الشعب الألماني..«عاشق الادخار»

الشعب الألماني..«عاشق الادخار»

الثلاثاء ١٤ / ٠١ / ٢٠٢٠

%11 هي نسبة الإدخار عند الأسر الألمانية مقارنة بأقل من 7 ٪ في الولايات المتحدة

متوسط دخل الأسرة في ألمانيا هو 61 ألف يورو (ما يعادل 67 ألف دولار) في السنة، وهو معدل أقل من اليونان -الدولة الأوروبية الأكثر فقرا من ألمانيا-، وفقا لبيانات البنك المركزي الأوروبي.



«لاتنفق أكثر مما تكسب».. قاعدة ذهبية يسير عليها الشعب الألماني منذ نعومة أظفاره وحتى عمر الشيخوخة، فالادخار بالنسبة للألمان أكثر من مجرد وسيلة لتأمين المستقبل، وإنما هي أسلوب حياة يسيرون على دربه، لذلك ليس من المستغرب أن تجد ثقافة الادخار تحولت إلى عادة، ثم هوس يتملك الجميع ويضع الألمان أموالهم في البنوك، حتى لو كانت الفائدة على تلك الودائع صفرية أو سلبية.

ورغم أن اتجاهات الاقتصادات الحديثة تشير إلى أن ادخار الأموال في البنوك قد يضر بنمو البلاد ويقوض ثروتها، إلا أن ذلك يخالف عقيدة وتربية الشعب الألماني، الذي يعلم أطفاله تخصيص جزء من مصروفهم الشخصي، ووضعه شهريا في بنك الادخار المحلي سباركاس Sparkasse، مهما بلغ حجم ذلك الادخار.

ففي مدينة بادن Baden على سبيل المثال، من الشائع جدا أن ترى طابورا طويلا من الأطفال، ممن يقفون أمام البنوك الصغيرة، وفي يدهم حقائب مملوءة بالعملات المعدنية لوضعها في حساباتهم الادخارية الخاصة.

ويمكن أن ترى نفس المشهد يتكرر في جميع أنحاء ألمانيا تقريبا، حيث انتشرت تلك الظاهرة منذ أن بدأ معهد بنوك الادخار الدولي تدشين حملة «يوم الادخار العالمي» عام 1924، مروجا إلى ما سماه بـ«محو الأمية المالية الأساسية» تحت شعار «لا تنفق أكثر من دخلك».

واليوم، يُنظر إلى الادخار في ألمانيا على أنه تقليد وفضيلة، وهذا ينطبق على المستهلكين الذين يقومون بادخار النقود في أي مكان متاح حتى لو كانت مراتب السرائر أو المدفأة وغيرها من الأثاث المنزلي، وتقوم الشركات من ناحيتها بادخار أرباحها، مما تسبب في زيادة الفائض في ميزانية الدولة الألمانية على مدار الخمسة الأعوام الماضية.

والمشكلة هنا تكمن في أن معدلات الفائدة السلبية على الودائع تسببت بشكل أو آخر، في انزلاق الأسر الألمانية في دائرة مفرغة من الفقر وليس الغنى -كما كان متوقعا- بالمقارنة بدول أخرى تتمتع أسرها بمعدل دخل أكبر بالرغم من ميزانية حكوماتهم الأضعف من الحكومة الألمانية. كما أعاق هذا الهوس بالادخار الشركات الألمانية عن جذب الاستثمارات الفردية وأعمى بصيرتها المستقبلية، وفي المجمل تسببت تلك العادة في تباطؤ النمو الاقتصادي في أوروبا.

وبحساب الأرقام، نجد أن متوسط دخل الأسرة في ألمانيا هو 61 ألف يورو (ما يعادل 67 ألف دولار) في السنة، وهو معدل أقل من اليونان -الدولة الأوروبية الأكثر فقرا من ألمانيا-، وفقا لبيانات البنك المركزي الأوروبي.

أيضا، الألمان هم الأقل بين جميع الأوروبيين امتلاكا للمنازل التي تعد مصدرا حيويا لزيادة الثروات لتلك الأسر، وذلك لأنهم يعتبرون العقارات «ادخارا محفوفا بالمخاطر».

والسؤال الذي قد يتبادر إلى ذهنك عزيزي القارئ الآن، هو«إذاً، لماذا يبحر الألمان عكس التيار بالرغم من سياسات «عدم» الادخار التي يحاول البنك المركزي الأوروبي تشجيع الدول لتطبيقها؟».

حسنا، يعتقد بعض الاقتصاديين أن عادة الادخار لا يمكن تغييرها في ليلة وضحاها عن طريق سياسات حكومية، بل ضربت تلك العادة بجذورها في هوية الشخص الألماني، والتي نمت على مدار الثلاثة القرون الماضية، وعاصرت ظروفا صعبة مثل: الثورة والتضخم والحروب والاكتئاب العام، وحتى الديكتاتورية.

