مؤتمر برلين صفعة قوية لتركيا وقطر

وكيل الخارجية الليبية السابق سعيد رشوان:

مؤتمر برلين صفعة قوية لتركيا وقطر

الاثنين ٢٧ / ٠١ / ٢٠٢٠
قال وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق سعيد رشوان: إن مؤتمر برلين الذي عقد قبل أيام في العاصمة الألمانية وجه صفعة قوية لتركيا وقطر، إذ وبخ أردوغان من قادة مشاركين بالمؤتمر، لإصراره على الدفع بمرتزقة إلى العاصمة طرابلس، واصفا الرئيس التركي بأنه زعيم عصابة من المجرمين والإرهابيين يحركهم وفقا لمصالحه. وأكد أن أمير قطر تميم يشعر بحسرة كبيرة لضياع مليارات الدولارات التي أنفقها لتمويل الإرهاب في ليبيا، ثم استبعد من المؤتمر ذاته. وأشاد رشوان في حديثه لـ«اليوم» بدور المملكة ومصر والإمارات والأردن في دعم الجيش الوطني الليبي، لتطهير بلاده من خطر الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة، مطالبا البرلمان الليبي باستعادة تماسكه والاستعداد لتشكيل حكومة وطنية خلال المرحلة القادمة. وشدد على ضرورة أن يمثل البرلمان الشعب الليبي في الجامعة العربية وكافة الجهات الرسمية العالمية، بعدما فقدت حكومة الوفاق شرعيتها المحلية والدولية.. فإلى وقائع الحوار.

كيف تقيم نتائج مؤتمر برلين الأخير؟


ما قيل تحت الطاولة في برلين يختلف عما قيل فوقها، والأهم أن الأتراك وجدوا أنفسهم في عزلة.

وبدأ أردوغان في التراجع عن خطاباته السابقة الرعناء المتعجرفة التي كان يعلن فيها بتبجح مصراً على التدخل العسكري في شؤون ليبيا، وفقا لاتفاقه المشبوه مع فايز السراج رئيس حكومة الوفاق غير الشرعية، وهذه تغيرات فرضتها المواقف الدولية في المؤتمر، حيث حملت بنوده رسائل واضحة مثلت صفعات قوية لأنقرة كي تتوقف عن دورها التآمري ضد الليبيين.

أيضا تلقت قطر هي الأخرى صفعة قوية، باستبعادها من مؤتمر العاصمة الألمانية بعد فشل حليفها أردوغان في إقناع المجتمع الدولي بأهمية حضورها؛ ما أصاب نظام تميم بخيبة أمل، وأمير قطر بالواقع أصيب بالإحباط لعدم جني الفائدة التي كان يتوقعها من إنفاقه مليارات الدولارات على الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي يتولى تدريب عناصرها المأجورة النظام التركي.

كيف تلقت الأوساط الشعبية الليبية النتائج؟

على الرغم من أن مؤتمر برلين لم يحقق طموحات الليبيين، لكنه وجه ضربات قوية موجعة لرعاة الإرهاب، خصوصا أنقرة والدوحة اللتين تعدان من أبرز ممولي الميليشيات المسلحة.

وبات على قطر أن تدرك حجمها الضئيل، إذ إن أقصى ما يمكن أن تفعله هو إهدار أموال الشعب القطري في تضخيم دور الجماعات الإرهابية بالمنطقة لإشعال الأزمات وتوسيع رقعة الدمار، فليبيا من بين الدول المستهدفة للوقوع في مستنقع الفوضى.

وخلال المؤتمر تعرض الرئيس التركي لانتقادات حادة، إذ طالبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صراحة بالكف عن إرسال «المرتزقة» إلى ليبيا.

