السعودية .. حضور عالمي وتأثير واسع

السعودية .. حضور عالمي وتأثير واسع

الاثنين ٢٣ / ٠٩ / ٢٠١٩

اتسمت السياسة الخارجية للمملكة بالاتزان مع العمل على تحقيق الأهداف الإستراتيجية في عالم متغير، وتجلى ذلك من خلال علاقاتها العربية والإقليمية والدولية.

» وضوح الرؤية

وعرف عن السياسة الخارجية السعودية أنها مستقلة في مواقفها، مع عملها على تحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنية، وأخذها البعدين العربي والإسلامي في الاعتبار، كركيزة أساسية للتعامل مع دول العالم المؤثرة في القرار الدولي.

واكتسبت المملكة موقعا عالميا رائدا لأهميتها الاقتصادية، وموقعها كوجهة للعالم الإسلامي، باعتبارها قبلة المسلمين، ولمكانتها كأكبر دولة عربية، وبحكم موقعها الجيوسياسي المميز.

» ركائز أساسية

وتقوم سياسات المملكة على أربع ركائز خليجية، عربية، إسلامية ودولية، ممثلة دوائر اهتمام متصاعد للتعامل حسب مرئيات الموقف وحساسيته وأبعاده الجيوسياسية.

وإيمانا من المملكة بأهمية الدور الذي تلعبه هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمنظمات الدولية عموما في سبيل رقي وازدهار المجتمع الدولي في كافة المجالات وفي مقدمتها الأمن والسلم الدوليان، فقد انضمت المملكة إلى كل هذه المنظمات وحرصت على دعم المنظومة الدولية بكل الوسائل والسبل المادية والمعنوية والمشاركة الفاعلة في أنشطتها.

» دور دولي

وتبقى المملكة في العرف السياسي الدولي حليفا مهما للعديد من دول العالم، بما فيها الدول الكبرى وغير الكبرى، ويشكل فقدان صداقتها والعلاقة معها خسارة كبرى لها تأثيرات مباشرة في الآخرين.

وتشير الأحداث وفقا لذلك انطلاقا من دور المملكة المحلي والإقليمي والدولي، إلى أن السعودية تبعا للمنطق التاريخي، دولة عظيمة في مكانتها السياسية والإسلامية وتأثيراتها الاقتصادية على جميع المستويات، ومن هذه المكانة بنت نموذجها المستقل في العلاقات الدولية.

» مبادئ مستقرة

وتستند السياسة الخارجية السعودية في المجال الدولي، إلى أسس ومبادئ مستقرة وواضحة ومنها: حرص السعودية على التفاعل مع المجتمع الدولي من خلال التزامها ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المنضمة إليها وقواعد القانون الدولي التي تحدد إطار السلوك العام للدول والمجتمعات المتحضرة.

وتلتزم المملكة عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية والتدخل في الشؤون الداخلية للغير، وشجب العنف وجميع الوسائل التي تخل بالأمن والسلم الدوليين، والتأكيد على مبدأ التعايش السلمي بين دول العالم.

» سلاح النفط

ويشار هنا إلى أن المملكة تحرص على استقرار أسواق النفط العالمية، والسعي لتنمية التجارة الدولية على أسس عادلة ومن خلال أسس اقتصادات السوق الحر.

وتم صبغ السياسة الخارجية السعودية بصبغة أخلاقية، من خلال تبنيها لمبدأ مساندة ضحايا الكوارث الطبيعية والمشردين واللاجئين في العديد من دول العالم.

ويمكن إيجاز الثوابت والمبادئ الأساسية للسياسة الخارجية السعودية في الانسجام مع مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء باعتبارها دستورا للمملكة، مع احترام مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة ورفض أي محاولة للتدخل في شؤونها الداخلية.

وأيضا العمل من أجل السلام والعدل الدوليين، ورفض استخدام القوة والعنف وأي ممارسات تهدد السلام العالمي أو تؤدي إلى تكريس الظلم والطغيان، وإدانة ورفض الإرهاب العالمي بكافة أشكاله وأساليبه، والتأكيد على براءة الإسلام من كل الممارسات الإرهابية.

» احترام المعاهدات

وتلتزم المملكة قواعد القانون الدولي والمعاهدات والمواثيق الدولية والثنائية واحترامها سواء كان ذلك في إطار المنظمات الدولية أو خارجها.

ويأتي الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية في المحافل الدولية كهدف أساسي من خلال الدعم المتواصل بشتى الوسائل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

وتقر المملكة مبدأ عدم الانحياز ونبذ المحاور والأحلاف التي تخل بالأمن والسلم الدوليين، مع احترام حق الشعوب في تقرير المصير وحقوقها المشروعة في الدفاع عن النفس.

» أفعال الخير

والمملكة تنطلق في علاقاتها الدولية من استعدادها الطبيعي للميل نحو الأفعال الخيرة والفاضلة، ولكن هذا يحدث وفق مسار قيمي في السياسة السعودية، يستند على ضرورة الفهم المتبادل للحدود الخاصة والحدود المشتركة في العلاقات الدولية.

