«الطينية».. هوية الأحساء تتحول إلى ركام

«الطينية».. هوية الأحساء تتحول إلى ركام

الجمعة ١٧ / ٠١ / ٢٠٢٠
فيما تحتوي الأحياء التاريخية في محافظة الأحساء على عدد كبير من مباني المنازل الطينية التي حفظت التراث العمراني لعقود، تحول جزء منها إلى ركام وأنقاض تهاوت مع الزمن، في حين التزمت فيه الجهات المعنية ذات العلاقة الصمت حول مصيرها.

في غضون ذلك، شدد مختصون ومهتمون في التراث على عدم المساس بتلك المباني والمنازل الطينية أو إزالتها، نظير ما تحمله من تراث وتاريخ عميق، إذ تختزن بداخلها تكوينات متنوعة من النقوش الفنية، مطالبين بالحفاظ عليها وترميمها وإحيائها من جديد، بينما دعا آخرون إلى إزالتها بسبب ما يثار حولها من مخاوف باعتبارها متهالكة وأخرى آيلة للسقوط، وتحول بعضها إلى مستودع للنفايات وأوكار للكلاب الضالة.

وتصدر المشهد، وسط الهفوف التاريخي وما يشمله من أحياء أثرية قديمة، مثل: الكوت والنعاثل والرفعة والمزروعية، إضافة إلى وسط مدينة المبرز القديمة، مبانٍ تشملها من أحياء وفرجان قديمة كالسياسب، المجابل، والشعبة.

خطر على الحياة البيئية

اعتبر باحث الآثار ومدير الهيئة العامة للسياحة والتراث العمراني بالأحساء سابقا خالد الفريدة، المنازل الطينية القديمة خطرا ليس فقط على الناس بل على الأمن العام والحياة البيئية، لكونها ملاذا للمتطرفين وتكاثر القوارض والحيوانات السائبة والحشرات والتي تضر الحي والأماكن القريبة منه.

دخل اقتصادي

وقال الفريدة: «الحلول لا تكمن بإزالة هذه المباني؛ فهي تمثل دخلا اقتصاديا هاما للمنطقة إذا تم استغلالها وتطويرها والعناية بها بشكل تراثي وسياحي، وخصوصا بعد فتح المجال للسياح بالتأشيرة السياحية، فسيكون هنالك جذب للمكان وإقبال؛ بسبب حُب بعض السياح للحياة الشرقية والريفية منها، وخاصة ما يتعلق بالتاريخ مثل تلك المنازل القديمة الطينية».

وأضاف: «تعد البيوت القديمة سبيلا جميلا لدخل المواطن مالك البيت القديم، فهو عندما ينتقل لمنزل جديد سيكون البيت القديم عبئا ومن الصعب الحفاظ عليه، ومجرد عرضه للاستثمار سيوفر دخلا جيدا للمواطن سواءً كنُزل أو كمطعم شعبي أو حتى كقاعة للمناسبات الفنية والتشكيلية، وحينها ستتحول من مبان متهالكة لمبان ذات مرجع اقتصادي كبير».

سور شائك

وشدد الفريدة على أن فكرة إزالة المباني فكرة سيئة؛ لكونها ستولد مشكلات أخرى كالحدود والأبعاد لهذه المنازل وأصحابها، مقترحا وضع سور شائك حول المنطقة يمنع الدخول لها، حتى تتكون لجنة مهتمة تحت إدارة المحافظة والجهات الحكومية ذات الاختصاص، وتقوم برصد وتوثيق ودراسة هذه المباني التاريخية بأبعادها ومن تقديم الصالح منها.

إرث ضائع منذ مئات السنين

ذكر المرشد السياحي والمهتم بالآثار عبدالعزيز العمير، أن ترك المباني التراثية القديمة متهالكة يعتبر خطرا كبيرا يهدد حياة السكان حوله، والحل ليس في هدم تلك المباني وإضاعة إرث كبير موجود منذ مئات السنين.

وقال العمير: إن «السير في طرق الحواري القديمة أشبه بالسير في متحف يحوي جميع الجماليات والفنون الهندسية للمباني، لذا من المفترض فرض خطط تنفيذية تقوم بها الجهات المعنية بإيجاد حلول عاجلة لتحويل تلك الأحياء إلى متحف مفتوح بدلا من تركها وتهالكها».