وتصر تركيا على تحويل ليبيا إلى دولة فاشلة، ومن ثم يسهل التوغل والتغول في مفاصلها خاصة أنها تعد منجما ثمينا للثروات الطبيعية، وبوابة اقتصادية مهمة لأفريقيا، وفي حال حصلت أنقرة على حصة كبيرة في رقعة المعارك، تضمن أن تكون لها كلمة فصل في أي نتيجة مهما كانت التداعيات.

ومن أهم النتائج الإيجابية لقمة برلين، هي اتفاق المشاركين على ضرورة احترام حظر السلاح وتحسين مراقبته في المستقبل، ولم يذكر البيان أية إشارة لحكومة الوفاق لا من بعيد ولا من قريب، وهذا يعني أنه تم دفنها سياسياً على الصعيد الدولي، ولم يعد لها أي أهمية وأصبحت فقط طرفا في النزاع، إذ إنها ليست حكومة تمثل كافة الليبيين كما كان يشار إليها سابقاً في كل اللقاءات والمناسبات السياسية، وهذا يعني أن مؤتمر الصخيرات وما نتج عنه تبخر ولم يعد موجودا إلا على الورق.



هل خرج المؤتمر بما كان يأمله الليبيون لقضيتهم؟

الليبيون كانوا ينتظرون أن يكون لهم دور في المؤتمر، إذ يجب أن يشاركوا في أي اتفاق وطني يخص أزمتهم.

المشكلة هي أن ليبيا تعاني من مشاكل أمنية كبيرة بسبب المجموعات الإرهابية التي تم الدفع بها عن طريق نظام الرئيس التركي أردوغان، إضافة إلى الكميات الهائلة من الأسلحة والذخائر المتطورة التي وصلت لعناصر هذه الميليشيات والجماعات الإرهابية.

وينظر الليبيون إلى مؤتمر برلين أو غيره من المؤتمرات أو الاجتماعات التي تختص بأزمتهم، إلى دورها في ضرورة تفكيك هذه الميليشيات، ومنع تدفق الأسلحة للإرهابيين في العاصمة طرابلس.

وبعد تحجيم الدور التركي في برلين فقدت هذه المجموعات الإرهابية سندها الذي يمولها بالمال ويقوي شوكتها في التصدي للجيش الوطني الليبي الذي يخوض معركة شرسة للتصدي لخطر الإرهابيين، كما أن هناك إرادة شعبية من الليبيين بعدم السماح لتركيا بالتدخل في شؤونهم، وإذا استمر الضغط على هذه الجماعات سوف تسلم السلاح طوعا، ثم تتمركز قوات الجيش لتفرض سيطرتها، ثم تعطي للشرطة وأجهزة الأمن دورها في السيطرة على الوضع الأمني الداخلي وتطبيق القانون على الجميع، مع استيعاب الشباب الذين ليس لهم أيديولوجية للعودة للانخراط في الحياة الاجتماعية.

وماذا عن تأثير وقف إطلاق النار على استعادة الجيش الليبي قبضته على طرابلس؟

وقف إطلاق النار لا يعني إعطاء فرصة ليستغلها طرف لتعزيز قدراته العسكرية على الأرض.

يجب أن تكون مراقبة فاعلة وشاملة ومستمرة، وتشمل كافة الإمدادات البشرية والمعدات العسكرية ويبقى الحال كما عليه لحظة اتخاذ قرار إيقاف إطلاق النار من الطرفين، لكن للأسف هناك إمدادات ونقل للمرتزقة والمتطرفين لأرض المعركة، بالإضافة إلى زيادة القدرات العسكرية «معدات والطيران المسير وبناء قواعد عسكرية ومنصات منظومات دفاع جوي ومنصات صواريخ -من طرف الأتراك-»، وهذا لا يسمي وقف إطلاق نار، بل الغاية منه إعطاء فرصة للميليشيات لتقوية موقفها علي الأرض.

