التعرية والإهمال يحولان «دحول الصمان» إلى «مصائد» مرعبة

التلف أصاب بعضها.. وبعضها صار «مكب نفايات»

التعرية والإهمال يحولان «دحول الصمان» إلى «مصائد» مرعبة

الثلاثاء ١٤ / ٠١ / ٢٠٢٠
«دحول الصمان»، أو ما يعرف علميا بكهوف الصحراء، يشكل بعض منها مخاطر على مرتادي الصحراء والمتنزهين الباحثين عن الفياض الربيعية هذه الأيام، علاوة على ما تشكله أيضا من مخاطر على أهل البادية والإبل والأغنام، لا سيما وأن بعضا من هذه الدحول قد تعرض ما يحيط بها من حواجز ترابية أو حديدية للتلف بسبب عوامل التعرية، أو ما طالها من أيدٍ عابثة، فأصبح الوقوع فيها محتملا، ويشكل خطرا على سلامة الزائرين، الأمر الذي يؤكد أهمية البدء بحملة واسعة تجوب مناطق الصمان؛ بحثا عن هذه الدحول ووضع ما يمكن أن يكون ملفتا للمارة، خاصة وأن الوصول إليها أصبح سهلا بعد توافر الإحداثيات وأجهزة خرائط المواقع المختلفة.

» جولة ميدانية


ووقفت «اليوم»، في جولة ميدانية، على وضع بعض هذه الدحول بمنطقة الصمان، والتقت أمام دحل «الفري»، والذي يقع على بعد أمتار قليلة من طريق الرفيعة ـ رماح، مجموعة من الشباب الكويتيين، الذين استوقفهم منظر الدحول، وتوجهوا بالسؤال عن هذه الظاهرة، وقال الشاب محمد الهذيلي: «نسمع من الآباء وكبار السن عن الدحول، ولأول مرة نشاهدها أنا ومجموعة الشباب الذين يرافقوني من الأقارب».

» حفر عميقة

وأشار إلى أن هذه الحفر العميقة تشكل خطرا بليغا على من يسير ويتجول في الصحراء، خاصة أن موسم الأمطار والفياض الربيعية يدفع الكثيرين للخروج للتنزه والمبيت في الصحراء، مبينا أن ما دفعه إلى التوقف عند دحل «الفري»، عددها اثنان متجاوران، هو قرب هذه الدحول من الطريق، وأنه بالإمكان مشاهدتها لقرب المسافة فيما بينها وبين الطريق، ما يدعو إلى أن تكون على قائمة أولويات الدحول التي تحتاج إلى حماية، خوفا من وقوع السيارات التي تتوقف إلى جانب الطريق فيها.

» أعمدة حديدية

ولفت غانم المشاوية، من أهالي الصمان، إلى أن هذه الدحول عددها كثير جدا، ومنتشرة في مواقع مختلفة في الصمان، مؤكدا أنه كانت تحيط بالكثير منها أعمدة حديدية وحواجز رملية؛ للحماية من الوقوع فيها، خاصة وأنه لا يمكن رؤية بعض هذه الدحول في الليل، حتى أن بعضا منها قد لا يمكن رؤيته في النهار؛ لتساوي الفوهة على مستوى سطح الأرض.

» الإبل والأغنام

وذكر المشاوية أن هذه الدحول أصبحت بلا حماية، بعدما تعرضت حواجزها السابقة للتلف، وساقت الرياح حواجزها الرملية حتى ساوتها بالأرض، مؤكدا أنها أصبحت غير كافية لتحذير الناس من الوقوع فيها، وتشكل خطرا أيضا على الإبل والأغنام.

وأشار إلى أنه سبق وأن فقد بعضا من أغنامه بها، فمنها ما استطاع إخراجه بواسطة السلالم اليدوية، ومنها ما مات بالداخل ولم يعلم عن سقوطه إلا بعد أيام.

» حواجز حديدية

وطالب المشاوية، بحماية مرتادي الصحراء من هذه الدحول، ووضع حواجز حديدية أو إسمنتية؛ للوقاية من الوقوع فيها، بما يحفظ سلامة متنزهي الصحراء، وكذلك الإبل والأغنام المنتشرة في الكثير من الأماكن، كون الصمان مناطق رعوية لأهل البادية.

» مجمع للنفايات

وقال الرحالة غازي البقعاوي: إن منطقة الصمان تزخر بأعداد كبيرة من الدحول، وساعدت أجهزة الملاحة الحديثة على أن تكون هذه الدحول مقصدا لهواة الطلعات البرية وأصحاب الرحلات، مشيرا إلى أن بعضا منها يقع في أرض منبسطة دون علامات أو حواجز طبيعية أو حتى صناعية، ما يجعل خطورة السقوط فيها واردة. وأضاف: «لا ننكر أنه تم وضع حواجز خرسانية على محيط غالبية الدحول، وللأسف بعض الدحول أصبحت مجمعا للنفايات من الأغنام النافقة، وهذا يؤكد عدم وعي بعض الأشخاص بأن تصرفاتهم تعتبر تدميرا وتلويثا للبيئة الصحراوية».