شواهد على الحضارة والأنسنة

وصف عضو بلدي الأحساء سابقا علي السلطان، المباني التراثية القديمة بأنها أحد الشواهد الأساسية على حياة أهل محافظة الأحساء، وتمثل حقبة تاريخية تطورت فيها أساليب البناء وأبدعت فيها أيدي المهرة، والتي ظهرت في الزخارف الجصية والأقواس والأعمدة؛ «ولذلك لابد من الحفاظ على ما بقي من إنسان المنطقة».

ودعا السلطان أمانة الأحساء ممثلة في مكتب التراث العالمي لعقد ندوة يشارك فيها مسؤولون من المجلس الدولي للآثار والمواقع (إيكوموس) أو «ICOMOS» وجمعيات التراث والمعنيين لوضع خطة واضحة وشاملة بحضور ومشاركة المباني المصنفة ضمن المنطقة التاريخية لرفع حالة الوعي وتقديم المقترحات والاستماع للملاحظات، وضرورة النظر في حالة كل المنازل بشكل عاجل، خصوصا ما يهدد المارة؛ خوفًا من سقوطها مع اتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها وفق الضوابط والقوانين.

قائمة محيرة بين النظام والقيمة التاريخية

ذهب الاختصاصي في التراث جعفر السلطان، إلى وجود حيرة قائمة في المباني الطينية التي تهالك بعضها وظل آخر مكبا للنفايات وخطرا يهدد الأحياء الواقعة فيها، بين النظام ومراعاة القيمة التاريخية وعدم هدمها أو إزالتها، وبين ما تمثله من خطورة قائمة على الساكنين، في حين تجهل الجهات المعنية ملاك تلك المباني والتي تعود أعمارها إلى مئات السنين.

وقال السلطان: «اقترح استحداث لجنة تشرف عليها وزارة الثقافة، لحصر تلك المباني والبحث عن ملاكها عن طريق العارفين من الأسر والإعلان عن ذلك ليصل إلى المجتمع، حتى يتم الاستفادة منها في تحويلها إلى مبانٍ ذات قيمة».

الاحتفاظ بالأجزاء المعمارية وترميمها

ترى الباحثة في تاريخ الأحساء نورة الجعفري أنه من الجميل الاحتفاظ بالجزء المعماري من المباني، مثل بيوت الكوت قد تم ترميم واحد منها وجعله فندقا.

وقالت الجعفري: «أما بقية المنازل التي يصل عمرها لفوق 60 سنة فهي تشوهٌ بصري وغير حضاري؛ ذلك يعود لسكن عمالة فيها وربما أصبحت غير صالحة للسكن تركوها وأصبحت مرمى للنفايات، والمنازل الأخري متهالكة وأصحابها غير متواجدين بالبلد وكلها خطر كامن، والحل هو إزالة غير الصالح منها وتحويلها لمناطق تجارية واستغلال الصالح منها بصنع متاحف ومقاهٍ شعبية فيها».

مصدر لسرقات المخزون التراثي

ذهب آخرون إلى أن المباني القديمة والتراثية أصبحت مصدرا لسرقات المخزون التراثي منها، فلصوص الآثار راجت سلعتهم في بيع الأبواب القديمة والنوافذ الأثرية والتي قد تباع بأثمان باهظة، في حين يعتقد تجار تلك السلع بأن أخذهم المتروكات التراثية من تلك المباني ليس سرقة، بل هي منازل خربة ومكب للنفايات ومهملة من أصحابها منذ عشرات السنين.

