إيران تراوغ بالتصعيد وتتراجع عند المواجهة العسكرية

وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي لـ^:

إيران تراوغ بالتصعيد وتتراجع عند المواجهة العسكرية

الاثنين ٢٦ / ٠٨ / ٢٠١٩
المملكة أنقذت دول الخليج من مخطط إيراني بإشعال فتن مذهبية

هل ممكن أن يدفع التوتر المتصاعد بالمنطقة واشنطن لتكرار سيناريو العراق مع إيران؟


- بدون شك المنطقة تمر بظرف دقيق جدا وتطورات متلاحقة وملتهبة، وإيران هي الشريك الأساسي في هذا التوتر والقلق، الذي تصاعد بشكل لافت منذ اتساع هوة الخلافات الأمريكية الإيرانية، التي بدأت بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، ثم فرض عقوبات اقتصادية على نظام الملالي وعلى عدد من قادة الحرس الثوري وشخصيات إيرانية متورطة بدعم وتمويل الإرهاب.

ولاحقا تطور إلى نحو غير مسبوق بعد تصفير صادرات إيران النفطية، فبدأت طهران في تصرفات أقل ما توصف بأنها طائشة ومتهورة، وستدفع حتما ثمنها غاليا إذ استهدفت السفن التجارية والمنشآت النفطية في دول خليجية، وبدأت في شن ما يطلق عليه «حرب الموانئ» باحتجاز سفن نفطية كما حدث للسفينة البريطانية في مضيق هرمز، بخلاف إيعازها لميليشياتها المسلحة بالمنطقة وتحديدا «الحوثي» في اليمن لتهديد حركة الملاحة الدولية في باب المندب.

كل هذا وضع المنطقة على فوهة بركان ما تطلب تدخلا دوليا عاجلا.

إذن هل سيتكرر السيناريو؟

- أرى أن تكرار سيناريو الغزو الأمريكي للعراق في 2003 مع إيران في العام الحالي، صعب لعدة اعتبارات.

أولها أن الولايات المتحدة تستعمل النظام الإيراني كجزء من إستراتيجيتها في المنطقة، وتشهد العلاقة بين واشنطن وطهران مدا وجذرا بحسب الرؤية والمتطلبات لكل مرحلة، لذا فإن الحديث عن حرب غير وارد على الإطلاق، والموقف لن يخرج عن إطار المناوشات أو التهديدات بدون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لهذه الاحتكاكات، كما أن إيران تجيد المراوغة بلهجة التصعيد وعندما يصل التوتر إلى نقطة معينة تتوقف فورا.

الجميع يعلم أن الولايات المتحدة هي القوى الأكبر في العالم، ولو عزمت على القضاء على إيران لفعلت، لكنها لن تنجرف إلى مرحلة المواجهات العسكرية التي تدرك خطورتها وما ستتكبده من خسائر، ولن تكرر التورط كما فعلت في غزو العراق.

البعض يرى أن التحالف الدولي بقيادة واشنطن بإمكانه ردع الأطماع الإيرانية.. هل ذلك ممكن؟

- إيران تلبس عباءة الدولة الكبرى وهي عباءة واسعة وتفوق إمكاناتها، ولن تصمد أمام الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وسعت طهران إلى محاولة استغلال المواقف الراهنة في المنطقة، التي تشهد توترا واضطرابات وقلاقل لتصنع لنفسها دورا كبيرا يتخطى قدراتها.

إيران استغلت في فترات سابقة صمت وتخاذل دول أوروبية عدة إزاء مواقفها التي تتسم بالإرهاب، ثم انتفضت هذه الدول بعد تهديد مصالحها التجارية إثر احتجاز النظام الإيراني سفنا أوروبية في مناطق إستراتيجية، ما جعل الغرب يدرك الخطر الكبير لطهران ويبدأ في التخلي عن مواقفه المستفزة المحايدة نحو دولة تمثل خطرا داهما على الأمن والسلم الدوليين.

ماذا عن تهديد المصالح؟

- أعتقد أن التحالف الأوروبي وإن كان متأخرا، لكنه ضرورة لتوحيد مواقف دول القارة العجوز ضد إيران بعد حالة الانقسام بين هذه الدول تجاه الاتفاق النووي ورغبة البعض في الحفاظ عليه لجني أكبر أرباح مالية ممكنة، لكن عندما أدرك الأوروبيون أن الخطر الإيراني بات يهدد مصالحهم بشكل مباشر، تغيرت مواقفهم.

وهذه تندرج في إطار اللعبة السياسية العالمية، فكل طرف يوظف أوراقه ويستخدمها وقتما يشاء ووفقا لمصالحه.

