خطبتا الجمعة في الحرمين : الابتزاز آفة وسائل التواصل الحديثة

خطبتا الجمعة في الحرمين : الابتزاز آفة وسائل التواصل الحديثة

- من أشر ما يوقعه اللسان واليد ابتزاز الآخرين واستغلال ضعفهم

- اللسان مفتاح للخير والشر وبالكلمة الطيبة يدرك المرء رضا خالقه


أكد فضيلة أمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور سعود بن إبراهيم الشريم, أن الناس بمجموعهم في سعة من أمرهم واسترخاء يستجلبونهما من الألفة والتواد والتراحم مالم تسط عليهم ألسنة حداد فاحشة، وأيدي موجعة عابثة، فإن اللسان واليد معولان كفيلان بهدم لبنات بنيان المجتمع المرصوص أو شرخه، ولا يكون الاستقرار النفسي والعملي لمثل ذلكم المجتمع إلا بمقدار ما للمعولين من مضي في بنيانه ؛لذلكم بين نبينا أثر اللسان واليد على الناس بعامة وعلى الفرد بخاصة وما يعنيه وصف الإسلام والإيمان لكل من هم.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم في المسجد الحرام: "إن من أشر ما يوقعه اللسان واليد في أوساط الناس فعلة دنيئة ونزعة خبيثة مغروستين في قلب أسود مرباد يجعل من ابتزاز الآخرين واستغلال ضعفهم سلما يصعد عليه للوصول إلى مآربه القبيحة وغاياته الدنيئة إنه الابتزاز ذلك السلاح الفتاك الذي لا يحمله إلا الجبناء الضعفاء لاصطياد فرائسهم ماديا وأخلاقيا من خلاله إنه سلاح خداع لا سلاح مدافعة إذ لم يك قط معدودا في أسلحة الشجعان الأقوياء الأسوياء.

وبين فضيلته أن الابتزاز عمل عدواني تقوده أنانية مفرطة للحصول على رغبات شخصية غير مشروعة من شخص مسلوب الإرادة أمام تهديدات بكشف أمور تدعوه إلى الانصياع كرها لما يطلبه المبتز منه، فيضطر مكرها إلى الاستسلام زما لنفسه من كشف المستور أمام الملأ وإظهار ما لا يود ظهوره ،من قبل نفس خبيثة علمت من أين تؤكل كتف فريستها وهذه لعمر الله الغلبة البغيضة التي استعاذ منها رسولنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم .

وأشار إمام المسجد الحرام إلى أن الابتزاز خلق ذميم وفعل لئيم ينبئ عن نفس دنيئة وقلب متنمر يظهر مخالب الإجرام أمام ذوي الضعف وقلة الحيلة فهو خلق ملئ بالقسوة والانتقام والاستغلال وهو غلبة وانتصار مزوران بلا ريب وأن الابتزاز: سجية لا دين لها ولا مذهب ،ولا يرقب ذووها في ضعيف إلا ولا ذمة.

وأوضح فضيلته أن الابتزاز ميدان واسع تلجه نفوس شتى قد اشترك أصحابها في الدناءة والغلظة ،والعدوانية وحب الذات والصعود على أكتاف الآخرين، وهو لا يختص بذوي العداوة والخصومة وحسب ،بل قد يلتاث به زوج مع زوجه ،وأخ مع أخيه ،وصديق مع صديقه ؛لأن النفس إذا خبثت لم يكن لها زمام ولاخطام ويستوي أمامها الخصم والصديق إلا من رحم الله ممن استمع إلى مقالة المصطفى صلى الله عليه وسلم فوعاها وأحسن بانتهائه إلى ما سمع،.

وقال الشيخ الشريم: "إن أكثر ما يكون الابتزاز في عصرنا الحاضر في الأخلاق والأعراض فهي الباب الخطير الذي يمكن أن يلج منه المبتز فيستسلم له الضحية ،سيما في زمن فورة وسائل التواصل الحديثة ،التي يكثر فيها التصيد والتحرش والمخادعة ويصول من خلالها ويجول ذئاب مسعورة وسراق متسلقون على أسوار الآخرين ولا ريب أن العرض يعد إحدى الضرورات الخمس التي أجمعت الملل قاطبة على حمايتها ؛لذا ينبغي أن يعلم أن المبتز خارق تلك الضرورة ،مقوض أمن المجتمع الأخلاقي ،فهو لص سارق ،وصائل فاجر ،قد وصفه وأمثاله ابن القيم حين قال: "فالهوى إمامه و الشهوات قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه ،فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور ،ويتبع كل شيطان مريد"

وأوضح فضيلته أن كثيرا من المعنيين قد تحدثوا عن الابتزاز فأسهب فيه أقوام وأطنب آخرون ومنهم من وصفه بالمشكلة ومنهم من وصفه بالظاهرة ،وأيا كان ذلكم فهو جريمة خلقية دون ريب وسوءة ينبغي أن يأخذها المعنيون في المجتمعات المسلمة بعين الاعتبار ،كما أن عليهم أن يعلموا أن الدواء لا يكون ناجعا إلا إذا أُحسِنَ تحديد الداء، وتم سبر دواعيه ومذكياته كما ينبغي أن يعلم أيضا أن مدافعة الابتزاز ليست حكراً على أحد دون أحد بل هي مهمة المجتمع بأكمله كل حسب مسؤوليته، فالأسرة مسؤولة في توعية ذويها ،والمدرسة مسؤولة ،والنخب المثقفة مسؤولة أيضا ،والمعنيون الأمنيون مسؤولون ،فدواء الابتزاز أمني وأخلاقي وتربوي، وكل واحد منها مكمل للآخر، فليس الجانب الأمني وحده كافيا، ولا الأخلاقي، ولا التربوي كذلكم ،فأما الجانب الأمني فهو دواء علاجي بعد الوقوع، وأما الأخلاقي والتربوي فهما دواءان وقائيان قبل الوقوع، فإذا فات الدفع فلا أقل بعد ذلك من الرفع، والوقاية خير من العلاج باتفاق العقلاء.

وفي المدينة المنورة بين فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالمحسن بن محمد القاسم, أن أسماء الله حسنى وصفاته عُلا، وله سبحانه في كل ذلك المثل الأعلى , والإيمان بها ركن التوحيد وبه صلاح العمل ومن صفات الله التي نطق بها الكتاب والسنة صفة الرضى, فهو تعالى يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى , وطلب رضا الله وحده هو الغاية التي شمَّر إليها أنبياء الله وأولياؤه وعباده الصالحون , قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ).

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم في المسجد النبوي: "إن التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة أجل عمل عند الله والله يرضى لعباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وأن يعتصموا بحبله جميعاً ولا يتفرقوا , قال عليه الصلاة والسلام ( إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا , فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ).

وأضاف فضيلته أن اللسان مفتاح للخير والشر وبالكلمة الطيبة يدرك المرء رضا خالقه , قال عليه الصلاة والسلام ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات ) , وكما أن الله يحب طهارة الباطن فهو يرضى عن طهارة الظاهر , قال عليه الصلاة والسلام ( السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ) .

وأكد أن الفوز كله في التمسك بالدين وهو الجالب لرضى الله ومن لزم ما يرضى الله رضي عنه وأرضاه , وإذا التمس العبد رضا ربه وآثره على كل ما سواه فإن الله يرضى عنه ويُرضي عنه الناس , ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس .

وأشار فضيلته إلى أن من رضي الله عنه أكرمه بنعيم في الجنة , قال تعالى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى? وَزِيَادَةٌ ) , والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
المزيد من المقالات