عاجل

القمة الخليجية في بلد الهمة

القمة الخليجية في بلد الهمة

الثلاثاء ١٠ / ١٢ / ٢٠١٩
منذ زمن ما قبل إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، دأب قادته على التعامل مع كل أزمة أو طارئ بأسلوب الوفاق والتأكيد على وحدة الكلمة فيما بينهم. ورأى كل قارئ ومؤرخ ومطّلع كيف أن المملكة العربية السعودية ودولة الكويت وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ومملكة البحرين كانت تمشي في خطوط متوازية، وسط تشابه في توجهاتها السياسية والاقتصادية، وبالطبع النمط والنسيج الاجتماعي المتشابه. ووسط حكمة قادة هذه الدول، فقد استطاعت وخلال فترات قصيرة أن تنمّي كل نواحي الحياة في دولها؛ لتصبح هذه الدول من الأكثر استقرارًا سياسيًا وأمنيًا وأكثرها رخاءً اقتصاديًا ليس في المنطقة العربية أو الشرق الأوسط فحسب، بل على مستوى العالم. ولتصبح هذه الدول الست مثلًا يُضرب به في تشابه التكوين والخطط التنموية، والأهم من ذلك، هو قوة وصلابة التقارب والتلاحم بين الحاكم والمحكوم في هذه الدول.

وفي نهاية العقد السابع وبداية العقد الثامن من القرن الماضي، حدثت هزات كبيرة وقلاقل غيّرت الكثير مما يجري في المنطقة، ومنها على سبيل المثال الإطاحة بالشاة محمد رضا بهلوي، وبزوغ قوة الملالي في إيران، وكذلك الغزو السوفييتي لأفغانستان واغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات، وغيرها من الأحداث الجِسام التي رغم ثبات الدول الست، فكان من الممكن أن يكون لها تأثير غير مباشر. ولهذا كانت الدول الست في العام 1981م جاهزة من أول بادرة لأي حديث يخص وجوب وأهمية تشكيل مجلس خاص بها، ليكون محل ترحيب من قادة الدول الست؛ ليتم تكوين منظومة إقليمية سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية. وبإجماع قادة الدول الست في ذلك العام، تم إنشاء المجلس وأصبحت العاصمة «الرياض» هي المقر الرئيس لأكثر تجمّع متناسق، والذي أصبح من أهم المنظومات التي يُشار لها بالبنان فيما يخص الاستمرارية والقوة الاقتصادية المؤثرة، خلال فترة قصيرة.


ومع مرور الوقت كان واضحًا أهمية هذا المجلس الذي تعرّض لاختبارات عدة، كان أهمّها وأكثرها خطورة السنوات الثماني من الحرب العراقية - الإيرانية، واستطاعت دول المجلس تجنّب تأثير الحرب على المسيرة التنموية. وبعدها أتى الغزو العراقي لدولة الكويت؛ ليرى فيه العالم قدرة دول مجلس التعاون على التعامل مع حدثٍ بمثل هذا الحجم. وهذا بدوره أثبت ما عليه دول الخليج من قوةٍ في التلاحم والتشابه في أساليب إدارة دفة الحكم.

وفي فترة ما يُسمّى بالربيع العربي الذي فتك ببعض دولنا العربية، فعندها واجهت دول مجلس التعاون تحديًا من نوع جديد، بعضه كان يأتي من الداخل بسبب إيديولوجيات مختلفة ومتنوعة، كان من الضروري العمل على التصدي لها. ومرّت الأيام والسنون دون أن يرى العالم أي بوادر لانفراج تبعات الربيع العربي في دول قريبة جغرافيًا لدول الخليج، إضافة إلى تحركات إيرانية مشبوهة لملامسة الداخل الخليجي. وأصبح لزامًا وضرورة للتحرّك، ولكن كانت المفاجأة هي أن مجلس التعاون الخليجي تعرّض لهزة اضطرت معها 3 دول من دول مجلس التعاون لمقاطعة أحد أعضاء هذا المجلس، بعد سنوات من التطلع والأمل في أن تقوم الدولة التي تمت مقاطعتها بالتراجع التلقائي حفاظًا على قوة المجلس وحفاظًا على وحدته. ولكن حدث ما ليس متوقعًا، واستمرت المقاطعة التي كان من الممكن إنهاؤها في حالة الالتزام بنقاط محددة، وشروط ليس من الصعب تنفيذها.

ولهذا السبب يأتي مؤتمر القمة الخليجي الأربعون الذي سيُعقد في مدينة الرياض، في هذه الأيام، كأحد أهم الأحداث التي ينتظرها ليس فقط مَن في المنطقة، بل وفي العالم أجمع. والآن، فكل مَن في المنطقة والعالم أجمع بدأ يُطلق على هذه القمة قمة المصالحة المتوقعة، وقمة انفراج محتمل في أزمة تُعتبر أول مرة يتعرض فيها إلى معضلةٍ داخليةٍ تمسّ داخل البيت الخليجي. ولكن في نفس الوقت، فالكل يعلم بأن المملكة العربية السعودية وحكامها منذ أن أسّسها جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود «طيّب الله ثراه»، حريصة على حسن الجوار، وعدم التدخل في شؤونهم، والحرص على أي وحدة تربطها بأشقائها العرب، واحترامها لكل مواثيق المنظمات الدولية التي تنضم إليها. ولهذا السبب أصبحت المملكة العربية السعودية هي الوجهة الرئيسية لحل الكثير من القضايا الإقليمية؛ بسبب حكمة قادتها، وثقة العالم بالمصداقية في اتخاذ القرار، والتعامل مع الأحداث. ومن خلال قراءة سريعة للسنوات القليلة الماضية، كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز «يحفظه الله»، حريصًا على وحدة الكلمة، ليس لدول مجلس التعاون الخليجي، بل في عالمنا العربي، ومحيطنا الإسلامي. فقد رأى وتابع العالم أجمع كيف أن الملك سلمان، وأثناء زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمملكة كأول دولة يزورها بعد فوزه في الانتخابات الأمريكية، قام بتحويل الزيارة إلى قمة تعتبر الأكبر من خلال تواجد أكثر من خمسين من زعماء وممثلين للدول الإسلامية. وما هذه الخطوة إلا تأكيد على مكانة المملكة وقدرتها على لمّ شمل البيت الخليجي، في قمةٍ تأتي في أكثر الأوقات حساسية وأهمّها في وقتٍ.. العالم يتغيّر بسرعات كبيرة، والأحداث تصبح ككرة الثلج التي تتنامى في الكبر إذا لم تتوقف عن التدحرج. والمملكة حكومة وشعبًا لديهم القلب الكبير الذي يتسع لاحتواء كل ما له علاقة بالتسامح والتعاون بين دولٍ تربطها علاقات تاريخية واجتماعية تتمثل في الروابط الأسرية بين أبناء شعوب الدول الست. وهذه فرصة لكل دول مجلس التعاون؛ للوقوف صفًا واحدًا ضد التحديات وتنقية الأجواء، لكي يتم المضي في التنمية، وتهيئة الأجواء لشعوبها لكي تستمر في العيش برخاء وأمن وأمان واستقرار.

كاتب ومحلل سياسي
المزيد من المقالات
x