أما التحالف الأمريكي فهو رسالة شديدة اللهجة من واشنطن ضد أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، بحسب وصف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ما يؤكد قوته وجديته ورغبته في أن يكون حائط صد قوي ضد أي محاولة من إيران في إثارة القلق والاضطرابات.

كيف ترى الدور السعودي في مواجهة الخطر الإيراني؟

- تبذل المملكة جهودا كبيرة في منع التدخل الإيراني بشؤون عدد من الدول العربية، خصوصا في المرحلة الراهنة، التي تشهد محاولات مضنية من نظام الملالي بوضع أقدام له في عدد من الدول العربية بانتهاج أسلوب تكتيكي يعتمد على زرع بؤر إرهابية، وبعد النجاح في تكوين ميليشيا «حزب الله» الإرهابي في لبنان، سعى بقوة لاستنساخ التجربة ذاتها في اليمن عن طريق ميليشيا «الحوثي»، ولولا دور قوات التحالف العربي بقيادة المملكة لتمكنت الميليشيات الانقلابية من تقسيم البلاد وتحويل جزء كبير منها إلى ولاية إيرانية.

أيضا انتبهت المملكة جيدا للمخطط الإيراني بإشعال منطقة الخليج بالفتن المذهبية، التي تأكل الأخضر واليابس وتؤجج الصراعات، ما يعني أن سقوط دول خليجية في المستنقع الطائفي كان حلما كبيرا يراود الإيرانيين، لكنه فشل نتيجة ليقظة المسؤولين السعوديين وأشقائهم في عدد من الدول المجاورة.

ويجب ألا تُترك المملكة وحيدة في مواجهة الخطر الإيراني، خصوصا بعدما ثبت بالدليل القاطع أن هذا النظام هو الداعم الأول لجماعات الإرهاب والتطرف.

هناك مسؤولية كبرى على دول أخرى تدرك تماما خطورة طهران على أمن المنطقة العربية عامة والخليجية خاصة.

هل هناك إطار زمني لانتهاء أزمات سوريا وليبيا واليمن؟

- هذه القضايا تحتاج إلى سياسة النفس الطويل من أجل التوصل إلى حلول، ووفقا للموقف الميداني فإن هذه القضايا شائكة جدا، في ليبيا الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر يتقدم نحو استعادة العاصمة طرابلس من قبضة الميليشيات الإرهابية، لكن استعادة الأمن والاستقرار في البلاد سيحتاج إلى أعوام، والقضية السورية معقدة بعد تدخل عدد من القوى الدولية والإقليمية فتحولت الأراضي السورية إلى حلبة منافسة بين هذه الأطراف.

ولم يكن يتوقع أي عربي أن يجلس مسؤولون من روسيا وإيران وتركيا على طاولة واحدة لتحديد مصير دولة عربية بدون وجود دولة عربية، وهي إشارة إلى التعقيد الذي وصلت له هذه الأزمة على وجه التحديد.

فيما الموقف في اليمن أكثر وضوحا، إذ إن التحالف العربي بقيادة المملكة يخوض معركة قوية وحقق انتصارات كبيرة بالتعاون مع الجيش اليمني والحكومة الشرعية ضد ميليشيات الحوثي.

وأتصور أن رفع إيران يدها عن اليمن مع الحيادية في المواقف الدولية، قد يسهم بشكل سريع في إنهاء الأزمة اليمنية.

ويجب ألا ننسى أيضا السودان، إذ إن استقرار هذا البلد العريق وإبعاده عن النزاعات المسلحة واستعاده استقراره ضرورة ملحة للأمن القومي العربي.

ماذا عن دور تركيا وقطر في إثارة الفوضى بالمنطقة؟

- تركيا أشد خطرا على المنطقة العربية من قطر، نظرا للدور التركي المؤثر في العالم قياسا بتواضع التأثير القطري مع عدم التقليل من حجم المؤامرات، التي دبرها نظام الحمدين ضد عدد من الدول العربية ودعمه جماعات الإرهاب والتطرف.

وقد رأينا الرئيس التركي أردوغان يلعب بكافة الأوراق من أجل مصلحة بلاده في عدد من المواقف والقضايا المثيرة للجدل، التي كادت تسقطه من موقعه.

وفي كل مرة يتضح خطورة الدور التركي ورغبته في إسقاط الوطن العربي في فخ الفوضى والخراب، ويظهر ذلك في دعمه واحتضانه قيادات جماعة الإخوان الإرهابية.

وقد يرى البعض أن الأتراك أكثر دهاء واحترافية من الإيرانيين في التدخل ونشر الفوضى، ويتضح ذلك من خلال النتائج، التي يحققها كل منهما في أزمات المنطقة.

