خير جليس في الزمان

خير جليس في الزمان

السبت ١١ / ٠١ / ٢٠٢٠
صحيح أن استقاء المعلومة من الشبكة العنكبوتية وبقية وسائل الاتصال الاجتماعي أضحت متاحة وسريعة، ويكفي بضغطة زر الوقوف على ملايين المعلومات في مختلف الحقول العلمية والأدبية والفنية ونحوها، وبتلك الوسائل أضحى العالم كله مجرد «قرية صغيرة» إن صح التشبيه، حيث أمكن عبرها من تبادل المعلومات والأحاديث بكل اللغات الحية وغير الحية، وهذه الوسائل تمثل نقلة نوعية هائلة يتم تطويرها وتحديثها بمرور الوقت، غير أن السؤال الملح هو: هي تغني هذه الأدوات عن الكتاب أو تحل محله؟ وأظن إن أردت الإدلاء برأيي جوابا عن هذا السؤال، بأن تلك الوسائل لن تغني عن القراءة، فهي المعين الذي لا ينضب للثقافة ولا يمكن الاستغناء عنها إطلاقا.

قد يتضرر أصحاب المكتبات الخاصة حينما تقل مبيعاتهم من الكتب الثقافية بنسب لا أحسب أنها كبيرة، غير أن ذلك لا يعني الانصراف عن القراءة، فالمكتبات العامة مفتوحة لروادها من الجنسين الراغبين في إشباع هواياتهم، سواء من خلال تصفح الكتب داخل تلك المكتبات أو استعارتها إن لم يرغب القارئ في تكوين مكتبة تخصه في منزله، والبعض يحبذ اقتناء الكتب بشرائها من المكتبات الخاصة لسهولة العودة إليها كلما اقتضت الحاجة، وللأسف الشديد أن هذا الاقتناء تحول إلى «ديكور» يجمل مجالس البعض في منازلهم دون العودة إلى قراءة ما بحوزتهم من كتب.


غير أن البعض الآخر من هواة القراءة يقتنون الكتب ويقرؤونها بالفعل، ولا يرون أن التقنيات الحديثة بمختلف وسائلها أضحت بديلة عن الكتاب، رغم أنهم قد يعودون إليها بين حين وحين لاستقاء المعلومات منها دون انصرافهم الكلي عن الكتاب، وأظن أن الحاجة ضرورية وماسة لأهمية تفعيل برامج ريادة المكتبات العامة، وهي مهمة منوطة بوزارة الثقافة، فتشجيع الأطفال والشباب على ارتياد تلك المكتبات والتعود على قراءة الكتب في أي مجال محبب لهذا القارئ أو ذاك تعد بادرة طيبة لا بد من الأخذ بها وتطبيقها.

هواية القراءة تمثل أسلوبا حضاريا من شأنه زيادة محصول أصحابها من الثقافة، وزيادة وعيه حيال مختلف المستجدات الطارئة في عصره، وزيادة تعلقه أيضا بتراثه العريق، وأظن أن المكتبات العامة بالمملكة تتيح الفرص لهواة القراءة لإشباع نهمهم من الاطلاع على مختلف العلوم والآداب، وعدم الاقتصار على أجهزة التقنيات الحديثة المتمثلة في وسائل الاتصال الاجتماعي الناقلة للمعلومة، وعدم التبحر في عوالم تلك العلوم والآداب والاطلاع على نتاج العلماء والأدباء في كل عصر من العصور.

أعود إلى ما بدأت به وأكرر على أهمية الكتاب كوسيلة معرفية مهمة يجب الاعتناء بها عناية خاصة رغم ما حدث من ثورة اتصالية في عالم المعلومات، فلا أظن أن تلك الوسائل التقنية قد تغني عن تصفح الكتب والاهتمام بها، وسيظل الكتاب معينا لا ينضب للتزود بالثقافة على اختلاف فروعها، والتعود على القراءة منذ الصغر يمثل ظاهرة صحية مصداقا للمقولة الشائعة: «العلم في الصغر كالنقش على الحجر»، والعلم يستقى من منبعه الطبيعي وأعني به الكتاب، وصدق عمنا أبو الطيب حينما قال في إحدى قصائده الشهيرة: «أعز مكان في الدنى سرج سابح، وخير جليس في الزمان كتاب».
المزيد من المقالات
x