إيران حولت العراق إلى بؤرة «غسيل الأموال» وممر للمخدرات

إيران حولت العراق إلى بؤرة «غسيل الأموال» وممر للمخدرات

الاحد ٢٣ / ٠٦ / ٢٠١٩
بعد 16 عاما على سقوط نظام صدام حسين على يد الاحتلال الأمريكي، تغيّر وجه العراق، وباتت إيران وميليشياتها يسيطرون على البلاد، في وقت يأكل فيه الفساد ثروات بلاد الرافدين التي عادت بفعل ذلك إلى الخلف أكثر من نصف قرن، ووسط هذا الفساد واقتصاد شبه منهار وتراجع صناعة النفط إلى الحضيض، أخذ الفقر والأمية والجهل والطائفية تتسيد المشهد.

وشهدت البلاد تغييرات ديموغرافية، بينما تمارس الميليشيات الطائفية السلطة بغياب شبه كامل لأي دور للحكومة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

وسط هذا الواقع شدّد السفير العراقي السابق في باريس د. غازي فيصل، على ضرورة توطيد علاقات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني بين العراق والمملكة، في مواجهة الإرهاب بما تملكه الرياض من قدرات حيوية في مختلف المجالات.

وأوضح السفير أن الحل الجوهري لمشكلتَي العراق السياسية والاقتصادية، يتمثل في إجراء تحوّلات جذرية شاملة في بنية وهيكلية ووظيفة النظام السياسي ضمن إطار دستور مدني لدولة المؤسسات والحقوق والتوزيع العادل للثروة، وتحريره من النفوذ الإيراني العسكري والاقتصادي.. فإلى تفاصيل الحوار.

هل هناك فصيل يحمل مشروعًا وطنيًا لمواجهة التحديات التي تواجه العراقيين، خاصة أننا لا نرى سوى قوى سياسية تبحث عن مصالحها؟

ـ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، اجتاحت المشهد السياسي مجموعة من الأحزاب الدينية بجانب عدد من الأحزاب المدنية المحدودة، وطبقًا للتعددية السياسية التي أتاحها دستور 2005، حيث تأسس أكثر من 371 حزبًا وحركة سياسية، كما تم الإعلان عن تشكيل 11670 منظمة من منظمات المجتمع المدني.

وبرزت واحدة من الإشكاليات المتمثلة بعدم امتلاك الأحزاب المذهبية نظرية سياسية للدولة ونظرية اقتصادية تضع الأسس لإستراتيجية بناء دولة ديمقراطية مدنية تضمن الحقوق والتوزيع العادل للثروة طبقًا لدستور 2005.



ماذا جرى إذًا؟

ـ أدى التفكك الاجتماعي والسياسي والفساد المالي والسياسي إلى صعوبة ظهور أحزاب سياسية وطنية لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والانتقال نحو نظام ديمقراطي لدولة المؤسسات.

ومع ذلك تستطيع القوى الوطنية في داخل وخارج العراق -حيث ينتشر اليوم أكثر من 3.5 مليون عراقي في 64 بلدًا- عقد العديد من المؤتمرات السياسية والثقافية لكشف حقائق ما يُرتكب من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، وللدفاع عن حق الشعب العراقي في اختيار نُظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ضمن إطار دولة مدنية، وإبعاد الأحزاب الدينية المرتبطة بأجندة ولاية الفقيه الإيرانية.

ألا تعتقد أنه بات من الضروري تشكيل تيار سياسي يتجاوز الواقع المزري؟

ـ أتفق معكم تمامًا على ضرورة العمل بجدية وفي إطار دستور 2005، لتشكيل تيار سياسي وطني يطرح إستراتيجية وطنية للتنمية الشاملة، وإعادة بناء البنية التحتية، وتبنّي سياسات للسلام والأمن والاستقرار الإقليمي، ونبذ إستراتيجيات الحروب والعنف والتوسّع، التي تروّج لها ولاية الفقيه في إيران، وبما يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

والحروب كلفت العراق منذ عام 2003 أكثر من مليون ضحية بين قتيل ومعاق ودمار البنية التحتية، وانتشار الفقر والبطالة والتخلف والمخدرات والأمراض.

وتشكّل جميع هذه التحديات الخطيرة دافعًا قويًا للتنسيق والعمل المشترك لتأسيس تيار وطني مناهض للعنف والحرب ولثقافة الكراهية والتمييز المذهبي.

وأيضًا أي تيار وطني معارض للعملية السياسية، التي رهنت مستقبل ومصير العراق بولاية الفقيه والعمل على تحريره من الإمبريالية الإقليمية الإيرانية.



كيف يمكن الخروج من المأزق العراقي؟

ـ يفترض العمل بجدية لبلورة تيار وطني لوضع حلول جدية لإنقاذ العراق من الهيمنة الإمبريالية الإقليمية الإيرانية وشبكات الجريمة المنظمة الممتدة من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وإسطنبول وغيرها من العواصم، حيث العراق اليوم وفق تقرير الشفافية الدولية البلد الأول بالعالم في مجال تبييض الأموال، وهو أيضًا واحد من بين عشر دول في العالم الأكثر جريمة، حيث ينعدم الأمن بجانب انتشار المخدرات والأمية وتجارة الجنس والأعضاء البشرية.