وقال اختصاصي مباني التراث سعيد جبران: إن المباني القديمة التي تهالك كثير منها وظل بعضها مهددا من الانهيار، تحتوي على كنز ثري وقديم لثقافة البناء القديمة، والتي غفل عن دراستها المختصون وربما أهملها الكثير حتى تحولت لمكب للنفايات ومشوهة للمنظر العام، فالبناء الشعبي القديم (الحساوي) يعتمد على الطين وجذوع النخل و(الشندل) والذي يأخذ طابعا فريدا من نوعه في أسلوب معماري جميل، يظهر من خلال الأقواس والقباب والزخارف الأحسائية، والسقف المكون من الشندل والبواري والباسكيل أو من جذوع النخل والأسل وقلم العقربان، والحصر، وكذلك المداد الأحسائي المصنوعة من الأسل، ليتم تغطيتها بالطين، وفيها فنون هندسية تقليدية قديمة، مثل عمل (مليط) السطوح لتكون انسيابية بحيث لا تسمح ببقاء الماء حتى لا يدخل من الشقوق ويؤدي إلى سقوطها.

«الأمانة»: حصر ومعالجة «الآيلة»

أوضح لـ«اليوم» المتحدث الرسمي لأمانة الأحساء خالد بووشل، أن الأمانة تعمل ووفق برامجها وخططها الخدمية وبشكل مستمر على حصر ومعالجة الجوانب المتعلقة بالمباني الآيلة للسقوط عن طريق لجنة مخصصة لذلك تضم في عضويتها أعضاء من (المحافظة، الأمانة، مديرية الشرطة، إدارة الدفاع المدني)، وتُباشر اللجنة أعمالها من خلال عدد من الضوابط والتعليمات وفق خطوات تشمل الرصد، ويتم من خلالها رصد المباني الآيلة للسقوط عن طريق بلاغات الأفراد أو إدارة الدفاع المدني أو الجولات الميدانية لأفراد اللجنة المشكلة، أو التقرير الفني ويتم من خلاله معاينة العقار وتحرير تقرير فني لتصنيف المبنى، التصوير الفوتوغرافي للمبنى، إشعار مالك العقار بالتقرير الفني والتوصيات التي تضمنها، ويكون ذلك باستدعاء المالك شخصياً وفي كثير من الحالات تتم الاستعانة بعمدة الحي للتعرف على مالك العقار، مع أهمية الأخذ في الاعتبار التأكد من القيمة التاريخية والمعمارية للمباني الآيلة للسقوط بالتنسيق مع الهيئة العامة للسياحة والآثار، انطلاقاً من الحفاظ على التراث وهوية المنطقة.

عوائق وتحديات

وحول وجود عوائق تقف أمام إزالة تلك المباني اللآيلة للسقوط، ذكر بووشل: «أن العوائق تتمثل في عدة جوانب من أبرزها وجود مواقع كثيرة من المناطق القديمة مهجورة، الأمر الذي يعيق التعرف على أصحاب المباني والتنسيق معهم حسبما تتطلبه لائحة إزالة المباني الآيلة للسقوط الصادرة من وزارة الداخلية، وضيق الطرق المؤدية لتلك المباني بحيث لا تتمكن الآليات والمعدات من المرور خلالها ما يتطلب جهداً مضاعفاً، ووجود الجدران المشتركة بين المباني القديمة المتجاورة؛ ولذلك لابد من أخذ الاحتياطات والمحافظة على المبنى المجاور من الضرر عند نزع أو إزالة الأجزاء المتداخلة والمشتركة مثل الأسقف الخشبية، إضافةً إلى أن عددا كبيرا من المباني الآيلة للسقوط صكوكها قديمة وليس بها أبعاد دقيقة ولا حدود معروفة، حيث كانت قديما تقاس بالذراع ما يستلزم حفظ الملكية عن طريق حث أصحابها على تعديل وتحديث صكوكها (تعديل حدود وأبعاد) لدى كتابة العدل وذلك يستلزم جهداً كبيراً لتجاوب أصحابها، كما أن عديدا منهم متوفون ولا يوجد تجاوب من الورثة».

ودعا بووشل كافة أهالي وملاك المباني التاريخية والتراثية في الأحساء للعناية بها وعدم إهمالها، مؤكدا، أن كل مواطن يتمنى المحافظة على التراث وأصالته مهما كان حجمه، ومن واقع مسؤوليات الأمانة الحفاظ على أرواح المجتمع، ونحن نناشد الجميع بأهمية عدم إهمال المباني التاريخية والطينية في أوساط المدن، سواء في الهفوف أو المبرز أو العيون أو غيرها من المدن أو القرى أن يحافظ عليه.

