نخشى تغييرا ديموغرافيا ينفذه الأتراك في «عفرين»

رئيس المجلس الوطني السوري الأسبق لـ«اليوم»:

نخشى تغييرا ديموغرافيا ينفذه الأتراك في «عفرين»

د. عبدالباسط سيدا شغل منصب رئيس لأول هيئة سياسية معارضة لنظام الأسد، تأسست بعد الثورة التي دفع ثمنها الشعب السوري باهظا، يجيب عن أسئلتنا حول قضية أضحت على رأس القضايا الإقليمية والدولية.

سيدا يقول لـ«اليوم»: هناك مخاوف جدية من تغييرات ديموغرافية في مناطق شمال سوريا، التي دخلت إليها القوات التركية، خاصة في عفرين والجزيرة، لافتا إلى أن ذلك لا يخدم إلا نظام الأسد، وأرجع سبب هذا التدخل إلى المتغيرات الإقليمية والدولية، إلى جانب العوامل والأزمات، التي تعاني منها أنقرة.


وأبدى رئيس المجلس الوطني السوري الأسبق أسفه لما آلت إليه الأوضاع في بلاده، وقال: إن سوريا دولة مفتاحية في الشرق الوسط، مشيرا إلى أن النظام وبناء على التوجيهات الإيرانية واجه سلمية المظاهرات بالأسلحة والقتل والتدمير والتهجير، وأضاف: والآن أصبحت سوريا بعدما حدث هدفا لقوى خارجية دخلت في سباق محموم من أجل الاستئثار بثرواتها والتحكم بممراتها البرية والبحرية، من دون أي مراعاة لتضحيات وتطلعات السوريين، هذا إلى جانب مناقشة عدة مواضيع خاصة بالشأن السوري، فإلى متن الحوار..

تركيا دخلت عبر جيشها وميليشيات موالية لتحتل أجزاء مهمة شمال سوريا، وتعمل على تغيير ديموغرافي.. لماذا يغض المجتمع الدولي الطرف عن هذه الاعتداءات؟

- دخول تركيا أضاف المزيد من التعقيد إلى الوضع السوري، ويأتي في إطار عملية تقاسم مناطق النفوذ بين مختلف الدول المتورطة في بلادنا، ومنها روسيا وإيران والولايات المتحدة، فضلاً عن الميليشيات المذهبية الخاضعة للقيادة الإيرانية.

هناك مخاوف جدية من تغييرات ديموغرافية في المناطق، التي دخلت إليها القوات التركية خاصة في عفرين والجزيرة، لا سيما في ظل تصعيد الحملات المشبوهة المتبادلة من جانب المتطرفين العرب والكرد، وهي حملات لا يستفيد منها سوى النظام، وأولئك الذين لا يريدون الأمن والاستقرار والانسجام المجتمعي في سوريا، ومن الواضح أن الأولويات والحسابات الدولية لا تتقاطع، على الأقل راهناً، مع استقرار سوريا على قاعدة احترام الخصوصيات المجتمعية جميعها من دون أي استثناء.

ألا تعتقد وأنت «كردي» أن العديد من الجماعات الكردية إن كانت مسلحة أو سياسية أخطأت خلال مسار القضية السورية، وأن أمريكا خذلتهم بعد أن حصلت على غطائهم ومساعدتهم ليصبح معظمهم في حضن النظام بشروط سيئة؟

- الجماعات الكردية المسلحة، التي تتحدثون عنها هي تابعة لحزب العمال الكردستاني، وقد دخلت إلى سوريا بناء على اتفاق أمني مع النظام، وذلك لتسليمها المناطق الكردية، بغية ضبط الأوضاع فيها، ومنع الكرد من التفاعل الإيجابي مع الثورة السورية، لأن خطة النظام مع الإيرانيين كانت تقوم على تضليل المجتمع الدولي عبر تقديم صورة مشوهة لما كانت عليه الأمور في بداية الثورة، فقد كانوا يريدون إقناع العالم بأن ما يجري في البلاد هو صراع بين سلطة علمانية حامية للأقليات والجماعات السنية المتطرفة الإرهابية، ثم تطورت الأوضاع، واستخدمت الولايات المتحدة قوات هذا الحزب في معركتها ضد داعش.

لقد دفع كرد سوريا ضريبة باهظة لقاء ذلك، أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة فهي كما نعلم جميعا قوة عظمى، تبحث عن مصالحها، ولا تشعر بأي حرج حينما تتخلى عن الجهات التي تعاونت معها، إذا وجدت أن مصالحها تقتضي ذلك.

كرد سوريا هم الضحية، فما حدث لم يكن بمشيئتهم، بل كان فوق طاقتهم، دفع بشبابهم إلى معارك لا ناقة لهم ولا جمل فيها، كما أن مواردهم المادية الشحيحة أصلاً تعرضت للكثير من الاستنزاف جراء ذلك.



