الأمن المائي يبدأ بـ«قطرة»

الأمن المائي يبدأ بـ«قطرة»

تواجه المملكة تحديات عدة في توفير المياه العذبة، التي تكفي الاستهلاك المحلي للأفراد والصناعة والزراعة وغيرها، ورغم نجاحها في توفير تلك المياه عبر أكثر من وسيلة إلا أن المستقبل المائي على المحك، لذا استوجب اتباع سياسة الترشيد في الاستهلاك إلى أقصى درجة ممكنة، التي بدورها توفر للدولة مليارات الريالات، والتي تنفقها على مشاريع تأمين المياه.

وتحتل المملكة، التي تقع ضمن النطاق الجاف، المرتبة الثالثة عالميًّا في مستوى استهلاك الفرد للمياه بعد الولايات المتحدة الأمريكية وكندا؛ وهو ما يشير إلى أن معدل الاستهلاك مرتفع قياسًا بندرة مصادر المياه، وتعتمد على محطات التحلية بوصفها مصدراً رئيسًا لتوفير المياه.

وأكد مختصون ضرورة تعزيز الجهود المشتركة لنشر الوعي البيئي بأهمية المياه، والتعريف بأهمية الحفاظ على الثروة المائية، ورفع مستوى الاستدامة، لاسيما أن المملكة واحدة من أكثر بلدان العالم شحًا في المياه نظرًا لمحدودية مصادرها الطبيعية وشح الأمطار.

وشددوا على أهمية البرامج والحملات التوعوية لترشيد استهلاك المياه بهدف زيادة الوفر المائي وتحقيق الاستدامة المائية، والحفاظ على الموارد الطبيعية لبقائها للأجيال المقبلة.

محلل اقتصادي: 30 % حجم المياه المهدرة

أوضح عضو اللجنة السعودية للاقتصاد والمحلل الاقتصادي د. عبدالله المغلوث أنه على الرغم من التقدم التكنولوجي الكبير الحالي الذي يؤثر في كافة مناحي الحياة، وعلى رأسها الاقتصاد، إلا أن الأخير يبقى معتمدًا بقوة على الموارد الطبيعية وفي مقدمتها المياه.

وقال المغلوث: إنه منذ فجر التاريخ استوطن الناس الأماكن بجوار مصادر المياه، سواء أكانت أنهارا، أم ينابيع، أم واحات، أم آبارا بهدف تلبية احتياجاتهم الرئيسية سواء في الزراعة أو الاستخدامات المنزلية كالشرب أو الطهي وخلافه، حيث تسببت حيوية المياه بالنسبة للاقتصاد على مر العصور في ظهور ما يعرف بـ«اقتصادات المياه» ويقصد بها حساب تأثيرها في معدلات النمو وتقدير تأثيرات غيابها أو شحها على الاقتصاد، بكافة أنشطته زراعية أو صناعية أو خدمية.

وأضاف: وقد قدرت وزارة البيئة والمياه والزراعة حجم المياه المهدرة بـ30%، معتبرة أن حجم المياه المهدرة يشكل تحديا ويضع المملكة في مستوى أدنى بكثير من أفضل الممارسات العالمية التي يقدر متوسطها بـ7%، وبلغ متوسط نصيب الفرد في السعودية من استهلاك المياه خلال العام الماضي، نحو 289 لترا يوميا، مسجلا ارتفاعا نسبته 8.8%، يعادل 23.5 لتر، مقارنة بمتوسط نصيب الفرد خلال عام 2017، والبالغ 266 لترا.

أكاديمي: طفرة عشوائية أدت إلى استنزاف المياه

أوضح الأكاديمي وخبير المياه د. محمد حامد الغامدي أن هناك أخطاء أو عوامل مباشرة وأخرى غير مباشرة، أسهمت في استنزاف المياه الجوفية، فالمعونات، والقروض، والتسهيلات من العوامل غير المباشرة، كنتيجة يمكن أخذ أي عامل ساعد وشارك في زيادة الرقعة الزراعية أو زيادة الإنتاج الزراعي، يمكن أخذه كعامل أسهم في استنزاف المياه الجوفية.

