"الإنفاق المفرط" يدمر ميزانية الأسر

"الإنفاق المفرط" يدمر ميزانية الأسر

مع تقارب المناسبات والأحداث الاجتماعية المتمثلة في أربعة مواسم والتي تبدأ تحديداً في شهر رمضان المبارك مروراً بعيدي الفطر والأضحى وانتهاءً بمطلع العام الدراسي الجديد، تعاني كثير من الأسر السعودية عجزاً مالياً في ميزانيتها الشهرية ما يؤدي إلى تراكم الديون وتحملها أعباء عديدة فوق طاقتها.

وكما قال مختصون إنه ربما في بعض الأحيان قد يكون أصعب شيء في توفير المال هو البدء، وفي أحيان أخرى كل ما يتطلبه الأمر هو تلك الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح لتحريك الأمور في الصالح العام، موضحين أن غياب الوعي الاستهلاكي لدى المستهلك، يلعب دوراً مؤثراً وكبيراً في استنزاف ميزانيته، كما أن حجم إنفاق الأسرة شهد ارتفاعاً ملحوظاً بنحو 50% خصوصاً بعد بدء العام الدراسي، ما يجعل هناك ضعفاً في الدخل الفردي المتاح، الأمر الذي تنشأ عنه مشكلة الموازنة بين الإيرادات والمصروفات.

===================

ضبط الميزانية يؤدي للاستقرار العائلي

أكد المواطن راضي العجمي أن تتابع المناسبات يرهق كاهل عائل الأسرة، مما يؤدي إلى وجود عجز مالي في الميزانية ولكن هناك أسبابا أخرى كذلك، منها تضخم في الأسعار وكثرة الالتزامات. مضيفاً: إنه على الزوجين أن يكونا متعاونين لتفادي الوقوع في الديون المتراكمة ومحاولة ضبط الميزانية بناء على الدخل المادي، وليس بناء على المظاهر ونحو ذلك، فالاستقرار العائلي أهم شيء للأسرة وهذا في الأغلب يتحقق من خلال الاستقرار المالي الذي يساهم في حياة سعيدة.

===================

الحل في «صندوق الاستثمار»

فيما قال المواطن عبدالعزيز السعد: إن الحديث سهل لكن التطبيق صعب في ظل تكالب الأعباء المالية وتزايدها فأنا رب أسرة مكونة من 6 أفراد، وراتبي 9 آلاف ريال وهناك قرض علي لسيارة والتزامات عديدة، مما يصفى من الراتب قرابة 3500 ريال وهذا مبلغ زهيد جدا، واقترح السعد وجود صندوق يستطيع الشخص من خلاله استثمار أمواله البسيطة وضمان الربح ويكون مخصصا فقط لذوي الدخل البسيط.

===================

تتابع المناسبات أجبرني على الاقتراض

فيما قال المواطن نايف سالم: إنه اضطر لاستخراج قرض شخصي «50 ألف ريال» لمواجهة تعدد المناسبات المتتابعة، بدءا بشهر رمضان وبعدها مناسبات الزواج خلال فترة الصيف، حيث هناك 4 من أقاربه تزوجوا ولابد أن يساهم معهم في الزواج. بالإضافة إلى مستلزمات الأسرة والسفر وعودة المدارس، مبينا أن هناك التزامات لا يمكن تجاوزها نظراً لأن المجتمع يجبرك على ذلك ورب الأسرة لا يرغب أن تكون أسرته أقل من غيرها.

===================

محلل اقتصادي: ميزانية الأسرة الشهرية تعالج العجز المالي

أوضح عضو اللجنة السعودية للاقتصاد والمحلل الاقتصادي د.عبدالله المغلوث لـ«اليوم» أن ميزانية الأسرة الشهرية تهدف إلى تنظيم المصروفات من نفقات وسداد الديون والادخار لتتوافق مع الدخل الشهري.

