قمة الرياض.. هل ستداوي جراح الخليج؟

قمة الرياض.. هل ستداوي جراح الخليج؟

الثلاثاء ١٠ / ١٢ / ٢٠١٩
للرياض شخصيتها السياسية الفريدة، وهي شخصية لا تتكلفها، ولا تصطنعها، لأنها نتاج اتحاد كيمياء الجيوسياسية مع المسؤولية الدينية، والوزن الاقتصادي، وأدبيات الالتزام الأخلاقي على المستوى الإنساني، وللرياض أيضًا سَمْتُها، وسِماتها الدبلوماسية في إدارة مختلف الملفات والقضايا بروح الحل لا بمنطق التكسب، ولها كذلك وقار الموقف الذي يتأسس على مشروعية الحق، والانحياز للعدالة، مما يجعلها تنأى بنفسها عن أي قضية لا تستند إلى حق مشروع أيا كان أطرافها.. ذلك لأنها عاصمة أول وحدة عربية عرفها العصر الحديث، ومنطلق جذر العرب والعروبة الأول، ثم لأنها قبل هذا وذاك عاصمة أرض القداسات ومهبط الوحي، وموئل أفئدة أمة الإسلام، لهذا كان لها كل هذا الرصيد الوازن من الثقة التي تتمحور حوله سياساتها.. مهما كانت الظروف، وأيًا كانت الأزمنة، وقد ظلّتْ الرياض وفيّة لهذا الخط السياسي الذي طالما غرّمها هفوات الآخرين، وكلّفها الكثير من التضحيات.. حماية لوحدة القرار العربي، والإسلامي، في إطار سعيها الدؤوب لجمع الكلمة، ووحدة الصف، خصوصًا أن المجتمع الدولي لا ينظر إليها كمجرد دولة عضو في المجموعة الدولية، وإنما على اعتبار أنها (دولة قائدة) تتصدّى لما يجب أن تتصدّى له البلدان الكبرى، المعنية بضبط قواعد السلم العالمي، والحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين، ولأنها الدولة التي لا بد أن يؤثر قرارها بما لا يقل عن مليار وثمانمائة مليون مسلم على وجه الكرة الأرضية، ممن ينظرون إليها، وإلى قراراتها، ومواقفها من خلال رمزيتها، ودورها الريادي كقائد للأمة الإسلامية، والطرف المخوّل اعتباريا للحديث باسمها، وصيانة قضاياها.

» الرياض وقمم الخليج


والذي يتابع المؤتمرات بمختلف أنواعها وغاياتها ومستوياتها التي احتضنتها المملكة، سواء في العاصمة الرياض، أو أي من مدنها أو محافظاتها، لا بد أن يلاحظ أنها في الغالب مؤتمرات قرار، بمعنى أنها لا يمكن أن تدعو، أو أن تقبل باحتضان أي مؤتمر لا تتوافر لديها مقومات نجاحه، ذلك لأنها بسياساتها الثابتة، أبعد ما تكون عن الاستعراض، أو تسجيل الحضور والمواقف، لأنها تدرك حجم مسؤولياتها، وتعي حجم ثقة الآخرين بقراراتها وعدالة مواقفها.

وقد احتضنت الرياض عددًا من القمم الخليجية منذ قيام المجلس عام 1981م، ابتداء من:

• قمة الرياض في نوفمبر من العام نفسه، التي تم خلالها الموافقة على الاتفاقية الاقتصادية، التي تسمح بإزالة الحواجز بين الدول الأعضاء، وتقوية الترابط بين شعوب المنطقة.

• ثم قمة الرياض في عام 1987م، التي صادقت فيها الدول الأعضاء على نظام الإقراض النفطي فيما بينها، والتفويض ببدء المفاوضات الرسمية مع المجموعات الاقتصادية، لا سيما المجموعة الأوروبية، كما شهدت افتتاح المقر الرئيس لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

• ثم قمة الرياض عام 1993م، التي رحبت بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل كمدخل لتحقيق السلام العادل.