وقال الغامدي: لكن هناك حزما من العوامل تتلخص في التالي: برامج التسهيلات الحكومية الزراعية مثل الإعانات والقروض؛ التوسع الأفقي بزيادة الرقعة الزراعية؛ التوسع في بناء المشاريع الزراعية؛ تأسيس الشركات الزراعية؛ زيادة الإنتاج الزراعي؛ التوسع في حفر الآبار الارتوازية، حيث بلغت أكثر من (100) ألف بئر بنهاية خطة التنمية الخامسة (1995م)، بخلاف الآبار العشوائية؛ وأخيرا فإن عامل توجه التوسع الزراعي فاق التوجه نحو المحافظة على المياه النادرة.

مخاطر مقلقة

وردا على سؤال قال الغامدي: هناك بعض المخاطر والظواهر المقلقة والنتائج التي ألقت بظلالها على مسيرة القطاع الزراعي والمياه، وذلك بسبب الأخطاء والتجاوزات ومنها: انخفاض مناسيب المياه الجوفية، جفاف العيون الفوارة في المملكة، تنامي القلق على مستقبل الأمن المائي والزراعي، تخفيض وإلغاء معونة القمح وتراجع مساحاته، كنتيجة زادت مساحات زراعة الشعير والأعلاف، ما زاد الطين بلة، حيث وصل استهلاك زراعة الأعلاف الى أكثر من (17) مليار متر مكعب سنويا، وانتشار ظاهرة المزارع المهملة في جميع مناطق المملكة. إن كل تلك المخاطر والمؤشرات تلخص الخطورة الأعظم التي تواجه المملكة وهي العطش القادم في ظل استمرار هذه العوامل وغيرها من العوامل الأخرى المؤثرة سلبا على مستقبل مياهنا الجوفية، في ظل ندرة مواردها الطبيعية.

زراعات عشوائية

وعن الجهود المبذولة من وزارة البيئة والمياه والزراعة قال الغامدي: تعاظم توجه الوزارة نحو التوسع الزراعي على حساب التوجه نحو المحافظة على المياه، في ظل ندرتها في المملكة، حيث استنزفت هذه الزراعات العشوائية أكثر من (700) مليار متر مكعب خلال العقود الماضية من المياه الجوفية غير المتجددة الاستراتيجية على حساب نصيب الأجيال القادمة من هذه المياه الثمينة.

حلول ممكنة

وعن أبرز الحلول التي تسهم في الحد من استهلاك المياه قال الغامدي: هناك دوما بريق أمل يدعونا إلى الحفاظ على كميات المياه المتبقية في باطن الأرض، وتوفير المياه المستنزفة بترشيد استخدامها وتقنين الاستفادة من كل قطرة ماء مستخرجة من باطن الأرض، وانطلاقا من المبدأ الاقتصادي للتنمية المستدامة التي تعني الاستخدام الاقتصادي الكفء للموارد المتاحة، بما يحقق أقصى عائد ممكن من تلك الموارد، بأقل قدر من التكاليف أو الخسائر، وبما يضمن عدم إهدار تلك الموارد، وضمان استمرارها، والحفاظ عليها للأجيال القادمة، فإنه هناك دوما الكثير من الإمكانيات والفرص التي يمكن بها تحقيق مستقبل مائي وزرعي أفضل.

مواطنون: إسراف كبير.. وثقافة غائبة

قال المواطن محمد الزهراني إنه يمكن ترشيد استهلاك المياه من خلال اقتناء أدوات جيدة خاضعة لمعايير ومواصفات دقيقة، مبينا أنه عانى طيلة الشهور الماضية من ارتفاع فاتورة الماء حيث تضاعفت مرات عديدة عما كانت عليه في السنوات الماضية.

فيما دعا سعيد الغامدي إلى ضرورة التوعية بأهمية الماء سواء في المدارس أو عبر منبر الجمعة، مبينا: للأسف هناك إسراف كبير في استخدام المياه سواء في تنظيف البيت أو استعماله بكثرة وعدم تقنينه.

في حين قال سعد الشمراني إنه استعمل التقطير في حديقة منزله حفاظا على ترشيد المياه.

وأضاف: نعاني شح المياه والدليل الآبار المتوافرة فيها المياه بعد أن كانت تفيض بالمياه أصبحت تشكو الشح، مضيفا إنه خلال سنوات مضت كانت ثقافة المنازل هي الاستخدام المبالغ فيه، وجميعنا نتذكر كمية المياه المهدرة في الشوارع وغسيل المركبات.