وتقول ساندرا ماس Sandra Mass، أستاذ التاريخ الدولي بجامعة رورRuhr University في مدينة بوخوم Bochum الألمانية، إن «ما عزز من هوس الناس في ألمانيا لسياسات الادخار هو استقرار البنوك، وإيمان الطبقة العاملة بأهمية التوفير».

وقام البنك المركزي الأوروبي في شهر سبتمبر الماضي بتخفيض أسعار الفائدة مرة أخرى إلى 0.5٪، وذلك في محاولة لتشجيع الألمان على فتح أعينهم نحو خيارات الاقتراض أو الإنفاق أو الاستثمار بدلا من الادخار فقط.

لكن ورغم ذلك، فالأسر هناك تواصل توفير ما يصل إلى 11٪ من دخلها المتاح، مقارنة بأقل من 7٪ في الولايات المتحدة، وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وفي العام الماضي، أضاف الألمان من المتعاملين مع البنوك ما يصل إلى 108.7 مليار يورو إلى حساباتهم المصرفية، أي أكثر من أي وقت مضى منذ إصدار عملة اليورو، وذلك وفقا لأبحاث البنك الألماني «دويتشه بنك»، كما تشكل الودائع النقدية والودائع المصرفية، التي تبلغ 2.5 تريليون يورو، ما يصل إلى 40٪ من الأصول المالية للألمان، وفقا لبيانات البنك المركزي الألماني.

وهذه الودائع تدر عائدا ضئيلا جداً أو معدوما، بل وهناك العديد من البنوك الألمانية التي تفرض رسوما على العملاء ممن يرغبون في ادخار المال فيها. لكن 60٪ من الألمان يقولون إنهم لا يفكرون تغيير عادة الإدخار، وفقا لمسح أجرته رابطة بنوك الادخار الألمانية.

وبحسب بيانات مصرف بوندس بانك Bundesbank يتم ادخار حوالي 140 مليار يورو أخرى نقدا بأشكال شخصية غير مصرفية، مثل وضعها في مراتب السرائر أو ما شابه.

ومن الأمور العبثية الساخرة، فقد رجل في شمال غرب ألمانيا نصف مليون يورو بعد أن قام أحد الأصدقاء بتشغيل الدفاية التي كان يخفي فيها النقود، ما أدى إلى حرق المخبأ المالي بالكامل، وفقا لوثائق المحكمة.

من زاوية تاريخية، كان مصرف سباركسن الألماني الذي تأسس في القرن الثامن عشر مقصدا للطبقات الفقيرة التي تودع به مبالغ ضئيلة تتناسب مع دخلهم، أما الأثرياء فكانوا يودعون أموالهم في مصارف أخرى. والسبب في تلك التفرقة هو السيطرة على الطبقات الفقيرة وكبح جماح الثورة داخلهم من خلال السيطرة على ودائعهم في مصرف مخصص للودائع الصغيرة، وبحسب روبرت موشالا Robert Muschalla -مؤرخ اقتصادي- من ليس له ودائع هو شخص غير باكٍ على شيء يخسره، وبالتالي قد يجنح للثورات الشعبية التي دوما ما يطلق شرارتها الفقراء.

وعن ذلك الهوس في الادخار، يقول لارس فيلد Lars Feld، عضو مجلس الخبراء الاقتصادي، الذي يقدم النصح للحكومة الألمانية، إن هذا السلوك على ما يبدو يرجع إلى ارتفاع معدل الشيخوخة في ألمانيا، حيث تحرص تلك الفئة العمرية على تجنب الاستثمارات المحفوفة بالمخاطر.

اليوم تقوم المصارف بحملات توعية في المدارس والأماكن العامة، وتوفر حافلات لنقل العجائز والطاعنين في العمر لدرجة أن المصارف تدير جامعات، ويحصل العديد من الأطفال على أول حساب لهم كهدية قبل وصولهم سن المراهقة.

ولكن ذلك لا يمنع من أن هناك بعض الأشخاص ممن يفكرون في الإبحار ضد تيار الادخار. فعلى سبيل المثال، قال أندرياس راديماخر Andreas Rademacher، صاحب فندق في مدينة بادن الألمانية، إنه تحدث مع زوجته وقرر الزوجان أخيرا شراء أسهم بدلا من ادخار أموالهما في البنك. مؤكدا، أنهما تخليا عن مخاوفهما بشأن تقلبات السوق.

ختاما، يقول مارسيل فراتشر Marcel Fratzscher، رئيس معهد الأبحاث الاقتصادية في برلين، «لقد قضيت الكثير من حياتي المهنية خارج ألمانيا، وما زلت مندهشا من هوس الادخار في برلين وألمانيا بشكل عام».

وقال هيلمت شلافيس Helmut Schleweis، رئيس الجمعية الألمانية لبنوك الادخار: «مهمتنا لم ولن تتغير وهي ترسيخ فكرة الادخار بين الناس».