انتقال اختصاص «التراثية» لـ«الثقافة»

دعا الكثير من مهتمي وباحثي الآثار السير لتطوير المباني التراثية، والتي ينتظرونها من وزارة الثقافة بعد انتقال اختصاص المباني الأثرية والتراثية إليها.

وأكدوا أن الاهتمام بالتراث العمراني هو جزء من الاهتمام بالبعد الحضاري الكبير للمملكة العربية السعودية الذي يشمل التراث العمراني في أحد جوانبه المرئية والملموسة، ووجود التجربة المعاشة لمواقع التراث العمراني هي أبلغ وأفضل طريقة لإيصال وربط المواطن وخاصة الأجيال الشابة بتراث وطنهم.

نص نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني في المملكة والصادر عبر مرسوم ملكي رقم (348) وتاريخ: 25-8-1435هـ على عدم إزالة أي مبنى تراثي إلا بعد التنسيق مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وذلك ليتسنى التأكد من أهميته التاريخية والعمرانية والإبلاغ عن أي تعديات أو إزالة للمباني التراثية.

في الوقت الذي دعت فيه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني سابقاً، وقبل نقل اختصاص الآثار إلى وزارة الثقافة، إلى الحفاظ على مواقع التراث العمراني المنتشرة في كافة مناطق المملكة باعتبارها شواهد حية على عراقة الحضارة ومشاركة الآباء والأجداد في بناء هذا الوطن، ما يجعل تلك المواقع تستحق الكثير من العناية والاهتمام من المسؤولين والمواطنين على حد سواء.

برنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري

* المسارات المستهدفة للبرنامج:

1- العناية بمواقع التاريخ الإسلامي.

2- إنشاء وتأهيل وتجهيز المتاحف والمواقع الأثرية في المناطق والمحافظات.

3- التشغيل والصيانة للمتاحف والمواقع الأثرية.

4- الحفاظ على مواقع التراث العمراني وتنمية القرى التراثية.

5- تسجيل وحماية الآثار والبحث والتنقيب الأثري.

6- برامج وأنشطة المتاحف والمواقع الأثرية.

7- تنمية الحرف والصناعات اليدوية.

8- التوعية والتعريف بالتراث الوطني.

9- استقطاب وتطوير الكوادر البشرية اللازمة لإدارة التراث الوطني.

10- فعاليات التراث الثقافي.

نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني في المملكة:

1- عدم إزالة أي مبنى تراثي إلا بعد التنسيق مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني.

2- التأكد من أهميته التاريخية والعمرانية.

3- الإبلاغ عن أي تعديات أو إزالة للمباني التراثية.

العقوبات:

- السجن لمدة قد تصل لسنتين.

- 200 ألف ريال غرامة مالية.

- إيقاف نشاط أو تعليق ترخيص أو إلغاؤه.

- معاقبة من يتفق أو يشترك في ارتكاب أي من المخالفات المنصوص عليها بنفس العقوبة المقررة لها.

- مضاعفة العقوبة في حالة العودة لارتكاب مخالفة، محدداً للعود المقصود.

متى؟:

- عند مخالفة أحكام النظام كالمسح أو التنقيب أو البناء أو الترميم أو الهدم أو غيره دون الحصول على ترخيص أو موافقة من الهيئة.

الأسباب:

- حماية المباني التراثية من أي عبث أو تعدٍ أو استيلاء أو إضرار.

أحكام الضبط والتحقيق والمحاكمة:

- ضبط المخالفات من رجال الضبط الجنائي.

- مكافآت لمن اكتشف أثراً ثابتاً أو منقولاً أو ساعد أو أرشد في اكتشافه، أو العثور على مواقع أو قطع أثرية أو أسهم في الحفاظ على آثار أو تراث عمراني أو ساعد على ضبط مخالفة.

- تكوين لجنة ثلاثية بقرار من رئيس الهيئة، يكون أحدهم على الأقل مستشاراً شرعياً أو نظامياً، للنظر في المخالفات المتعلقة بنصوص الغرامات.