وردا على سؤال قال المغلوث: «تُساعد هذه الميزانية أيضاً على إدارة النفقات للتأكد من أن قيمة المصروفات الشهرية الفعلية لا تتعدى المخطط له مسبقاً وتعاني كثير من الأسر عجزاً مالياً في ميزانيتها الشهرية؛ بسبب طول فترة الإجازة المدرسية هذا العام إضافة إلى تخللها للعيدين بما فيهما من مصاريف للثياب والكسوة والأثاث، إضافة إلى عدد من الشعائر الدينية التي يكثر خلالها الإنفاق الاستهلاكي كشهر رمضان والحج، وكونها الفترة الموسمية لمختلف المناسبات الاجتماعية والأعراس وهذا مؤثر بشكل كبير على مداخيل ومدخرات الأسرة، ومع بدء الموسم المدرسي والعودة للمدارس فليس مستبعداً أن ترزح ميزانية الأسر ذات الدخل المحدود تحت وطأة تجهيز أبنائها وبناتها للعام المدرسي ومتطلباته من مستلزمات قرطاسية وزي مدرسي إضافة إلى الرسوم المدرسية ومصاريف النقل وخلافه».

إدارة الصرف والترشيد

واعتبر المغلوث أن عمل رب الأسرة اليوم هو المصدر الأساس غالباً لدخل الأسرة وتلبية احتياجاتها، وقد تعمل الزوجة وتساعد زوجها في الإنفاق مما يحسن الوضع الاقتصادي لهم، وفي كثير من المجتمعات يرتبط المستوى الاقتصادي للأسرة بمستواها الاجتماعي، ومن هنا يكون التخطيط الاقتصادي للأسرة مطلباً يجب أن يُربّى عليه الأبناء؛ لأن متطلبات الحياة كثيرة ولا تنتهي، ولابد أن يكون هناك إدارة وتخطيط للصرف والترشيد، حيث يحتاج جميع أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأبوان إلى نوع من التعليم والوعي في إدارة المنزل واقتصاديات الأسرة؛ لتكون لديهم مهارات تساعدهم في التعامل مع المواقف الاقتصادية والأزمات المالية، وهذه المهارات الاقتصادية المتعلمة والمكتسبة مرتبطة بالإنتاجية وتحسين الدخل ومستوى المعيشة، لها أثرها على اقتصاد الأسرة.

ميزانية المنزل من الأمور المهمة والحيوية في حياة كل أسرة، وفي رأيي أن عدم وجود ميزانية للأسرة أحد أهم أسباب عدم استقرار أوضاعها، فمتى ما وجدت ميزانية متوازنة وأفراد يقدرون مسؤوليتهم، قلت إمكانية التعرض للهزات المالية، فيما نلاحظ في الواقع أن معظم الأسر في تسوقها وإنفاقها للراتب تصرفه بشكل عشوائي، أو بحسب الظروف والاحتياجات، وليس بشكل مخطط ووفق جدول مرسوم للمتطلبات.

وأضاف: «في رأيي أن على المؤسسات الدينية من خلال خطب الجمعة والمساجد أن تحث المواطنين على عدم استهلاك كل ما في جيوبهم من أجل شراء أغراض ومستلزمات وأطعمة تفوق حاجتهم ولا نخفي هنا دور المؤسسات التعليمية من جامعات ومدارس بأن يكون لديهم حث لكي نضبط عملية الاستهلاك التي لا نحتاج إليها».

===================

مستشار اجتماعي: ترتيب الأولويات يعالج تعدد الالتزامات

قال المستشار الاجتماعي بدر الحماد لـ«اليوم»: إن الحالة الاقتصادية للأسرة لها التأثير الاجتماعي الكبير عليها، حيث إن تعدد الالتزامات المادية والديون ونحو ذلك يؤثر بشكل سلبي على الفرد وعلاقته بالمجتمع والأسرة وكذلك ينعكس على الأسرة ذاتها وتواصلها مع المجتمع والعكس صحيح.

وأضاف الحماد: إن التأثير يتجاوز ذلك إلى علاقة الزوجين ببعضهما عاطفيا ونفسيا، وأقرب مثال عند نزول الراتب فإن رب الأسرة يكون مرتاحا وسعيدا.

