشكيل مجلس الإدارة والقيادة التنفيذية وهيكل المساهمين في البنك المدمج المقترح.

ويتشكك بعض المصرفيين أيضًا في مدى استعداد البنك المركزي الأوروبي للتحلي بالمرونة اللازمة لتنفيذ عمليات الدمج المقترحة، وما إذا كان ذلك سيكون كافيا لتحفيز عمليات الاندماجات بصورة أكبر في المستقبل.

ويقول مسؤول رسمي في بنك أوروبي كبير -لم يذكر اسمه-: «في حين أنه من الصحيح أن المسؤولين في البنك المركزي الأوروبي يتطلعون إلى أن يكون البنك مفيدًا للمناخ المصرفي في أوروبا بوجه عام، إلا أنه في نهاية المطاف لا يمكن القول إلا أنهم مجرد مشرفين على القطاع في القارة، والمشرفون بطبيعتهم يكرهون المخاطرة».

ووفقا لما يؤكده المحللون، يمكن أن يثبت إجراء المزيد من الانفتاح على عمليات الاندماج بين البنوك الأوروبية، أنه يشكل تغييرًا حقيقيًا في قواعد اللعبة بالنسبة للنظام المصرفي الأوروبي، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى العديد من عمليات الاندماج متوسطة الحجم مستقبلا، لا سيما في الأسواق المحلية ذات الحجم الكبير، التي تحتاج بشدة إلى مثل هذه الحلول.

وعلى سبيل المثال، نجد أن ألمانيا بمفردها لديها أكثر من 1500 بنك، وهو أكبر عدد موجود في القارة الأوروبية، تليها إيطاليا بأكثر من 500 مصرف، و400 في فرنسا و200 في إسبانيا.

وخلال السنوات الأخيرة، نوقشت عمليات الاندماج الكبرى بين بعض أكبر البنوك في منطقة اليورو، وأبرزها المحادثات التي تمت بين المصرفين الألمانيين دويتشه بنك إيه جي Deutsche Bank AG، وكومرزبانك إيه جي Commerzbank AG، التي انهارت بسبب مشكلتين رئيسيتين، هما: ارتفاع تكلفة الاندماج، وتعقيد العملية نفسها.

وفي هذا الصدد، قال فيليبو ألواتي Filippo Alloatti، المحلل في شركة هيرميس لإدارة الاستثمارات Hermes Investment Management: «أعتقد بالتأكيد أن مزيدا من عمليات الاندماج بين البنوك الأوروبية ستحدث، وعلى الأرجح سيكون ذلك حتى نهاية النصف الثاني من هذا العام».

وأوضح ألواتي أن هناك العديد من العقبات الأخرى، التي قد تواجه عمليات الدمج، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر: التكاليف المرتفعة للرقمنة، بالإضافة إلى البيئة منخفضة السعر، حيث تفرضان الكثير من الضغوط على البنوك، مما يجبر البنك المركزي الأوروبي على اتخاذ تصرف حاسم نحوهما.

ويعد المفتاح الرئيس لمرونة الهيئة التنظيمية هو الاستعداد لتخفيف متطلبات رأس المال لأي كيان مدمج، الأمر الذي أدى إلى توقف الاندماج بين البنوك، قديما لأن القليل منها كان على استعداد لمطالبة المساهمين بتخصيص المزيد من الأموال لإتمام تلك العملية.

وفي الماضي، اتخذ البنك المركزي الأوروبي موقفًا صارمًا بشأن هذه المسألة. ففي عام 2016، وبعد عامين من إنشاء ذراع الرقابة المصرفية في البنك المركزي الأوروبي، فرض البنك شروطًا قاسية لدمج اثنين من البنوك الإيطالية متوسطة الحجم، وهما: بانكو بوبولاري إس سي Banco Popolare SC، وبانكا بوبولاري دي ميلانو سكارل Banca Popolare di Milano Scarl.

وطلب البنك من المصرفين الراغبين في الاندماج شروطا صعبة تتمثل في: تقليص حجم مجالس إدارتهم، وإجراء شطب إضافي للقروض المعدومة، وجمع مليار يورو من رأس المال الجديد.

ووصف مديرو كلا المصرفين الطلبات بأنها «مبالغ فيها» وعارضوها لمدة أسابيع. لكن في النهاية استسلموا.

وقال الرئيس التنفيذي لمصرف بانكو بوبولاري فرانشيسكو سافيوتي Banco Popolare Pier Francesco Saviotti، في ذلك الوقت: «في مواجهة موقف البنك المركزي الأوروبي المتشدد الذي لم يترك لنا أي بدائل، قررنا تلبية متطلبات المنظم المصرفي الأوروبي».

ومنذ ذلك الحين وبعد تلك الواقعة بالتحديد، تم الحد من نشاط الاندماج الكبير بين البنوك الأوروبية، حيث أشار العديد من المصرفيين في القارة العجوز إلى العقبات التي فرضتها الجهة المنظمة.

وفي الآونة الأخيرة، وعلى الرغم من أن البنك المركزي الأوروبي أصبح يستخدم لهجة أكثر اعتدالا. قال أندريا إنريا Andrea Enria، رئيس الذراع المصرفية للبنك المركزي الأوروبي، في شهر نوفمبر الماضي: «أود أن أبدد الصورة الذهنية الخاطئة، التي تصور أن البنك المركزي الأوروبي يطلب مستويات أعلى من رأس المال من الكيانات المدمجة»، وهو ما يتحول بالنهاية إلى شروط صعبة ومعقدة.

وأضاف إنريا: «هدفنا هو دعم إعادة الهيكلة الفعالة للكيانات المدمجة، بدلا من تثبيط همتها، مع ضمان استدامة نموذج الأعمال الناتج عن هذا الدمج».

وفي خطاب آخر ألقاه إيف ميرش Yves Mersch، وهو مسؤول كبير آخر في البنك المركزي الأوروبي، شهر نوفمبر الماضي أيضا، أوضح أن المنظم المصرفي الأوروبي يمكن أن يعيد النظر في معايير التقييم الخاصة بالاندماجات، بما في ذلك معالجة مستويات القروض المعدومة للبنك الجديد المشترك.

واختتم: «بوصفنا مشرفين في البنك المركزي الأوروبي، فإننا نكثف من تدقيقنا في شروط الكيانات المدمجة، على الأقل في بداية اندماجهم، حيث ندرك تحديات المخاطر التشغيلية الناجمة عن دمج الهياكل المصرفية المعقدة، فهذه العملية لا ينبغي أن تؤدي إلى ظهور حالة من الحساب المزدوج، التي تنتج عن حساب المعاملة لأكثر من مرة، مهما كان السبب».
المزيد من المقالات
x