خبراء: خفض التصنيف المالي يعكس انهيار المؤسسات التركية

خبراء: خفض التصنيف المالي يعكس انهيار المؤسسات التركية

خفضت وكالة «فيتش» التصنيف الائتماني لديون تركيا، في خطوة تأتي بعد حوالي أسبوع من إقالة أردوغان لمحافظ البنك المركزي، في خطوة وصفها مراقبون وسياسيون واقتصاديون بأنها تعبر عن استبدادية أردوغان وتفرده بالسلطة.

وقررت وكالة التصنيف الائتماني، الجمعة، خفض تصنيف الديون طويلة الآجل لتركيا إلى منطقة استثمارية غير مرغوب فيها «منطقة الخردة» (-BB) بدلاً من (BB) مع نظرة مستقبلية سلبية.

واستشهدت فيتش في قرارها بعزل محافظ المركزي التركي «مراد سيتينكايا» من منصبه واستبداله بنائبه «مراد أويصال»، مشيرة إلى أنه يسلط الضوء على عدم استقلالية البنك.

وأوضحت أن المخاطر تدمر الثقة المحلية الضعيفة بالفعل، ما يهدد تدفقات رأس المال الأجنبي الوافدة واللازمة لتلبية متطلبات التمويل الخارجي الكبير لتركيا ويؤدي لتدهور الوضع الاقتصادي.

وأضافت: إن تلك الخطوة تضاف إلى حالات عدم اليقين بشأن آفاق الإصلاحات الهيكلية وإدارة القطاع المالي العام.

وقال خبراء في الشؤون المصرفية والاقتصادية والسياسية لـ«اليوم»: إن خفض وكالة التصنيف المالي «فيتش» درجة الدين الائتماني لتركيا، مرفقة بآفاق سلبية، ضربة موجعة للاقتصاد التركي الذي يترنح منذ عدة شهور إثر الأزمات التي تمر بها تركيا، والتي أدت لانهيار المؤسسات الرسمية ما يعجل بسقوط نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي سيدفع ثمنا باهظا لتدخله في شؤون عدد من الدول العربية، والتعاون مع قطر وإيران واحتضان تنظيم الإخوان الإرهابي.



» خروج الاستثمارات

قال نائب مدير البنك العربي الأفريقي الدولي د. تامر ممتاز: النظام التركي بقيادة أردوغان ديكتاتوري فاشي ما يعني أنه نظام حكم الفرد، وهو أخطر ما يفقد ثقة أي مؤسسة اقتصادية أو مصرفية في أي دولة، إذ يؤكد ذلك انهيار كافة المؤسسات الرسمية في الدولة من بينها المالية والاقتصادية، كما يشير إلى أنها مؤسسات مسلوبة الإرادة ولا تمتلك حق اتخاذ قرارها، وتجلى ذلك في أبهى صوره بقرار إقالة حاكم المصرف المركزي التركي بمرسوم رئاسي في السادس من يوليو الماضي ما ترك أثرا سلبيا على الثقة الداخلية التي تعاني في الأساس من هشاشة كبيرة.

وأضاف: يؤدي هذا الحكم الديكتاتوري إلى خروج الاستثمارات الأجنبية من الدولة التي تحكم بالنار والحديد كما يحدث حاليا في تركيا، وتتوجه هذه الاستثمارات إلى الاقتصاديات الناشئة، كما أن العملة تنهار وهو أيضا ما حدث لليرة التركية التي كانت سترتفع في وجود العملة الصعبة التي كانت ستضخ في ظل وجود الاستثمارات الأجنبية لكن الليرة انهارت.

ويرى الخبير المصرفي د. تامر ممتاز أن بداية انهيار الاقتصاد التركي عندما أخذت العنجهية والغرور أردوغان وبدأ يتباهي أمام العالم بقوة اقتصاد بلاده وبقدرتها على مواجهة أية تحديات بينما هو اقتصاد ضعيف لم يصمد أمام الأزمات التي هوت به إلى الحضيض. وتوقع أن يؤدي انهيار الاقتصاد التركي إلى تأثيرات قوية على استمرار النظام السياسي التركي بقيادة أردوغان، خصوصا أنه سيواجه عقوبات اقتصادية محتملة بعد تورطه في عدد من المؤامرات والمخططات السياسية لهدم وتمزيق الوطن العربي على وجه الخصوص، لافتا إلى بداية الانهيار السياسي وقوة تركيا في المنطقة بسحب عدد من الدول الخليجية استثماراتها ووقف التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري مع أنقرة.