وعن كيفية تعامل الأسرة فيما بينها لمواجهة إرهاق الميزانية المالية أنه يجب أن يكون هناك ضبط ما بين الإيرادات والمصروفات ومراجعة أبرز الاحتياجات، وأهمها كذلك بالإمكان وضع الالتزامات المسبقة كإيجار ومأكل ومشرب وقرض ونحوه في بند خاص بها كذلك ترتيب الأولويات وتربية الأبناء والأسرة على آلية محددة في الصرف.

===================

الحالة المادية تؤثر على العلاقة الزوجية

أوضح المشرف العام على جمعية وئام للتنمية الأسرية بالدمام د.محمد العبدالقادر لـ«اليوم» أن الحالة المادية وكثرة الالتزامات تؤثر بشكل كبير على العلاقة بين الزوجين والأسرة بشكل عام.

وقال العبدالقادر: «إن المال عصب الحياة ولاشك أن الحالة المادية للزوج تؤثر على العلاقة بينهما واستقرار الأسرة، بنظرة عامة يتقدم لوئام سنويا ألفا شاب يرغبون في مساعدتهم ماليا لإتمام زواجهم 95 % منهم راتبه دون ستة آلاف ريال، وللأسف كثير منهم مثقل بالديون للبنوك ولذا تركز وئام على برامج الوعي المالي والتي أعددنا فيها 50 مدربا ومدربة».

وأضاف: «إن هناك طرقا تستطيع الأسرة من خلالها تجاوز إرهاق الميزانية في ظل تتابع الأحداث التي تتطلب ضخا ماليا مثل: الإجازة الصيفية والعيدين وعودة المدارس وذلك من خلال التفاهم والاتفاق ووضع أسس الحياة المالية مهم جدا بين الزوجين، الاستفادة من العروض وجدولة المشتريات وغيرها أمور من الضروري مراعاتها، والأهم هو تعزيز ثقة الأبناء بأنفسهم والقناعة بأن القيمة الحقيقية للإنسان بعلمه وخلقه ودينه».

تخفيف الأعباء

وأكد العبدالقادر على دور الزوجة في اجتناب الخلافات وتربية الأسرة على ضرورة عدم إثقال كاهل الزوج، مضيفاً: إنه لاشك أن الزوجة عليها دور كبير وعظيم في تخفيف العبء المالي على الزوج من خلال التأكد من أهمية احتياجات الأبناء وترشيدها وجدولتها والمحافظة عليها وصيانتها وتعويد الأبناء على طرق حفظ الممتلكات. أسلوب القصص والقدوة له تأثير ساحر في غرس هذه القيم والمفاهيم لدى الناشئة، كما أن المرأة العاملة تؤجر حين تساهم في توفير شيء من متطلبات الأسرة.

===================

مستشار مالي: المظاهر طغت على الأفراد والمجتمعات

فيما أكد المستشار المالي عبدالسلام الصقعبي لليوم أن تتابع المناسبات على الأسرة وخاصة في هذا الزمن الذي طغت فيه المظاهر على الأفراد والمُجتمعات، جراء الثورة المعلوماتية وبرامج التواصل ومشاهير سوشيال ميديا، وكيف استطاعت الجهات التسويقية أن تصل -من خلال هذه البرامج- إلى كافة شرائح المجتمع. لاشك أن هذا وغيره يثقل كاهل رب الأسرة ذي الدخل المحدود أو المتوسط في سبيل تلبية المتطلبات الترفيهية أو حتى الأساسية لأسرته، وهذا الأمر يكون مسؤولية الأسرة بالاتفاق، الأب والأم والأبناء..

وبالنظر إلى النتيجة العكسية التي سيؤول إليها الخلاف بين الزوجين وحال الأسرة بعد ذلك كان لابد للزوجين من الاتفاق على الآلية الجيدة للصرف في المنزل، والكثير من الخلافات التي تحدث في الأسر ويتم معالجتها في مركز التنمية الأسرية وفي المحاكم، يكون الجانب المادي حاضراً فيها.

