الخديعة الكبرى

الخديعة الكبرى

السبت ٠٧ / ١٢ / ٢٠١٩
جاء رجل إلى القاضي إياس بن معاوية، وهو أحد القضاة الدهاة الذين يُضرب بهم المثل في الذكاء والفطنة، وسأله: هل تضربني إن أكلت التمر؟ فرد إياس: لا، فسأله الرجل من جديد: هل تضربني إن شربت قدرا من الماء؟، فقال إياس: لا، فقال الرجل مبتسما وقد ظن أنه غلب إياس بن معاوية: إذاً لماذا يكون نبيذ التمر حراما وهو خليط بينهما؟ فقال إياس: إن رميتك بالتراب هل تتوجع؟ قال الرجل: لا، فقال إياس: ولو صببت عليك قدرا من الماء، هل ينكسر أحد أعضائك؟ قال الرجل: لا، قال إياس: ماذا لو صنعت من الماء والتراب طوبا وتركته يجف في الشمس وضربت به رأسك؟ قال له الرجل: ينكسر الرأس، فقال إياس: ذاك مثل هذا.

لم ينته مثل هذا السائل مع وضوح الحجة، بل ما زال له طلبة ومريدون يسيرون على طريقه، فوقعوا في شراك الظن أنهم عباقرة ومختلفون عن غيرهم فتركوا تطوير قدراتهم والبحث عما يرقى بهم، وأضاعوا أعمارهم وفكرهم في التفنن في التشغيب ومناقضة أمور بدهية، أفنى العباقرة حقا أوقاتهم في إثبات صوابها وأهميتها، ولكن قاتل الله الجهل كم يجرئ أصحابه!


متفقون أن المبدع قد يخالف المألوف، فهو ينظر للأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة، ولكن لا يمكن أن يكون المبدع مبدعا حينما يخالف المتفق على صحته والثابت بما لا شك فيه، ولو كان مبدعا حقا فسيجد فكرا أو موضوعية تهيئ له إياسا يبين له خلل تفكيره وسوء منهجيته.

لقد كان من الأفضل والأكثر نجاحا للواقعين في شراك الخديعة المؤلم أن يُبقوا ذكرهم بتطوير الذات ومن ثمّ تقديم مشاريع مميزة تجعلهم يفخرون بأنفسهم، بدل مخادعة النفس والآخرين، وليثقوا أنهم لن يخدعوا أنفسهم ولا غيرهم طويلا، فالباطل لا يدوم، وحتى الإمعات الذين قد تنطلي عليهم أطروحاتهم لفترة سيصحون يوما، وينفضون مع من انفضوا، ومن قرأ التاريخ عرف، ومهما يكن عند امرئ من خليقة، وإن خالها تخفى على الناس ستُعلم، وقد يكون ذلك بعد الرحيل، في أسوأ إرث يترك.

اللهم لا تجعلنا مخادعين ولا مخدوعين.

@shlash2020
المزيد من المقالات
x