» صواريخ S400

ويرى مدير وحدة العلاقات الدولية بمركز سلمان زايد لدراسات الشرق الأوسط بالقاهرة إبراهيم مطر أن تركيا دخلت مرحلة ركود اقتصادي رسمياً هذا العام، وذلك مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني على التوالي، وبلغ انكماش الاقتصاد التركي 8% خلال عام 2019 بسبب التقلبات التي شهدتها البلاد وتراجع الليرة التركية وفقدان أكثر من ثلث قيمتها، وسط تقييمات للمؤسسات المالية الدولية تشير إلى أن القادم بالنسبة إلى العملة المحلية سيكون أسوأ.

وأضاف: قرار الرئيس التركي أردوغان بإقالة رئيس البنك المركزي مراد جتينقايا، لم يكن يبشر بآفاق إيجابية للاقتصاد التركي فسرعان ما انخفض سعر صرف الليرة وأيضا رغبة الرئيس التركي في إدارة الموارد المالية الوطنية بنفسه دون الرجوع لأحد، وسنجد أن وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية خفضت تصنيفها للديون السيادية لتركيا لأسوأ تصنيف بسبب تخفيض سعر الفائدة بالبنوك التركية والمصاحب لها هروب رؤوس الأموال الأجنبية وبالتالي زيادة العجز في الميزانية وتزايد الدين الخارجي.

وأشار مطر إلى أن هناك أسبابا اقتصادية وسياسية أيضا تجعل الاقتصاد التركي منهارا تماما وهي أن الأسواق المالية الخارجية، تنظر إلى تركيا بشكل متزايد على أنها عميل غير مناسب، وتغيير رئيس البنك المركزي بهذه الصورة يعزز هذا الرأي، وما زال قائما احتمال فرض عقوبات أوروبية على تركيا بسبب إصرار تركيا على استغلال حقول الغاز في المياه المتنازع عليها التابعة لشمال قبرص، وثمة تهديدات بعقوبات أمريكية نتيجة شراء تركيا أنظمة الصواريخ الروسية إس-400، كل ذلك يجعل الغيوم فوق اقتصاد تركيا المدمج بعمق في السوق العالمية.

ونوه خبير الشؤون التركية إبراهيم مطر إلى أن هناك تراجعا للاقتصاد التركي بسبب تراجع السياح السعوديين هذا العام عن منتجعات تركيا وشواطئها وتغيير وجهتهم السياحية أيضا الأمر لم يقتصر على السياحة، بل امتد للمواد الاستهلاكية وقطاع العقار التركي، فسجلت مبيعات العقارات من الملاك السعوديين في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2019 ارتفاعا ملحوظا مقارنة بالفترة نفسها العام الماضي، وهذا ما يؤكد أن الاستثمار التركي غير موثوق من قبل الشعب السعودي وهذا يعني أن سوق العقارات التركي يواجه هروبا من المشترين السعوديين.

وفسر مطر أن من ضمن الأسباب القوية أيضا لانهيار الاقتصاد التركي عجز ميزان المعاملات الجارية لتركيا الذي بلغ 2 مليار دولار، وبلغ عجز ميزان المعاملات الجارية لتركيا 37.633 مليار دولار عام 2019 أيضا بالوقت ذاته إعلان اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية عن ارتفاع معدل البطالة بنحو 0.7 نقطة الماضي ليبلغ 15% وهذا يشير إلى ارتفاع معدلات البطالة في المدن بمرور الوقت، ووصل إجمالي عدد العاطلين عن العمل نحو 5 ملايين عاطل أضف إلى ذلك قفز إجمالي الديون التركية إلى 121% من الناتج المحلي الإجمالي.



» قرار متوقع

علق الخبير الاقتصادي المصري رشاد عبده على تخفيض التصنيف الائتماني لتركيا بقوله: أمر متوقع في ظل سياسات أردوغان الجنونية التي تستهدف صناعة خلافة عثمانية يحقق بها أمجادا شخصية على حساب بلاده وشعبها، وحول المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية للاقتصاد التركي إلى خسائر.

وأضاف: إن اتساع دائرة خصومه السياسية خلال الأعوام الأخيرة في الداخل والخارج، أثر سلبا على الأوضاع الاقتصادية لبلاده، كما سيتسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية في مزيد من تدهور الأوضاع السياسية.

وأكد أن عزل أردوغان لمحافظ البنك المركزي التركي مراد جتينقايا، ليحل محله نائبه مراد أويصال، هو قرار كارثي بكل المقاييس، إذ تحظى البنوك المركزية في العالم باستقلالية ولا يجوز التدخل في أعمالها، مشيرا إلى أن أردوغان عبر مرارا قبل إقالة «قايا» عن استيائه من قرارات الأخير ومارس ضغوطا على البنك المركزي لتخفيض سعر الفائدة بمزاعم إنعاش الاقتصاد، وهو ما رفضه البنك المركزي.