والسعودية منذ نشأتها ترسخ وباستمرار قاعدة سياسية واضحة «لا نتدخل في شؤون الآخرين، لذلك على الآخرين ألا يتدخلوا في شؤوننا»، وهذه القاعدة السياسية التي تنطلق من الفطرة الطبيعية للدول، شكلت قواعد السياسة السعودية، وأن من يرتكب خطأ في فهم هذه القاعدة عليه أن يمتثل للحق، ويعتذر عن تجاوزه هذه القواعد في علاقاته مع المملكة، وهذا ما فعلته العديد من الدول التي ارتكبت خطأ في فهم علاقاتها مع المملكة.

» معايير القوة

يشار إلى أن سياسة المملكة عبر التاريخ أثبتت أنها مستعدة لسماع صوت الجميع في إطار سياسي واضح، فهناك الكثير الذي تقوله الدول لبعضها البعض في إطار تشاركي من العلاقات، محكوم بقيم فاعلة، تتميز بها كل دولة على حدة.

ولقد ضيقت العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، الفروق بين الدول من حيث معايير القوة التقليدية.

فالعديد من الدول أصبحت تمتلك مقومات قوتها من أبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية ونماذج قيمية وأخلاقية، ميزت شخصية تلك الدول.

والمملكة دولة مؤثرة في السياق الدولي، ومكانتها تتصاعد تدريجيا، وتتفهم مكانتها العالمية بشكل دقيق، لذلك تأتي تصرفاتها مرتبطة بفهم عميق لنفسها ودورها الريادي.

» ولي العهد

والحال كذلك فقد شكل صعود صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان وحضوره العالمي علامة فارقة في مسيرة المملكة ودورها المتعاظم إقليميا ودوليا.

وجذبت اللقاءات المهمة التي عقدها سموه مع زعماء العالم الاهتمام الإعلامي، فلقاءاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عكست عمق العلاقة السعودية - الأمريكية، والعلاقة الخاصة بين الأمير محمد وترامب الذي قال: «إنه شرف لي أن أكون مع ولي عهد السعودية، وهو صديق لي، ورجل فعل بشكل حقيقي أشياء خلال السنوات الخمس الماضية، فيما يتعلق بانفتاح السعودية».

ومثل هذه التعليقات من زعيم أكبر دولة في العالم لها دلالاتها السياسية وتأثيرها الإعلامي.

» اهتمام عالمي

وكان واضحا من خلال حضور صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان في قاعات الاجتماعات الرئيسية للمؤتمرات العالمية، أو في الجلسات الجانبية مع الزعماء الحاضرين لتلك القمم، العلاقة الشخصية المباشرة للأمير مع زعماء العالم التي يوظفها بذكاء من أجل تحقيق نجاح سياسي وعلاقات قوية وشراكات ومصالح متبادلة.

والسعودية وإن كان ينظر لها كلاعب اقتصادي مهم عالميا، بسبب دورها في مجال الطاقة والأعمال، فإنها أكدت حضورها السياسي المؤثر عبر تصديها للعبث الإيراني في المنطقة، وللسياسات التخريبية والميليشيات، ووقوفها في وجه الإرهاب، ولذلك لم يكن مستغربا أن يشيد الرئيس الأمريكي بدور المملكة، قائلا: إن «العالم كله ممتن لجهود السعودية في مكافحة الإرهاب».

» قوة ناعمة

والمملكة تتمتع بمكانة في محيطها الإقليمي، وتأثير في العالم الإسلامي، ودور ظاهر في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي اقتضى تشعب تحركها الخارجي وتعدد جهودها.

ووجدت زيارات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الخارجية صدى كبيرا لدى الشعوب التي زارها.

وتتفق السعودية مع الولايات المتحدة في موقفها القوي ضد المشروع النووي الإيراني الذي يشكل تهديدا ليس للمنطقة فحسب، بل للعالم بأكمله.

» انفتاح وتقدير

ومن المنتظر أن تتعزز علاقات المملكة مع القوى الدولية الكبرى باستمرار، فإذا كانت العلاقات السعودية - الأمريكية إستراتيجية حكمتها ضوابط ومصالح متبادلة على مدار العقود الماضية منذ تأسيس المملكة في ثلاثينيات القرن المنصرم، وإن شهدت مراحل للهبوط والصعود في مساراتها طبقا لتباين مواقف البلدين ومصالحهما، فإن انفتاحها مؤخرا على روسيا وتعزيز علاقاتهما خاصة في ظل الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى روسيا، مثل تحولا مهما في مسار السياسة الخارجية السعودية على المستوى الدولي، وسعيها لتحقيق التوازن في علاقاتها الدولية.

