خطبة الحرمين : الشكر على النعمة والاحتماء بالعلم تحصين للمسلم

خطبة الحرمين : الشكر على النعمة والاحتماء بالعلم تحصين للمسلم

الجمعة ١٨ / ١٠ / ٢٠١٩
- الشيخ خياط : الشكر تربية نبوية عظيمة تورث طمأنينة القلب

-الشيخ البعيجان : لا يجتمع في القلب إيمان بالقرآن وتصديق للكهنة الدجالين


أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط المسلمين بتقوى الله عز وجل، فهو خير زادٍ في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

وقال في خطبة الجمعة: أما بعد أيها المسلمون إن من عظيم منن الله تعالى على الصفوة من عباده، ما اختصهم به من كريم السجايا وجميل الصفات، التي عظمت بها أقدارهم، وسمت بها منازلهم، وارتفعت بها درجاتهم عند ربهم، وإن من أجل هذه الصفات قدراً، وأعظمها أثراً: صفة الشكر، وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه محبة وشهوداً، وعلى جوارحه طاعة وانقياداً.

وهو دليل على كمال عقل، وصلاح قلب، وصحة نفس، وسمو روح، وقد جاء في كتاب الله الأمر به كما جاء النهي عن ضده، وهو الكفران وجحود النعم، وعدم الإقرار بها، أو استعمالها فيما يكره المنعم، فقال سبحانه: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ )، وجاء فيه أيضا الثناء على أهل الشكر حيث وصف به أفضل الذكر.

واستدل فضيلته بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب الله سبحانه وتعالى أن يجعله كثير الشكر له على آلائه، وكان يدعو بهؤلاء الكلمات "اللهم أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكاراً، لك ذكاراً، لك رهاباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً إليك أواهاً منيباً..." الحديث.

وزاد الشيخ خياط في خطبته إن التقصير في شكر النعم لما كان ناشئاً عن الجهل به، أو عن الغفلة عنها ونسيانها، كان الطريق إلى شكرها بنظر كل امرئ إلى حاله وما خص به دون غيره، فإنه ما من عبد -كما قال بعض العلماء- إلا وقد رزقه الله تعالى في صورته أو أخلاقه أو صفاته أو أهله أو ولده أو ماله أو مسكنه أو بلده أو رفيقه أو أقاربه أو جاهه أو سائر محابه، أموراً لو سلبها وأعطي ما خص به غيره لما رضي بذلك، لاسيما من خص بالإيمان والقرآن والعلم والسنة والصحة والفراغ والأمن، وغير ذلك، ولذا جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه بإسناد حسن عن عبيد الله بن محصن -وكانت له صحبة- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصبح منكم آمنا في سربه، معافاً فيجسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا ".

ومن أسباب شكر النعم أيضا اعتبار المرء بحال من هو دونه في المال والولد والصحة وسائر المحبوبات الدنيوية، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم -في صحيحه- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعم الله ".

وإنها يا عباد الله لتربوية نبوية عظيمة، تورث طمأنينة القلب، وطيب الحياة، بالسلامة من اضطراب الفكر وكآبة النفس، ورحيل السرور وحلول الهموم ونزول العلل، واستحكام الآفات التي تذيب الأجساد، وتكدر صفو العيش، وتنغص مباهج الحياة.

وأضاف إمام وخطيب المسجد الحرام هذا وإن الوقوف في مقام الشكر لله رب العالمين، ليس مختصاً بذوي النعم، بل يدخل فيه أيضاً أهل البلاء: من فقر أو مرض أو خوف أو نقص في الأنفس، إذ أن في كل بلاء أربعة أشياء يسر بها أولوا الألباب فيشكرون الله عليها.

أولاها: أن من المتصور أن يكون وقوع هذه المصيبة على درجة أكبر مما هي عليه، فمجيئها على هذا الدرجة نعمة تستوجب الشكر.

والثاني: أنها لم تكن في الدين، إذ لا مصيبة أعظم من المصيبة فيه.

والثالث: أن فيها من ثواب للصابر عليها ورفعة مقامها وتكفير سيئاتها ما يحولها إلى رحمة ونعمة، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان -في صحيحيهما واللفظ للبخاري- عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم، ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ".

والرابع: أنها كانت مكتوبة في أم الكتاب ولم يكن بد من وصولها إلى من كتبت عليه، ولا مناص له من التسليم والرضا بها، ذلك الرضا الموعود صاحبه برضوان ربه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه بإسناد حسن عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ".

وفي المدينة المنورة بينّ فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن البعيجان إمام وخطيب المسجد النبوي في خطبة الجمعة اليوم أن الله منح الإنسان وسائل يكتسب بها العلم , ووهبه العقل والفهم , وأذن له في التعلم فقال (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) .

وأضاف فضيلته لقد اختار الله سبحانه الإنسان ليستخلفه في الأرض فوهبه العلم مناط العمل والتشريف , ومنحه العقل مناط الخطاب والتكليف , فقال (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) .

وأشار فضيلته إن من حكمة الله وسننه أن حجب الغيب عن خلقه بل وعن أحب عباده إليه فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) , وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه , فقال (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) .

وأكد فضيلته لا يجتمع في قلب عبد إيمان بالقرآن الكريم وتصديق لهؤلاء الكهنة الدجالين ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) , فتحصنوا بعقيدتكم وتمسكوا بقرآنكم واعلموا أن الله عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً .

وفي الخطبة الثانية أوضح فضيلته لقد امتحن الناس بدجل الكهنة والسحرة والعرافين والمشعوذين فتسلطوا على الضعفاء وتربصوا بهم واستهزئوا بعقولهم غاية الاستهزاء حتى التجأوا إليهم في السراء والضراء وصدقوهم في علم الغيب وخبر السماء وقد ثبت النهي عن إتيانهم وتصديقهم .

واختتم فضيلته الخطبة بالتأكيد على أن الله هو المتفرد وحده بعلم الغيب فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك فقد جعل لله شريكا وكذب على الله ورسوله .
المزيد من المقالات
x