ورأى «عبده» أن استمرار أردوغان في سياساته، ينذر بمزيد من التراجع الاقتصادي لتركيا، متوقعا إقرار الولايات المتحدة عقوبات على تركيا، على خلفية إصرار الأخيرة على استيراد منظومة الدفاع الروسية «إس 400»، مؤكدا أن العقوبات الأمريكية والتي سبق وحذرته منها واشنطن ستعمق جراح تركيا الاقتصادية أكثر وتدفعها لمزيد من الانهيار.

وتابع: «ليس من المنطقي أن يسعى رئيس دولة لإجراء»انقلاب وهمي«في بلده لاعتقال خصومه والزج بنحو 100 ألف من كبار رجال الدولة والجيش ورجال الأعمال في السجون، بل واستمرار تلك الممارسات القمعية على الرغم من مرور ثلاث سنوات على هذا الانقلاب الوهمي».

واستطرد: أردوغان خسر أيضا كافة أصدقائه، الذين كانوا سببا في إنجازاته السابقة، وفي مقدمتهم دول الخليج خاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، باعتبارهما مصدرين هامين للسياحة إلى تركيا، وأيضا مستقبلين كبيرين لصادراتها السلعية، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، بسبب مساعيه للتنقيب عن الغاز في منطقة نفوذ قبرص بالبحر المتوسط.



» نكسة اقتصادية

ورأى الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس، أن تراجع التصنيف الائتماني لتركيا والذي أعلنت عنه «فيتش»، يرجع لما ألم بالاقتصاد التركي من تراجعات خلال العامين الأخيرين، مؤكدا أن ممارسات الرئيس التركي كانت سببا رئيسيا في خسارة الليرة أكثر من 30% من قيمتها خلال العام الماضي، ونحو 12% خلال العام الجاري 2019.

وأضاف: كما ارتفعت معدلات التضخم بشكل كبير، ودخل الاقتصاد التركي مرحلة ركود منذ أواخر العام الماضي للمرة الأولى منذ 10 سنوات، وارتفعت معدلات الفائدة في البنوك، ما ترتب عليه زيادة أسعار المنتجات وتكاليف الواردات، وتباطؤ الطلبات واستمرار الضغوط التضخمية.

وأوضح النحاس، أن انهيار القيمة السوقية للعملة التركية تسبب أيضا في زيادة تكاليف الواردات ما ترتب عليه زيادة سريعة في أسعار المنتجات والتباطؤ بقطاع الإنتاج، مشيرا إلى أن التباطؤ بقطاع الإنتاج، تسبب أيضا في تسريح نسبة كبيرة من العمالة، إذ رصد تقرير لمؤسسة التشغيل والتوظيف التركية قبل بضعة أشهر مليون عاطل عن العمل في تركيا خلال 6 أشهر فقط.

وأشار إلى أن مؤشر الإنتاج الصناعي انخفض مطلع 2019 بنسبة 5.1%، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، مشيرا إلى أن مؤشر القطاع الصناعي يحظى باهتمام واسع من قبل متعاملي الأسواق المالية لأنه يعكس مدى قوة الاقتصاد الكلي للدولة، فعندما يرتفع الإنتاج وتتعدد الصناعات المختلفة يرتفع المؤشر الصناعي ويشير هذا إلى أداء جيد للاقتصاد.

كما أشار النحاس إلى أنه وفقا لتقرير نشره مركز الأخطار في اتحاد البنوك التركي، فإن عدد الخاضعين للملاحقة القانونية بسبب ديون بطاقات الائتمان الفردية، وصل في أول شهرين من العام الحالي إلى 176 ألف شخص، مرتفعًا بنسبة 15% عن العام الماضي 2018 فيما وصل عدد الخاضعين للملاحقة القانونية بسبب القروض الشخصية في الفترة نفسها إلى 212 ألف شخص مرتفعًا بنسبة 40%.

كانت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية خفضت تصنيفها للديون السيادية لتركيا من (BB) إلى (BB-) مع نظرة مستقبلية سلبية، في بيان أشار إلى أجواء من «تراجع استقلال المؤسسات، وكذلك مصداقية وتماسك السياسة الاقتصادية». وأضافت «فيتش»: إن إقالة أردوغان حاكم المصرف المركزي يمكن أن يكون له تأثير سلبي على الثقة الداخلية الضعيفة أساساً، وأن يعرض للخطر تدفق رؤوس الأموال الأجنبية اللازمة لتركيا لتمويلاتها الخارجية وسيعزز الشكوك في آفاق إدارة المالية العامة والإصلاحات الهيكلية. وأشارت الوكالة أيضاً إلى أن تركيا يمكن أن تعاني من عقوبات اقتصادية بعد تسلمها منظومة الصواريخ الروسية «إس-400».