مستقبل رقمنة العملات بين اليوان والدولار

مستقبل رقمنة العملات بين اليوان والدولار

الأربعاء ١٥ / ٠١ / ٢٠٢٠
توشك مجموعة من حروب الأموال الإلكترونية على الانطلاق، حيث ستنتقل المشاحنات والتوترات وحتى الطفرات الاقتصادية مستقبلًا من الواقع الحقيقي إلى عالم افتراضي يؤثر في كل شيء ويتأثر به، بل ويتحكم في مسار الاقتصاد العالمي، عبر استخدام خوادم وحواسيب وخوارزميات معقدة، لا نراها ولا نستطيع الإمساك بها في الحقيقة.

وستكون أبرز هذه المنافسات هي المشاحنة الإلكترونية المتوقعة بين عملة اليوان الصيني والدولار الأمريكي، حال اتخاذ قرار فعلي برقمنتهما، على غرار عملة البيتكوين Bitcoin، حيث سيفتح ذلك جبهات جديدة في صراعات الخصوصية والتجارة.

وخلال العام الماضي، أحرزت البيتكوين تقدمًا مفاجئًا على الرغم من القيود الأمريكية المفروضة على تدفق الأموال الرقمية، التي لا تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها مراقبتها، حيث تعدّ البيتكوين عبارة عن عملة مشفرة.

ولفترة طويلة كان يتم تجنب البيتكوين إلى حد كبير من قبل المستثمرين الجادين، ولكن الأمر قد يختلف تمامًا، إذا ما تم إصدار عملة رسمية بشكل إلكتروني مثل: اليوان الرقمي.

ويرى البعض في سيناريو «اليوان الرقمي» مجرد خيال، لكنه ربما يكون واقعًا على وشك التحقيق. فإذا قامت الصين بتحويل عملتها، كما تنوي القيام بذلك، واستخدمها الكوريون الشماليون لتمويل برنامجهم الصاروخي، فسيكون ذلك عبارة عن تدفق أموال لا نهاية له، والأكثر خطورة أنه سيتفادى العقوبات الأمريكية.

وفي حالة إذا ما حذت الولايات المتحدة حذو الصين، وقامت هي الأخرى برقمنة الدولار، من أجل الحفاظ على هيمنتها الاقتصادية العالمية، فستجد نفسها في حرب تجارية جديدة مع بكين، وهذه المرة لن تكون على أرض الواقع، وإنما في العالم الافتراضي.

وبينما تمّ إنشاء عملة البيتكوين، وهي أول عملة مشفرة ناجحة، على أساس عدم الكشف عن هويتها في المعاملات المالية، ولكن العملات الرقمية المستقبلية ستكون عكس ذلك، وربما نرى شفرات عديدة متداولة لليوان والدولار في حينها.

أيضًا يفترض أن تكون عملة اليوان الرقمي قابلة للتتبع من قبل الصين، وعلى نفس المنوال سيكون كل دولار رقمي مراقبًا من حكومة الولايات المتحدة أو المؤسسة المستخدمة له. وهذا سيغيّر مفهوم الصيرفة العالمية للأبد، فالمصارف تدير الآن تدفق الأموال حول العالم، لكنها لن تكون كذلك بعد رقمنة الدولار واليوان.

وتقول مديرة مبادرة العملة الرقمية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نيها نارولا Neha Narula: «الطبيعة الأساسية للمال تتغيّر بالفعل، فنحن نتحرك بسرعة إلى عهد نقدي جديد، حيث تنظر الدول والشركات إلى الأموال الرقمية كمعيار جديد لأنظمتها النقدية وبديل للعملات الفعلية».

وتشمل بعض المزايا، التي تتمتع بها العملات الرقمية دون التقليدية، القدرة على إرسال دفعات مالية أسرع وأرخص، وابتكار نظام مالي أكثر انفتاحًا وشمولًا.

وكانت فكرة البيتكوين، التي تم الكشف عنها قبل 11 عامًا، عبارة عن صورة مصغرة للنظام المالي الحديث، حيث يتم تمكين الأموال من التحرك في أي مكان في العالم، خلال دقائق معدودة، ودون أي تكلفة تقريبًا.

لكن البيتكوين كان مجرد عملة واحدة تتبع قانونًا واحدًا، ولكن بدأ الفصل الثاني في تحولات العملات الرقمية هذا الصيف، عندما كشف موقع الفيسبوك الشهير Facebook عن العملة المشفرة المقترحة، التي ينوي إطلاقها، تحت اسم ليبرا libra.

اللافت هنا، أن القائمين على إطلاق عملة ليبرا ليسوا مجموعة مالية أو عشوائية صغيرة، وإنما واحدة من أكبر الشركات في العالم وأكثرها قوة وأكثرها إثارة للجدل أيضًا، حيث تؤكد فيسبوك أن بمقدورها جني أرباح هائلة من وراء تلك الفكرة.

ولم يمر إعلان «فيسبوك» عن ليبرا مرور الكرام، حيث تبعته موجة من الانتقادات داخل أمريكا، وعقد الكونجرس جلسات استماع وكتب مشاريع قوانين لمنع إطلاق العملة المقترحة.

أما رد الفعل العالمي على الإعلان عن ليبرا فكان مغايرًا تمامًا، حيث اقترح مارك كارني Mark Carney من بنك إنجلترا أن العملة الدولية المشفرة يجب أن تحل محل الدولار كعملة احتياطية جديدة في العالم. وذهب الصينيون إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث بذلوا جهودهم الخاصة في زيادة سرعة وحدة المنافسة، ومن المتوقع على نطاق واسع أن يطلقوا نسخة رقمية من اليوان في الأشهر المقبلة.

على الجانب الآخر، تقول المديرة التنفيذية لمركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد أديتي كومار Aditi Kumar: «هذا أكثر من مجرد خيال علمي، ويتخطى بكثير مرحلة موقع الدفع الإلكتروني باي بال PayPal، إنها طريقة جديدة تمامًا للعمل في العالم، وستجعل واحدة أو اثنتين فقط من الجهات الفاعلة تتحكّم في النظام النقدي العالمي كله».

ويُعدّ اليوان الرقمي الصيني الذي تخطط له بكين بمثابة انعكاس كامل لنموذج البيتكوين، حيث ستكون البيانات التي يتم إنشاؤها مركزية، كما ستصبح خاضعة تماما لقوانين المراقبة في الصين.

وبالرجوع إلى التاريخ، يمكننا معرفة أنه بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح الدولار أساس النظام النقدي الدولي، مما أعطى للحكومة الأمريكية أداة قوية، استخدمتها لفرض سيطرتها على نظام التمويل القائم على الدولار، وتحكمت من خلالها في إقرار عقوبات اقتصادية، مثل تلك المفروضة على كوريا الشمالية. ولكن مع تقلص حصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي وتوسع دول مثل الصين والهند، تسعى تلك الدول إلى إيجاد بدائل للدولار، وستكون تلك البدائل على الأرجح رقمية.