ونوه البقعاوي بأنه بإمكان الهيئة العامة للسياحة الاستفادة من بعض هذه الدحول، من خلال صيانتها وتهيئتها لمتعهدين يستثمرونها بإقامة مخيمات حولها وتنظيم رحلات لمحبي الاكتشافات ومكونات الصحراء وطبيعتها.
مختص: إرث تركته ظروف مناخية أكثر رطوبة

أكد أستاذ الدراسات العليا واختصاصي الجيومورفولوجيا والاستشعار عن بعد ورئيس قسم الجغرافيا بجامعة القصيم أ.د أحمد الدغيري، أن الدحول وكهوف الكارست تنتشر في المناطق ذات الصخور الجيرية القابلة للتحلل والإذابة، مبينا أن ندرة المياه، وعدم كفايتها لقيام عمليات التحلل والإذابة في زماننا المعاش، جعلت منها صخورا مغلقة في وجه تلك العمليات.

وقال د. الدغيري: ظاهرة الدحول وكهوف التحلل «الكارستيهي» إرث تركته ظروف مناخية أكثر رطوبة، سادت في المملكة العربية السعودية، إبان فترات زمنية غابرة، كانت تلك الفترات مواتية لعمليات تحلل وإذابة للصخور «الكلسية والدلومايتية»، خاصة تلك التي تكتنفها شقوق وصدوع وصخور واهنة وجدت فيها المياه طريقا لنشاط وفعالية عمليات التحلل والإذابة.

وأشار إلى أن بعض الدراسات تؤكد أن منطقة الصمان ذات الصخور «الكلسية» كانت تغطيها تربة ونبات طبيعي كثيف، جراء الرطوبة والدف الذي ساد في بعض فترات الزمن الرابع، وهو ما ساعد العمليات الكيميائية والعضوية المفعمة بالمياه والأحماض أن تقوم بعملها خلال مسامات وشقوق ومفاصل تلك الصخور، الأمر الذي جعل تلك العمليات «الكارستية»، تقوى ويشتد ويعظم تأثيرها في التحلل والإذابة، ولهذا تعزى العديد من المشاهدات والدراسات أن نشأة الدحول وحفر التحلل في الصمان، يرجع بالدرجة الأولى إلى تأثيرات كائنات حيوانية ونباتية وإذابة كيميائية وعضوية، في بيئة وظروف مناخية مختلفة، كما هو سائد هذا اليوم.

وأضاف: حينما حل الجفاف في المملكة بحلول الخمسة الآلاف سنة الماضية، انجلت تلك الحفر وزاد توسعها وأصبحت مغاور وأقنية، بل ظهر منها وديان تحت سطحية نشطت فيها عمليات تحلل وإذابة واكتساح الرياح جنباتها، الأمر الذي كان نتاجه دحولا غاية في الجمال، تحشد خلالها خلائق وغرائب وظاهرات غاية في الغرابة من صواعد كلسية ونوازل وجداول ودرنات تحت سطحية.

وبين أن التنوع والجمال والانتشار الواسع لتلك الظاهرات، يرشحها لأن تكون من أفضل المتاحف الكارستية الأرضية في الأجزاء الشرقية من المملكة العربية السعودية، والتي تتجسد فيها ظاهرات الدحول وحفر الإذابة، وكهوف التحلل والانهيار، والمغاور والأقنية والجداول التحت سطحية الأمر الذي أكسبها خصيصة ميزتها عن غيرها من أرض مملكتنا الغالية.

ونوه بأنه يجوز التعبير بأن نسميها الحدائق «الكارستية» التحت سطحية، والتي يحتاج التعامل معها معالجات بطرق احترافية، تقيد خطرها وتحفظ جمالها وفق ضوابط ومعايير تتوافق مع رؤية المملكة العربية السعودية، وتعمل على إدارتها وتنميتها لتكون وجهة وموردا سياحيا مستداما، عوضا عن كونها ظاهرة خطرة معطلة في هذا الجزء من بلادنا الغالية.


..و«الزراعة»: تسييج 8 دحول أثرية

قال مدير عام فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمنطقة الشرقية م. عامر المطيري، إن الآبار المكشوفة تنقسم إلى قسمين، وهي: الآبار المكشوفة المعروف أصحابها، ويتم إلزامهم بردمها على حسابهم الخاص عن طريق الإمارة. والآبار المكشوفة غير المعروف أصحابها، ويتم ردمها على حساب الوزارة ضمن مشروع الردم الموحد. مبينا أنه تم الرفع للوزارة لضمها إلى مقاول مشروع الردم الموحد، لتنفيذ أعمال الردم والتحصين.

وأضاف م. المطيري: تنقسم الدحول إلى قسمين، الأول: دحول أثرية قد تم تسييجها من قبل الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وهي 8 دحول، وتحصين دحول أخرى قريبة من المناطق التي يقصدها المتنزهون، مؤكدا أن القسم الثاني من الدحول الأخرى سيتم تسييجها إن وجدت، أو تحصينها، أو ردمها إن لم يكن مناسبا لها التحصين، وذلك في مناقصة عامة من قبل الوزارة إن لم تكن داخلة ضمن توجه الهيئة العامة للسياحة.
المزيد من المقالات