تتوالى الاجتماعات الدولية من أجل حل القضية السورية، كـ «أستانا وسوتشي» و«جنيف»، وأخيرا اجتماعات اللجنة الدستورية، أليس كل هذا وذاك لإعادة تأهيل النظام؟

- القاسم المشترك بين هذه الاجتماعات هو وظيفتها، التي تتمثل في تكوين وتسويق انطباع زائف لدى السوريين والرأي العام العالمي، انطباع مفاده بأن جهوداً تبذل بغرض الوصول إلى وضع حد للمحنة السورية، ولكن في حقيقة الأمر أن الاجتماعات المعنية هي وسيلة لكسب الوقت، وتفتيت المعارضة، وقضم المناطق، التي كانت خارج سيطرة النظام، وهناك الكثير من الأحاديث السرية والعلنية حول إمكانية إعادة تأهيل النظام، ولكن يبدو أن الجانب الأمريكي لم يوافق حتى الآن على مساعي موسكو، حالة التنسيق بين الجانبين الأمريكي والروسي في سوريا قائمة حول الكثير، خاصة على صعيد توزيع المهام وتقاسم المناطق، وأعتقد أن الأمور ستجمد بصورة نسبية إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية المقبلة.

ألا تعتقد أن المعارضة السورية منذ بدايتها مع المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف الوطني ورديفه الحالي الهيئة العليا للتفاوض لم تكن منبثقة عن السوريين، بل كانت ضرورات لدول إقليمية كقطر وتركيا على سبيل المثال، وأن قرار السوريين فيها كان ثانيا؟

- «المجلس الوطني» شُكل بناء على مشاورات واتصالات معمقة بين السوريين أنفسهم، وكان الهدف الأساسي هو إيجاد جسم سياسي يمثل الثورة ويجسد أهدافها، ويدافع عنها، ويعمل على كسب التأييد العربي والدولي لها، وقد وجدنا مدى تأييد السوريين له في الداخل بعد تأسيسه مباشرة، وذلك عبر المظاهرات التي كانت في معظم أنحاء البلاد تحت شعار: المجلس الوطني يمثلني، ومارس المجلس عمله في ظروف بالغة الصعوبة، ولم يرتق الدعم العربي والدولي للمجلس إلى المستوى المطلوب الكافي، وإنما اقتصر على الشعارات والمواقف المتباينة.

ورغم تشكيل مجموعة أصدقاء سوريا الكبيرة العدد، إلا أن الإرادة الدولية كانت مشلولة نتيجة الموقف السلبي للإدارة الأمريكية في عهد أوباما، وذلك لأسباب كثيرة، وكانت هناك محاولات أمريكية كثيرة من أجل التأثير على مواقف المجلس، وخفض سقف مطالباته، ولكن حينما وجد أصحاب تلك المطالبات أن المجلس في طريقه نحو التحول إلى فريق سياسي وطني سوري، مدعوم بتأييد السوريين، وقضيتهم العادلة، كان اللجوء إلى خيار تشكيل الائتلاف، الذي كان بناء على ضغط أمريكي، وتدخل من مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، أما الهدف فقد كان تشكيل جسم هلامي، من السهل اختراقه والتحكم فيه، وقد أشرت في كلمتي، التي ألقيتها في الاجتماع العام للمجلس الوطني في إحدى العواصم العربية خريف 2012 إلى هذا الأمر، وقلت إن أي مساس بالمجلس الوطني معناه إطالة أمد الأزمة في بلادنا، وهذا ما كان بكل أسف، والكل في انتظار الولايات المتحدة، وهي في انتظار نفسها، ونتائج انتخاباتها المقبلة.

بعد ما يقارب 9 سنوات من القتل والدمار والتهجير، لمصلحة مَنْ يعمل نظام الأسد وماذا يريد؟!! فهناك مَنْ يقول إن أباه جاء به الأمريكان لخدمة إسرائيل، وهو ما نلاحظه بتمسك الحكومتين به؟

- ليس سراً أن إسرائيل تتابع الوضع السوري بحرص وبصورة متواصلة، كما أنه ليس سراً أن نظام الأسد الأب ما كان له الاستمرار كل تلك المدة بمعزل عن التفاهمات والتوافقات غير المباشرة مع الإسرائيليين على الجولان ولبنان، أما نظام الأسد الابن فهو امتداد لنظام والده، ونسخة هزيلة منه، وقد أعلن أركانه منذ اليوم الأول أن أي مساس بهم سينعكس سلباً على إسرائيل، وذلك من باب الاستنجاد.

وأمريكا لم تقرر بعد تغيير النظام في سوريا، كما لم تقرر تغييره في إيران، رغم قدرتها على ذلك سواء هنا أو هناك.