إدارة الميزانية

وردا على سؤال قال الصقعبي، تحديد المدخولات الأساسية الثابتة للأسرة سواء كان عن طريق الوظائف الحكومية أو الممتلكات التجارية أو خلافها، وأيضاً تحديد المدخولات غير الثابتة، مثل: الهدايا الموسمية والمكافآت الوظيفية، تحديد المصروفات الأساسية والتي تشمل الإيجار، وفواتير الكهرباء، والماء، بما في ذلك المصروفات السنوية كالأعياد والمناسبات، أيضا توزيع المدخولات بالطرق التي تناسب الأسرة ومصروفاتها، مع الأخذ بالاعتبار المبالغ المُدخرة، وهناك نظريات كثيرة للتوفير المادي للأسرة، أشهرها نظرية (القمع أو الهرم المقلوب) التي تقوم على ترتيب الديون بصورة عكسية وتسديدها بشكل شهري، ثم تحديد مبلغ الادخار بما يساوي (20%) من المبلغ العام، ثم تحديد الباقي بين المصروفات الأساسية والترفيه والأزمات.

يجب تقييم مسألة الإنفاق في كل شهر وحساب المصروفات الزائدة والتقليل منها، كذلك يجب التركيز على المشاريع الكبيرة مبكراً كفكرة شراء منزل أو قطعة أرض، وأن يكون لها نصيب ثابت من ميزانية الأسرة.

أيضاً لابد من الانتباه للعوارض الطارئة مثل: الفصل من العمل أو انخفاض الراتب أو الإصابات المرضية المُزمنة.

يجب أن يتم إشراك أفراد الأسرة في وضع الميزانية والاتفاق على كل أوجه الإنفاق، الصغير والكبير، خاصة عند حدوث الأزمات المالية، أو قبل الشروع في المشاريع الكبيرة، أو التخطيط لمناسبة ترفيهية أو خلاف ذلك من المصروفات العالية.

يجب على رب الأسرة أن يدرك أن تكاتف العائلة يعني الترفيه والمكافأة، ولا يعني زيادة الضغط، لذلك فلا يمنع بين فترة وأخرى أن يخفف الضغط عن الأسرة ويفاجئهم برحلة أو برنامج ترفيهي ولو كان يسيراً.

الزوجة شريك أساسي في ميزانية الأسرة، فيجب على الزوج أن يستنير بالحديث معها فربما تُفتح له أبواب لم يكن يُفكر فيها بسبب اقتراح من شريكته، كذلك هي عامل مؤثر في زيادة التوفير وحسن الإدارة داخل المنزل.

===================

مستشار أسري: تقنين الصرف والاستعداد المبكر

قال المستشار الأسري والباحث في العلاقات الاجتماعية فهد القرني لـ «اليوم» إن تعدد المناسبات من إجازة وأعياد وعودة مدارس ونحو ذلك تؤثر على ميزانية الأسرة بشكل كبير، ولمواجهة ذلك يجب على الوالدين وضع خطة لمواجهة هذا الحدث لتلافي الدخول في متاهات الديون، كذلك من الأمور المهمة ثقافة الادخار ولو شيئا يسيرا وجدولة الأولويات في الصرف، كذلك البحث عن دخل آخر ووظيفة إضافية، كذلك لابد من التقنين في أوجه الصرف والبحث عن البدائل المناسبة، كذلك التعاون بين الزوجين والزوجة لها دور كبير في ذلك.

واعتبر القرني الاضطرابات المالية من أهم الأسباب التي تنشأ عنها الخلافات الأسرية، وأحيانا تكون هذه الاضطرابات بسبب العشوائية في الصرف المالي وعدم ضبط الميزانية، واستشهد القرني بتردد كثير على البنوك بمجرد انتهاء أول سنة من القرض الشخصي، واعتبر القرني أن البعض يتحمل ديونا بسبب كماليات لا حاجة لها.

وأضاف: إن دور الاخصائيين النفسيين والماليين مهم في توعية الأسر وتثقيفهم، وبإمكان رب الأسرة الاستفادة منهم واستشارتهم خاصة لمن يعانون عدم قدرة في التحكم بالميزانية.