ماذا عن دور الجيش؟

الجيش الليبي يسعى لتفكيك الجماعات الإرهابية وإنهاء دورها بعد نزع السلاح منها، ويكون الجيش أدى واجبه كاملا وحقق الهدف الأساسي من المعركة، ثم يبدأ العمل السياسي بعيدا عن القوة والإقصاء، وبدون شك نجح الجيش عسكريا ودبلوماسياً بينما حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج خسرت كل شيء.

والجيش الليبي رغم قلة الموارد المالية، إلا أنه حاز على ثقة المجتمع الدولي والدول الكبرى في المنطقة.

أما «الوفاق» فرغم الإمكانيات واحتكارها الموارد المالية والسفارات في الخارج والمندوبين بالمنظمات الدولية المهمة (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية)، والتهليل لها من عدد ضخم من القنوات الفضائية وطوابير من الإعلاميين الذين يحرضون على الكراهية والانتقام والإقصاء، لكنها ورغم ذلك أخفقت سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، وخسرت الجميع ولم يبق لها إلا تركيا التي هي الأخرى فقدت علاقاتها بالدول المجاورة، بعد ثبوت ارتباطها بالجماعات الإرهابية؛ حيث أمنت وصول المرتزقة إلى طرابلس ومصراتة في تحد وبلطجة أمام الرفض الدولي لهذه الخروقات، فخسرت الوفاق وخسرت معها تركيا.

هل خرق الميليشيات الهدنة سيدفع الجيش الليبي للاستمرار في معركته؟

الجيش ملتزم بوقف إطلاق النار، لأن له قيادة عسكرية تتخذ القرارات وجنود تنفذها، بينما قرار الميليشيات ليس بيد شخص واحد، ما يؤدي إلى اختلافات، وما أخشاه أن تستغل الجماعات الإرهابية فترة توقف العمليات العسكرية لإعادة تجهيز نفسها والتزود بالمعدات والأسلحة، وبعد أن ترتب صفوفها تعيد تموضعها وتعيد نفس سيناريو التصدي للجيش الوطني الليبي الذي قطع خطوات مهمة لاستعادة السيطرة على طرابلس.

ما مدى استعداد البرلمان الليبي لتشكيل حكومة وحدة وطنية بديلة لحكومة الوفاق؟

على البرلمان الليبي استعادة تماسكه، ليكون مستعدا لتشكيل حكومة وطنية خلال المرحلة المقبلة، إذ لم يعد لاتفاق الصخيرات مرجعية، بعدما لم يشر مؤتمر برلين إلى الصخيرات أو لحكومة الوفاق.

والبرلمان يحتاج إلى إعادة ترتيب صفوفه ليؤدي دورا أكثر تأثيرا في الحياة السياسية، لأنه الكيان الوحيد المنتخب بإرادة أبناء الشعب الليبي.

* ما رأيك في الدور العربي في الأزمة الليبية؟

للأسف الشديد هناك غموض في مواقف عدد كبير من الدول العربية إزاء الأزمة الليبية، باستثناء مواقف «المملكة ومصر والإمارات والأردن»، إذ اتسمت مواقف الدول الأربع بالوضوح في إعلان تأييدهم للجيش الوطني الليبي لاستعادة السيطرة على كامل التراب الليبي، وضرورة إنهاء دور الجماعات الإرهابية ورفض تدخل قوى إقليمية مثل تركيا في الشؤون الليبية.

ونأمل من دول تؤثر على قرارها جماعة الإخوان الإرهابية أن تكون بنفس وضوح الرباعي العربي.

كيف يمكن التصدي لاستمرار أردوغان في إرسال مرتزقة إلى طرابلس؟

أردوغان زعيم عصابة يحرك الجماعات الإرهابية في المنطقة، وعلى الرغم من المواقف الرسمية التي يؤكد فيها أنه لم يرسل أي دعم عسكري إلى الميليشيات الإرهابية لحكومة الوفاق، لكنه سرا يعد الداعم والممول الأول لهذه الجماعات مع النظام القطري.