• ثم قمة الرياض في نوفمبر 1999م، حيث استضافت الرياض القمة العشرين لدول المجلس، التي دعا فيها الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- إلى تحقيق وحدة عسكرية شاملة لمنطقة الخليج، كما تم خلالها الاتفاق على فئات السلع الجمركية.

• ثم قمة الرياض في ديسمبر 2006م، التي أطلق عليها الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- (قمة جابر)؛ كونها أول قمة خليجية تنعقد بعد وفاة الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير دولة الكويت -رحمه الله-.

• ثم قمة الرياض في ديسمبر 2011م، التي طالب الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- القمة خلالها بأن تتجاوز مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد.

• ثم قمة الرياض في ديسمبر عام 2015م، التي تم خلالها تبني رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- باتجاه تعزيز التعاون بين دول المجلس والعمل الجماعي المشترك.

• وصولًا إلى قمة الرياض في ديسمبر 2018م، التي أكدت وضع خارطة طريق لتحقيق رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- فيما يتصل بتحقيق التكامل بين دول المجلس في كافة المجالات. هذا إلى جانب أربع قمم خليجية استثنائية وطارئة استضافتها المملكة، ثلاث منها احتضنتها الرياض، والرابعة عقدتْ في مكة المكرمة عام 2019م، وذلك ضمن ثلاث قمم عربية وإسلامية وخليجية.

هل ستكون هذه القمة هي قمة إعادة ترتيب البيت الخليجي؟

وحينما تحتضن الرياض مجددا القمة الخليجية الأربعين لدول مجلس التعاون الخليجي، بدلًا من أبوظبي، في هذا المنعطف بالذات، وفي ظل هذه الظروف المأزومة التي تشهدها المنطقة جرّاء العدوان الإيراني المتكرر، ومحاولاته المستمرة لضرب الأمن والاستقرار في كل مكان تصل إليه يده الآثمة، إما للفرار من ضائقة الحصار القاتل، وافتعال الأزمات لصرف الأنظار عما يجري في الداخل الإيراني من الغليان والاحتقان، أو في سياق مساعي طهران لتهيئة الأرضية للمضي قدمًا في مشروعها التوسعي، باستغلال بعض الفصائل، وحثها على التمرد ضد بلدانها بشراء ولاءاتها بالمال، أو اللعب على وتر الاختلافات لدق أسافين الفرقة بين الأشقاء، واطّرادًا في ظل مراوحة الأزمة الخليجية مكانها نتيجة تحريض أعداء الأمة، نقول: حين تفتح الرياض ذراعيها لاحتضان جميع قادة الخليج، متجاوزةً كل تلك الخلافات، والآفاق المسدودة، فما ذلك إلا لأنها تمارس دورها الأثير كدولة جامعة، وتواصل رسالتها الممتدة، ومسؤولياتها الأدبية في حفظ منظومة الدول الخليجية كآخر معاقل وحدة القرار العربي، على أمل أن تسترد هذه المنظومة عافيتها بوعي كافة أبنائها بمسؤولياتهم، ومصادر المخاطر المحدقة بهم، ليلتئم شملهم تحت راية الكلمة الواحدة، والمسؤولية المشتركة في ترقية دور المجلس وتفعيل أدواته، وإعادة ترتيب البيت الخليجي من الداخل، وهو دور لم تتنكب له الرياض لحظة واحدة طوال تاريخها، رغم كل ما واجهتْ من العنت في سبيله، لأنها تعي واجباتها كدولة كبرى، وكعمق إستراتيجي لكافة دول الخليج في سياق مسؤوليتها في حماية شعوبه، والحفاظ على أمنه واستقراره، والدفاع عن مقدراته، وتطلعات أبنائه، مما يرفع من سقف آمال الشعب الخليجي برمّته بأن تنفرد هذه القمة بتذليل المصاعب، وإعادة وصل ما انبتّ، لتمكين وتركين هذا المجلس في مواجهة التحديات، التي لا تستثني أحدًا دون أحد.