السوريون في الداخل يعانون، فيما الملايين مشردون في الخيام ومهاجرون، بينما تتحاور المعارضة مع النظام على دستور مفترض، برأيك ألا يمثل ذلك مضيعة للوقت؟

- أوضاع السوريين في الداخل، وفي مخيمات اللجوء سواء في الداخل أم دول الجوار، خاصة في لبنان، صعبة للغاية، لا سيما في أوقات الشتاء. من جهة أخرى، تراجعت قيمة الليرة السورية إلى أدني المستويات، وهناك توقعات بانهيارها أكثر، الأمر الذي يؤثر كثيرا على أصحاب الدخل المحدود، فرص العمل شبه معدومة، والاقتصاد معطل، والنظام الذي فتح البلاد أمام الروس والإيرانيين، وسلمهم المرافق الحيوية والشركات المضمونة الأرباح، يحاول البقاء بأي ثمن، مستعد للتنازل عن أي شيء ولأي كان مقابل البقاء، هذا النظام ما زال يتعامل مع السوريين بعقلية الانتقام والتهديد والوعيد، وهو الذي تسبب بقتل نحو مليون سوري، وتدمير البلاد، وتهجير أكثر من نصف الشعب، أما بدعة اللجنة الدستورية، فهي تأتي في إطار الجهود الإيهامية، التي تعطي انطباعاً خادعاً بوجود عملية تفاوضية هدفها الوصول إلى حل مقبول من جانب مختلف الأطراف، ولكن في حقيقة الأمر، العملية في مجملها لا تخرج عن نطاق كسب الوقت انتظارا للتوافقات الدولية والإقليمية.

كيف يمكن أن يتم حوار مع النظام مع وجود طهران وميليشياتها في سوريا رغم أن المعارضة كانت تقول: «إنه لا حل في سوريا مع وجود إيران»، فما بالك اليوم بالوجود الروسي إضافة إلى تركيا؟

- السوريون جميعهم، معارضة وموالاة، هم حالياً خارج معادلة التأثير بكل أسف، الدول هي التي تلتقي وتتفاوض، وتعقد الصفقات، وتحدد الشروط، وتتصارع في الساحة السورية وعليها، ولكن بطبيعة الحال تحتاج هذه الدول إلى واجهات سورية تتستّر بها بعض الشيء، المعارضة الرسمية ليس في مقدورها ضمن الظروف الحالية رفض طلبات الدول، ولكن هذه المعارضة لا تستطيع في الوقت ذاته إقناع الشعب بالقبول بما يمكن أن تتوصل إليه، والنظام هو الآخر لا يمتلك أي قدرة على مواجهة روسيا وإيران، كما أنه لا يحظى بتأييد غالبية السوريين.

ما تبقى من معارضة عسكرية ومن هجر من مناطق أخرى محاصر الآن في إدلب، بينما يدفع المدنيون ثمن وجود هذه الجماعات وعلى رأسها تنظيم القاعدة الإرهابي، كيف سينتهي الوضع هناك بتقديرك؟

- الوضع في إدلب معقد، «جبهة النصرة» -بغض النظر عن أسمائها الحركية الأخرى- المصنفة إرهابية هي، التي تتحكم بالمنطقة، رغم وجود فصائل أخرى هناك، ووجود هذه الجبهة يخدم النظام وروسيا وحتى تركيا، الأسد وموسكو يزعمان بأنهما يحاربان الإرهاب، ولكنهما في حقيقة الأمر يحاربان كل الفصائل الأخرى غير الإرهابية، ويتركان «النصرة»، التي تتخذ منها تركيا ورقة للحصول على تنازلات من جانب روسيا، وحتى الولايات المتحدة في ملفات ومناطق أخرى، خاصة في المناطق الكردية، والحجة هي محاربة حزب العمال الكردستاني عبر واجهته السورية، حزب الاتحاد الديمقراطي أو «قسد»، ولكن «قسد» أعلنت من جانبها التزامها بالاتفاقين الأمريكي - التركي، والروسي - التركي.

بدأت الثورة السورية بمطالب حقوقية مشروعة، وانتهى بها الأمر إلى نزاع بين دول تبحث عن مصالحها على حساب الشعب السوري، إلى أين ستصل القضية السورية؟

- بالفعل لم يطالب السوريون في بداية تحركهم سوى بالإصلاح، طالبوا بإلغاء المادة الثامنة في الدستور، التي كانت تنص على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، كما طالبوا بإلغاء قانون الطوارئ، الذي غطى على استبداد السلطة وفسادها على مدى عقود، والتحرك، كما تتذكرون، كان سلمياً، ولكن النظام، وبناء على التوجيهات الإيرانية، وربما الروسية، أصر على مواجهة سلمية المظاهرات بالأسلحة والقتل والتدمير والتهجير، وهكذا تطورت الأمور، ومنذ البداية قلنا «إن سوريا دولة مفتاحية، بالنسبة إلى الشرق الأوسط، استقرارها يؤدي إلى استقرار المنطقة، والعكس صحيح»، كما حذرنا من إستراتيجية النظام، التي كانت تقوم أساساً على اتهام الثورة بالإرهاب لوضع العالم أمام بديلين سيئين: إما الإرهاب وإما الاستبداد، هذا مع العلم بأن النظام كان مستعداً منذ البداية لتقديم كل التنازلات للخارج مقابل إطلاق يده في الداخل.
المزيد من المقالات
x