الخميس: إحساس المبدع ببلوغ القمة يقود تجربته للانكماش

أول فائزة سعودية بجائزة نجيب محفوظ

الخميس: إحساس المبدع ببلوغ القمة يقود تجربته للانكماش

قالت الروائية أميمة الخميس: إن إحساس المبدع بالوصول إلى القمة خطر يجعل تجربته تنكمش، كما يجعله يستجيب للقانون الكوني الذي يشير إلى أنه بعد كل صعود، هناك حال تقهقر وانحدار، وذلك بعد فوزها كأول سعودية بجائزة نجيب محفوظ للرواية، وصعود روايتها «مسرى الغرانيق في مدن العقيق» إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية.

» قوالب السرد


الفوز بجائزة نجيب محفوظ في الرواية، والصعود للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية للمرة الثانية، إنجازان كبيران تحققا في فترة قصيرة، كيف ينعكس ذلك على حياتك الإبداعية؟

- هي نفس العلاقة بين الطارئ والدائم، بين المنزل ومحطة نقف عندها لنستمتع بينابيعها ونوافيرها، قبل أن تستبد بنا أشواق العودة إلى المنزل مرة أخرى.

الرواية تجعل الكون من حولنا صلصالًا ساخنًا متقدًا بحاجة إلى عملية التشكل والتخلق، وسكب المصهور في قوالب السرد، وعندما تباغتنا جائزة في أحد المنعطفات، حتمًا سوف نبتهج وننشغل وستبعثرنا الأصوات والأضواء، ولكن حتمًا ستأتي في النهاية أمسية يهدأ فيها كل شيء، ونعود إلى صلصالنا الساخن الذي يفور بالأصوات والحكايات.

» وعاء رئيسي

قلتِ إن الرواية هي الصيغة الأكثر نضجًا في مسيرة الإبداع، فماذا قصدت بذلك؟

- لربما ارتبطت هذه المقولة بعلاقتي الشخصية بصناعة الرواية، واختيارها وعاء رئيسًا لينابيعي السردية، ولربما بدأ مع صعودي من مرتبة الشعر، الذي كانت كمية البوح والافتضاح فيه محتدمة إلى الدرجة التي جعلت الصبية التي تقترف الشعر، تتقهقر وتلوذ بالخباء، ولأن الكتابة عادة لا نختارها بل هي تختارنا وتسوقنا وتدفع بنا إلى السبل الغامضة غير المطروقة، فبعد الشعر، وصلت مع الكتابة إلى محطة القصة القصيرة، والتي استطعت من خلالها أن أزور الأماكن التي أريد وأضع على لسان الشخصيات ما طاب لي، بينما أظل أنا كامنة لائذة بأمان الخدر.

ولم يمض وقت طويل قبل أن تفضي بي دروب الكتابة إلى قلعة الرواية، حيث هيكلها الشاسع وغرفاتها المتعددة، وشرفاتها التي تطل على الشعر والمسرح والسينما معا، فاكتشفت عندها أن كتابتي السابقة لم تكن سوى دوزنة على آلات موسيقية بسيطة، قبل أن أصل إلى سيمفونية الرواية الكبرى.

» صيغة وعظية

أنت نموذج واضح على الطفرة غير المسبوقة التي طرأت على الرواية السعودية في السنوات الأخيرة، فما أسباب تلك الطفرة في رأيك؟

- في مرحلة ما من النتاج المحلي، قامت الرواية بعدد من الأدوار تتجاوز دورها الإبداعي والجمالي، فتحولت إلى منشور اجتماعي، أو رواية ذات صيغة وعظية خطابية، وأحيانا ترهلت بالكثير من الأيديولوجيات والشعارات، وكأن الكثير اكتشف فيها منصة للبوح بالمضمر والمسكوت عنه.

وأيضا القلم النسائي وجد في البنية السردية للرواية مساحة لاكتشاف الذات والأنا المغيبة، فعبر التاريخ كان الحضور الأنثوي غائبا ومهمشا داخل المدونة التاريخية، كان هناك من يقول عنها، أو يضع الكلمات على لسانها، بشكل يحافظ على تراتبية الأدوار داخل الهيكل الاجتماعي، فكانت الرواية هي مواربة لتلك البوابة المصمتة التي مرق منها القلم النسائي ليقول عبرها الكثير من المتواري والمغيب، والذي قد لا يكون بالضرورة يحمل أبعادا فنية وجمالية تستجيب للشروط الإبداعية للرواية. بالطبع وسط هذا الطوفان الروائي ظهرت العديد من الأعمال المتميزة، والتي تجاوزت المحلية، وانتقلت إلى سياقها العربي والعالمي.

» الزمان والمكان

تعاملتِ مع التاريخ لأول مرة في رواية «مسرى الغرانيق في مدن العقيق»، ورغم ذلك كان الواقع المعاصر حاضرًا بقوة في الرواية، كيف صنعتِ هذه الجديلة الإبداعية بين الماضي والحاضر؟

- في كل مجتمع يوجد مكون ثقافي حاضر وطاغ ولا يخضع للصيرورة الزمنية في التبدل والتغير، فيبقى سمة بارزة لهذه الثقافة، فقط يتنكر ببعض الأردية بما يتوافق مع الزمان والمكان، ومن هنا يصبح التاريخ دائرة مغلقة على ذاتها تستعيد تفاصيلها بلا انقطاع.

ومن هنا حاولت الرواية أن تستنطق هذه السمات الثقافية عبر النبش في صناديق إرث تاريخي هائل ومهمل يحيلنا في جله إلى حواضن لامتناهية للفكر النقلي المتشنج ضد الآخر.
المزيد من المقالات
x