» القمة الأربعون والملفات الثقيلة

ملفات كثيرة، وثقيلة ستكون على طاولة هذه القمة، التي تنعقد في أشد الظروف حساسية، ويعوّل عليها الكثيرون بأن تصعد إلى مستوى الطموحات بحنكة قادة دول المجلس، لعلّ أبرزها العنوان الشامل لجدول أعمال القمة، الذي عبّر عنه بيان مجلس الوزراء الموقر الأسبوع الفائت، بعد أن رحب بالقادة الخليجيين في الرياض، موضحًا أن القمة ستبحث كافة الموضوعات المهمة لتعزيز مسيرة التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء في كافة المجالات، وهو ما أشار إليه أيضًا الأمين العام لمجلس التعاون الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، الذي قال إن القمة التي ستنعقد اليوم الثلاثاء 10 ديسمبر ستبحث تعزيز مسيرة التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء في مختلف المجالات السياسية والدفاعية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تدارس التطورات السياسية الإقليمية والدولية والأوضاع الأمنية وانعكاساتها على أمن واستقرار دول المجلس، مؤكدًا ثقته بأن القمة الأربعين لأصحاب الجلالة والسمو قادة المجلس سوف تخرج بعون الله بقرارات بنّاءة تعزز اللحمة الخليجية، وتعمق الروابط بين الدول الأعضاء.

» توازن الثقة مع الآمال والتطلعات

الخليجيون يثقون في الرياض كشقيق أكبر، مثلما يتفاءلون بها كأيقونة سلام، وتصريحات رئيس الوزراء الكويتي، ووزير الخارجية الإماراتي، ومسؤولين عُمانيين وكتَّاب رأي ومراقبين إستراتيجيين، بما حفلتْ به من مشاعر التفاؤل بهذه القمة، تجعل الجميع ينتظرها بشغف، تأسيسًا على ما يعرفه الجميع عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بشخصيته الحاسمة، من حرصه على ألا تكون أي قمة يأخذ هو فيها ـ أيده الله ـ مكانه في منصة الرئاسة مجرد رقم لاجتماع، وهو رجل الحزم والقرار، ورجل الوحدة والكلمة الجامعة، والرجل الموقف، الذي طالما توسطتْ صورته أطراف خلاف ما كان أحد يتوقع أن تلتقي يومًا ما، فضلًا عن أن تجلس إليه في ديوانه لتوقع معاهدات الصلح كما حدث مؤخرًا بين عدد من دول القرن الأفريقي، أو كما حدث مع الأفرقاء في الشرعية اليمنية، وغيرهم، لهذا تبقى قمة سلمان بن عبدالعزيز بالنسبة لشعوب المنطقة هي منبع الثقة، وملتقى الآمال، والموعد المنتظر لتمتين عرى الأخوة، وتأكيد صلابة البيت الخليجي، وقدرته على مواجهة الأخطار.

نعم.. ستبقى قمة الرياض، وإن لم تبح بأسرارها بعد، وفي ظل ما يُمكن قراءته من إشارات التفاؤل والأمل، ستبقى طالما أنها تنعقد في كنف سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الشاب صانع الأحلام، ستبقى موعدًا مرتقبًا لضماد جراح الخليج، ومصلًا فائق الفاعلية لحماية الجسد الخليجي من سرطان التفتت لا سمح الله، ونصلًا حاسمًا لقطع أيدي القوى الشريرة التي تتربص بدول المنطقة، وتريد أن تستثمر بكل ما أوتيتْ من خبث في أزماته، من أجل بسط نفوذها، والاستيلاء على مقدراته، وهذه ليستْ مجرد آمال تضخها العاطفة، بقدر ما هي قراءة في عقل قائد فذ رهن حياته لقضايا أمته منذ نعومة أظفاره، ولا يزال يتعهدها بدوافع القائد الزعيم، والأب الحليم بسعة أفقه، وحلمه، وبعد نظره، فهل يستوعب الآخرون رؤية سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده، ليقابلوهما في منتصف الطريق ضمانًا لمستقبل شعوب الخليج، واستدامة أمنها ورخائها؟.

هذا ما ننتظره، وينتظره الخليجيون، وكل عربي غيور تجري في عروقه دماء العروبة.
المزيد من المقالات
x