برنامج ترشيد وطني لاستدامة الموارد المائية

بيّن الرئيس التنفيذي لشركة المياه الوطنية م. محمد الموكلي أن البرنامج الوطني لترشيد استهلاك المياه في المملكة (قطرة) سيسهم في الحد من الاستخدام غير الأمثل للمياه، ونشر الوعي بأهمية ترشيدها، وضرورة تغيير سلوكيات استخداماتها، مؤكدًا أن البرنامج سيكون له أثر فعّال في إحداث التأثير الإيجابي بخفض معدلات الاستهلاك، إضافة إلى رفع الوعي المائي، وتحقيق استدامة الموارد المائية، والاستثمار الأمثل للثروة المائية عبر ترشيد استهلاكها والحفاظ عليها.

» ثروة وطنية

ودعا الموكلي المجتمع المدني والمواطنين كافة للتفاعل مع برنامج قطرة؛ باعتبار المياه ثروة وطنية غير متجددة، مبينًا أنه أحد برامج مبادرات التحول الوطني المعني بتنفيذها قطاع المياه وفق أهداف رؤية المملكة 2030.

» اكتشاف التسربات

واعتبر الموكلي أن التسربات داخل المباني أحد أهم أسباب ارتفاع الاستهلاك، الذي يؤدي إلى ارتفاع قيمة الفاتورة، موضحًا أنه يمكن معرفة التسربات من خلال عدة إجراءات يمكن أن ينفذها العميل بنفسه، أو اللجوء إلى شركات متخصصة في كشف التسربات للتقليل من هذا الهدر.

» استهلاك الفرد

وقال الموكلي: «يبلغ متوسط استهلاك الفرد من المياه في المملكة 263 لترًا يوميًا، وحسب الإستراتيجية الوطنية للمياه نعمل جاهدين من خلال برنامج (قطرة) أن يصل إلى 200 لتر بحلول عام 2020، وسنستمر في العمل على خفضه إلى 150 لترًا في عام 2030؛ وذلك عبر حزمة من البرامج التوعوية والتوجيهية، وحلول ترشيد الاستهلاك، تنفذ بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة لتوفير أدوات الترشيد».

«المواصفات والمقاييس» تعتمد «بطاقة كفاءة»

أوضحت شركة المياه الوطنية أنه تم اعتماد بطاقة كفاءة ترشيد الاستهلاك من قبل الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس حسب اللائحة الفنية الصادرة من الهيئة، والتي تهدف إلى ترشيد استهلاك المياه من خلال المنتجات المشمولة في قائمة هذه اللائحة وفقًا لمعدلات استهلاك المياه المحددة، وتوجيه الموردين للأدوات المرشدة من قبل الجهات المعنية بالالتزام بتوفير الأدوات المعتمدة في السوق المحلي على مستوى المملكة وإيقاف الأدوات غير المرشدة.

وأشارت الشركة إلى أن الأدوات المعتمدة من هيئة المواصفات والمقاييس ستسهم في توفير 30% من استهلاك المياه، إضافة إلى أن السلوكيات السليمة تساهم بمتوسط خفض يبلغ قرابة 19%.

2 مليون عداد ذكي في مناطق المملكة مطلع 2020

سجل نهاية سبتمبر من العام الجاري تركيب أكثر من 1.7 مليون عداد ذكي بمناطق المملكة المختلفة، مبينة أنها تمثل نسبة 87% مِن مليوني عداد ذكي مستهدف تركيبها مطلع عام 2020.

وبيَّنت شركة المياه الوطنية أن الهدف من بناء هذه المنظومة تحقيق مفهوم التحوُّل الرقمي في الخدمات، وتعزيز التواصل والإرشاد المستمر للعملاء لما تتمتع به العدادات الذكية من خصائص وميزات تدعم التحكم بالاستهلاك، وذلك من خلال إرسال رسائل تنبه العملاء إلى ارتفاع الاستهلاك، بالإضافة إلى إصدار الفواتير في يوم 28 من كل شهر ميلادي، وميزات أخرى تدعم الكفاءة التشغيلية تتضمن تحديد حالة وصول المياه للعملاء، وغيرها من التنبيهات الاستباقية التي تحقق سرعة الأداء وجودة التشغيل.