إذ انتقلت العلاقات مع روسيا من مجرد علاقات عادية دون وجود أي روابط سياسية أو رؤى مشتركة أو أهداف محددة إلى علاقات إستراتيجية يدعمها حجم الصفقات والشراكات الاقتصادية المتبادلة.

» تكثيف الجهود

ومن المنتظر أن تترسخ مكانة المملكة ودورها عبر تكثيف جهودها في حل النزاعات، توافقا مع ميثاق الأمم المتحدة، وتوظيف الدبلوماسية الاستباقية لمنع تفاقم هذه الأزمات وتحولها إلى صراعات عسكرية تنتج عنها كوارث، ومن ثم فهي تشارك المنظمات الدولية والدول المؤمنة بالعمل الجماعي في تحقيق السلم والأمن الدوليين، بحس المسؤولية والاعتدال.

وبالإضافة لذلك من المتوقع أن يزداد دور المملكة في إرساء قواعد العمل الإنساني.

» العالم الإسلامي

وحرصت المملكة على حشد وتكريس قدراتها ومواردها وتسخيرها لخدمة قضايا العالم الإسلامي وتحقيق أسباب ترابطه وتضامنه، وليس أدل على هذا من مبادرة المملكة مع الدول الإسلامية بإقامة منظومة من المؤسسات الإسلامية الحكومية وغير الحكومية، ومنها رابطة العالم الإسلامي ومنظمة التعاون الإسلامي ودعم الأمن الجماعي للدول الإسلامية، والعمل على تسوية المنازعات بين الدول الإسلامية بالطرق السلمية، وتقديم المعونات الاقتصادية للدول والمجتمعات الإسلامية ذات الإمكانيات المحدودة، وتقديم المساعدة والإغاثة العاجلة للدول الإسلامية المنكوبة، ومناصرة المسلمين والدفاع عن قضاياهم وتوفير الدعمين المادي والمعنوي للتجمعات الإسلامية التي تواجه تحديات وجودية.

» الدائرة الإقليمية

وفي الدائرة الإقليمية أولت المملكة اهتماما خاصا ويأتي في مقدمتها الملف اليمني الذي بادر خادم الحرمين منذ عام 2015 بالاستجابة لنداء السلطة الشرعية في اليمن (طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي في 24 مارس 2015، استنادًا إلى مبدأ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك)، حيث قادت الرياض تحالفًا عربيًا في عمليتي «عاصفة الحزم»، و«إعادة الأمل» لمواجهة تمرد ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران، وإنقاذ المؤسسات اليمنية.

وجاء ذلك انطلاقا من حرص المملكة على أداء واجباتها تجاه الدول الشقيقة ونصرتها، مع التأكيد على الدور الواضح لبرامج الإغاثة والمساعدات الإنسانية للشعب اليمني عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وذلك كي يتجاوز اليمن ظروفه وأوضاعه، وليستعيد دوره الطبيعي إقليميًا ودوليًا، وينهض بوطنه في أجواء من الأمن والاستقرار.

» القضية الفلسطينية

وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فالموقف السعودي ظل ثابتا وواضحا ومعبرا عن حرص المملكة على حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، وإدانة ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلية من تصعيد وتصرفات غير مسؤولة وكذلك وضع حد لبناء المستوطنات الإسرائيلية وإزالة ما أنشئ منها.

وتؤكد المملكة أن السلام الشامل والعادل والدائم لا يتحقق إلا بانسحاب إسرائيل الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، طبقًا لقـرارات الشــرعية الدولية ذات الصـلة، ومبادرة السلام العربية.

» التصدي لإيران

ومع تزايد السياسات الإيرانية العدوانية، إذ إنه رغم سجل نظام الملالي الحافل بنشر الفتن والقلاقل والاضطرابات في دول المنطقة بهدف زعزعة أمنها واستقرارها، والضرب بعرض الحائط بكل القوانين والاتفاقات والمعاهدات الدولية، والمبادئ الأخلاقية وذلك منذ قيام ثورتها 1979، إلا أن المملكة حرصت على ممارسة سياسة ضبط النفس طوال هذه الفترة، رغم معاناتها ودول المنطقة والعالم المستمرة من السياسات العدوانية الإيرانية، إلا أنه مع تزايد هذه التدخلات بشكل مباشر وعبر وكلائها من الميليشيات المجندة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وكذلك دعم نظام طهران المستمر للإرهاب من خلال توفير ملاذات آمنة له على أراضيه، وزرع الخلايا الإرهابية في عدد من الدول العربية، إضافة إلى برنامجه النووي ذي التأثير السلبي على البيئة وأمن واستقرار المنطقة، وخروقاتها المستمرة للاتفاق النووي تتصدى المملكة الآن لهذه السياسات العدوانية.

اتسمت السياسة الخارجية للمملكة بالاتزان مع العمل على تحقيق الأهداف الإستراتيجية في عالم متغير، وتجلى ذلك من خلال علاقاتها العربية والإقليمية والدولية.