وهناك وقائع وأدلة عدة كشفتها جهات دولية وأعلنتها في تقارير رسمية عن زج النظام التركي بمرتزقة في الحرب بليبيا، إضافة إلى تهريب الأسلحة والمدرعات والطائرات المسيرة لهذه الميليشيات من أجل التصدي للجيش الوطني الليبي.

هنالك تصريحات لفايز السراج أعلن فيها ترحيبه بأي تدخل أجنبي ضد الجيش الليبي؟

السراج لا ينطق إلا بما يملى عليه من الميليشيات التي تسيطر عليه والتي تمنحه الأوامر، هو رجل بلا تاريخ سياسي أو وطني، جاء بقرار من الأمم المتحدة، لكنه لم يفهم قواعد اللعبة السياسية، فليس من المعقول أن يعلن مسؤول عن ترحيبه باستقباله مرتزقة، هو كان يملك تأييدا دوليا، لكنه أضاعه بسلوكه.

والمجتمع الدولي في برلين أسقط شرعية السراج بعد التأكد من العلاقة المشبوهة لحكومته مع الجماعات الإرهابية، إضافة لإبرامه اتفاقا غير قانوني مع الرئيس التركي يسهل مهمة الأخير بالتدخل العسكري في ليبيا، وهي جريمة لا يمكن أن تغفر له، بقبوله تدخل دولة أجنبية في شؤون بلاده.

المطالب بوقف إنتاج النفط هل تعتبر خطوة إيجابية أم سلبية للقضية؟

أراها خطوة ضرورية، على الرغم من تأخرها، بعدما احتكرت الميليشيات المدعومة من حكومة الوفاق خيرات أبناء الشعب الليبي، وتم نهبها وسرقتها وتحويلها إلى الخارج عبر حسابات سرية.

وتأكد الليبيون أن أموال النفط التي تقدر بالمليارات، تذهب لحكومة السراج، والحراك الشعبي قادر على إيقاف نزف ثروات البلاد التي تهرب لأردوغان.

ما دور القبائل الليبية في التصدي للتآمر الخارجي؟

القبائل الليبية من الشرق والجنوب والغرب، حتى قبائل المدن التي تقع تحت سلطة الميليشيات، رفضت التدخل العسكري التركي، ونددت بأي محاولة من أي دولة أجنبية لفرض وصايتها على ليبيا، ما يؤكد أن جميع أبناء الشعب الليبي على قلب رجل واحد، وخلف قيادة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، والقبائل أعلنت دعمها الكامل للجيش ودفعت بأبنائها إلى صفوفه.

كيف تنظرون إلى مواقف السعودية ورفضها التدخلات الخارجية في الشأن الليبي؟

المملكة تقدم دعما كبيرا للقضية الليبية، وساندت الجيش الوطني والبرلمان الليبي.

واستقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح أكثر من مرة.

والرياض تعلن دائما في جميع المحافل الدولية رفضها لأي تدخل أجنبي في ليبيا، كان آخرها كلمة مندوب المملكة الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالله المعلمي الذي شدد على حرص السعودية على سيادة ليبيا ورفض أي دور خارجي.

وماذا عن موقف جامعة الدول العربية؟

للأسف في الاجتماع الأخير للجامعة لمناقشة التهديدات العسكرية التركية، جلس على مقعد ممثل ليبيا شخص يمثل حكومة الوفاق غير المعترف بها شعبيا، والتي فقدت شرعيتها الدولية.

ويجب على الجامعة أن تثبت من خلال مواقف قوية رفضها للاعتداء على السيادة الليبية، واحترام خيارات الليبيين في اختيار من يمثلهم، والبرلمان الليبي يمكنه خلال هذه المرحلة الانتقالية أن يمثل الليبيين في كافة المحافل الدولية، بوصفه الكيان الرسمي الوحيد المنتخب بإرادة الليبيين من دون إملاءات خارجية، كما حدث لحكومة الوفاق التي جاءت عبر اختيار غير موفق للأمم المتحدة.
المزيد من المقالات
x