«رشد» ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية

شهدت مبادرة «رشد» التي أطلقت، أخيرا، تفاعلا من المواطنين، وذلك بالكشف عن التسربات الداخلية في منازل العملاء ومعالجتها، ومن ثم تركيب أدوات الترشيد المعتمدة.

وتأتي هذه المبادرة كونها أحد برامج المسؤولية الاجتماعية، التي تنفذها المياه الوطنية لمساعدة العملاء، الذين يعانون الاستهلاك المرتفع.

وأكدت شركة المياه الوطنية أن هذه المبادرة تستهدف خفض الاستهلاك المائي وتجربة خدمة 1000 عميل في منازلهم، حيث يجري اختيارهم على أساس ارتفاع ملحوظ في كميات استهلاكهم، إضافة إلى عدة معايير أخرى منها أن يكون العقار سكنيا ولا يزيد عمره على 10 سنوات، وأن يكون العداد رقميا ويخدم وحدة سكنية فقط، وعدم إزالة أدوات الترشيد أو العبث في الأعمال المنفذة دون إخطار شركة المياه الوطنية مسبقاً، ويمكن الاطلاع على كافة الشروط من خلال الفرع الإلكتروني.

وذكرت الشركة أن معظم التسربات تكمن مواضعها بشكل أساسي في عوامة الخزان الأرضي، يليها رقبة الخزان الأرضي، فيما تبلغ احتمالية وجود تسرب الوصلة بين العداد والخزان بنسبة 10%، مشيرة إلى أن 20 فرقة ستنفذ مهمة الكشف عن التسربات الخارجية والداخلية، كما ستعالج جميع مشاكلها، إضافة إلى تركيب أدوات الترشيد في منازل العملاء المستهدفين.

إستراتيجية وطنية لمواجهة ندرة المياه

تعتبر المياه أحد أهم محاور التطور الاقتصادي والاجتماعي، حيث إنها أساسية لتلبية الاحتياجات البشرية، وإدارة البيئة، وضمان استدامة التطور الاقتصادي. وعلى الرغم من أهمية المياه، إلا أن المملكة تواجه تحديات كبيرة نظراً للاستخدام غير المستدام لموارد المياه، فضلاً عن محدودية مخزون المياه الجوفية غير المتجددة، التي تشهد استنزافاً متسارعاً.

وفي ظل الظروف المناخية القاحلة، تعد المياه المتجددة نادرة، علماً بأن الطلب المرتفع على المياه في القطاع الزراعي يفاقم من مشكلة ندرة المياه في المملكة.

وتمثل المياه وخدمات الصرف الصحي في القطاع الحضري تكلفة مرتفعة على الدولة، وتحتاج مستويات الخدمة إلى تحسين الجودة، كما يتطلب القطاع تحسين الأوضاع المؤسسية وآليات الحوكمة. ويعكس استخدام المياه في القطاع الزراعي تحدياً بيئياً نظرا لاعتماده على الموارد غير المتجددة، التي تمثل 90% من إجمالي المياه الموردة للقطاع.

ويعود الاستعمال المرتفع للمياه في القطاع الزراعي إلى الثغرات في سياسات قطاع المياه، والتشريعات وأوجه القصور العامة في الاستخدام، حيث تستهلك الأعلاف وحدها 67% من متطلبات المياه في القطاع الزراعي، بينما تبلغ كفاءة الري 50% في الوقت الحالي مقارنة مع ما يزيد على 75% وفقاً لأفضل الممارسات.

تفعيل دور المدارس لدعم جهود الحفاظ على الماء

يركز البرنامج الوطني لترشيد استهلاك المياه «قطرة» على أهمية ترسيخ ثقافة ترشيد استهلاك المياه لدى الأطفال.

وقالت شركة المياه الوطنية: يلتزم برنامج «قطرة» بشكل تام بتوفير الموارد اللازمة لتعليم الأطفال وإشراكهم في هذه الحملة، حيث نعمل في الوقت الحالي على تقديم مجموعة واسعة من المواد، التي يمكن استخدامها في المدارس أو المنازل لدعم جهود الحفاظ على الماء، حيث يقع على عاتقنا جميعا الحفاظ على الموارد الطبيعية بما يخدم مصلحة الأجيال القادمة ويسهم في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية التي نتمتع بها اليوم، كما نحتاج أن نعلمهم أن طريقة استهلاكنا للمياه اليوم لا تمثل النهج الأمثل لتحقيق الاستدامة.