تركيا ترسم سيناريوهات للفوضى بالمنطقة وتدفع بكافة أوراقها، لكنها في الفترة الأخيرة سقطت في أزمات داخلية وخارجية كبرى أفقدتها الكثير من حضورها. ونظام أردوغان في طريقه للتواري من المشهد السياسي شريطة أن تتكاتف دول المنطقة من أجل منع أنقرة وغيرها من اقتحام أزماتنا.

وأردوغان يمارس سياسة البلطجة دون رادع، ونحن نتساءل لماذا صمتت المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان على تصريحاته، التي قال فيها إنه «سيدفن الأكراد في سوريا».

أما عن أزمة الصواريخ بين تركيا وأمريكا، فالأزمة لا تزال تتعمق بعد أن اشترت أنقرة نظام الدفاع الصاروخي الروسي (إس-400)، ما دفع الولايات المتحدة لتعليق مشاركتها في برنامج مقاتلات (إف-35)، واستبعادها منه لاحقا بالكامل مع فرض عقوبات أمريكية بسبب الصفقة.

ويأتي العرض الروسي بإمداد تركيا بمقاتلات (سوخوي-35) ليزيد تعميق الأزمة بين أنقرة وواشنطن.

ودور قطر؟

- بالنسبة لقطر فبرأيي تعمدت خلال الفترة الماضية الدفع بتركيا لصدارة المشهد في الأزمات الراهنة، وسعت إلى محاولة تبييض صورتها وغسل سمعتها الملوثة من خلال الادعاء بنفي صلتها بالجماعات الإرهابية، وهو تكتيك لا ينطلي على الدول العربية، خصوصا المملكة ومصر اللتين تدركان المخططات القطرية للعبث بالأمن والاستقرار العربي.

وهناك تناغم وانسجام كبير بين النظام القطري وتركيا في عدد من القضايا، مثل دورهما في الأزمة الليبية بدعم وتمويل الميليشيات خصوصا في طرابلس، وهو ما فضحه الجيش الوطني الليبي.

ما أبرز التحديات الأخرى، التي تواجه استقرار الوطن العربي؟

- يظل الإرهاب من أهم التحديات التي تواجه الوطن العربي، وهو مشكلة تستنزف جزءا كبيرا من قدرات الدول.

ويجب أن نستعد بقوة لمواجهة مَنْ يتربص بنا عبر تكوين بؤر من التوتر تهدد الاستقرار.

هناك دول عربية تقدم معظم ثرواتها في مواجهة الإرهاب، في وقت يجب أن توجه فيه هذه المبالغ الطائلة إلى الاستثمار والتنمية، نحن نحتاج إلى رؤية عربية موحدة لمواجهة هذه التحديات.

ما تقييمك للتنسيق المصري السعودي في القضايا الراهنة؟

- بدون شك الرياض والقاهرة تبذلان جهودا كبيرة من أجل إرساء قواعد للعمل العربي المشترك، في مواجهة المؤامرات التي ظهرت خلال الفترة الحالية بشكل غير مسبوق، وتهدد الأمن والاستقرار.

لذا فإنه يجب الاقتداء بهذا التعاون والتكامل، كما أن ثقل المملكة ومصر يمنحهما القدرة على التأثير في القضايا المصيرية العربية والإقليمية والدولية.

وأتمنى أن يكون هناك تنسيق مشابه مع دول عربية أخرى.

قال وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي: إن الولايات المتحدة تستخدم النظام الإيراني كجزء من إستراتيجيتها في المنطقة، وأنها لو أرادت نسف إيران لفعلت، لكنها تخشى الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة خشية تكرار سيناريو العراق. وانتقد في ذات الوقت تأخر الأوروبيين في التصدي للخطر الإيراني بداعي الحفاظ على المصالح الاقتصادية، لكنه اعتبر اصطفافهم ضد الأطماع الإيرانية بعد احتجاز سفينة النفط البريطانية في مضيق هرمز خطوة لتقليم أظافر نظام الملالي. وشدد العرابي في حديث لـ«اليوم»، على أن المملكة تبذل جهدا كبيرا في التصدي لمؤامرات طهران ضد عدد من الدول العربية، خصوصا في اليمن الذي كان سيتحول إلى ولاية إيرانية، كما أنها أنقذت دول الخليج من فتنة مذهبية كبرى، كانت إيران تخطط لإشعالها لتأجيج خلافات وصراعات.. فإلى نص الحوار:

واشنطن تستخدم نظام طهران كجزء من إستراتيجيتها بالمنطقة

التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة رادع قوي لخطر الملالي

أردوغان يمارس سياسة البلطجة في ظل صمت المنظمات الدولية
المزيد من المقالات