هل مطلوب شيطنة السّنة مقابل تسهيل التوسع الفارسي؟

ـ نعم، تعرّض المجتمع العراقي بعد 2003 إلى تمييز مذهبي خطير، أخذ أشكالًا عنصرية على صعيد الوظائف والحقوق، كما شهدت أعمال العنف التي اجتاحت العراق في عام 2006 من تصفيات جسدية وحروب إبادة على أساس التمييز المذهبي وتعرّض الإنسان للإبادة على أساس الهوية والاسم.

وتركت المدن والقرى السنية بدون حماية أمنية أو الحق في التسلح الذاتي، إضافة لانسحاب الجيش والشرطة من المناطق الغربية عام 2014؛ مما سهّل اجتياح داعش الإرهابي لهذه المناطق والإعلان عن تأسيس دولة الخلافة المزعومة، مما قدّم المبررات الخطيرة لتدخل الأجهزة الإيرانية بالشؤون السيادية والأمنية الدفاعية للعراق.

هل هناك استغلال سياسي لهذه المسألة؟

ـ تنطلق من بعض النواب في البرلمان والقيادات الحزبية المتطرفة تصريحات وتعميمات غير مسؤولة تتهم الناس في المدن العراقية ذات الأغلبية السنية بأنهم حاضنون للإرهاب؛ مما يخلق ويؤجّج الصراعات الاجتماعية بدلًا من البحث عن حلول جدية لتصفية العوامل والأسباب المولدة لظاهرة الإرهاب، خصوصًا المشكلات الاقتصادية وانتشار الفقر والتمييز المذهبي والاعتقالات العشوائية والتعذيب خارج إطار سلطة القضاء والإجراءات الدستورية.

لذا يُفترض بذل الجهود لإعادة بناء الثقافة السياسية وفق المبادئ والقيم الوطنية بما يرسّخ التعايش والتسامح والشراكة الاقتصادية والسياسية ونبذ العنف والإقصاء والتهميش وترسيخ أسس دولة المواطنة وليس المكوّنات الطائفية المذهبية المتطرفة المرتبطة بأجندات إقليمية.

وذلك لأن العراق لن يتحرر بدون تحرير أبنائه من ثقافة التخلف والخرافات والثيوقراطية، التي تنشرها أدوات ولاية الفقيه عبر تكريس التخلف والجهل والأمية، التي شملت 7 ملايين إنسان عراقي.

هل باتت الحكومة العراقية ومؤسساتها غطاء للميليشيات؟

ـ نعم، إن التداخل بين الأحزاب، التي احتكرت السلطة والميليشيات المسلحة واسع جدًا، خصوصًا في مجال توزيع المناصب والمسؤوليات في مجلس النواب ومجلس الوزراء، كما توفر الميليشيات المسلحة حماية لطبقة الفساد المالي من السياسيين والشركات وتهريب النفط، الذي يتجاوز 300 ألف برميل يوميًا فقط من البصرة. فالميليشيات المسلحة تمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وإسطنبول وأن إيران حوّلت العراق إلى بؤرة لتبييض الأموال، الذي يحتل اليوم الموقع الأول وفق تقرير الشفافية الدولية، إضافة لاستخدام إيران كسوق وكممر للمخدرات باتجاه الشرق الأوسط.

إضافة للسيطرة على المنافذ الجمركية والمطارات والاستحواذ على عمولات العقود مع الشركات من خلال المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب في الوزارات العراقية ومجالس المحافظات.

بمعنى آخر، يوجد تحالف وثيق وتواطؤ مشترك بين شبكات الفساد المالي والإداري عبر توفير حصانات متقابلة؛ مما حوّل القضاء إلى أداة تحت سطوة شبكات الفساد المالي والميليشيات، التي تستحوذ رسميًا على 2 مليار دولار سنويًا من الميزانية، إضافة للمصادر الأخرى.



كيف يمكن تجاوز الواقع مع إنتاج أجيال من الهامشيين والأميين والفقراء والنازحين؟

ـ العراق من البلدان الغنية بثرواته، التي تقدّر بـ15 تريليون دولار، وعلى الرغم من الدور الإيراني الخطير في التحكم بالاقتصاد العراقي، وانتشار الفساد المالي بين الأحزاب والمسؤولين برعاية إيرانية، حيث أنفقت الحكومات العراقية 600 مليار دولار بدون إيصالات، كما بيّن النائب عادل نوري رئيس لجنة النزاهة في تقرير مفصّل لمجلس النواب، وفقدان 206 مليارات دولار في مشاريع وهمية بلغت 90 ألف مشروع.

وكذلك ما ارتكب من جرائم وحروب بحق الشعب، وتبذير أكثر من تريليون دولار مع ارتفاع البطالة لـ 36% ووجود 40% تحت مستوى خط الفقر وانتشار المخدرات بين 6 % من السكان وتكريس النظام الاستبدادي الشمولي المذهبي، الذي عرض ويعرّض الأمن والاستقرار للتهديدات، بجانب انعدام العدالة وتعطيل دور القضاء في مواجهة الفساد المالي، وانتشار الجريمة والجريمة المنظمة، مما يستوجب تدخّل مجلس الأمن الدولي لإحالة الطبقة السياسية الفاسدة لمحكمة الجرائم الكبرى طبقًا للقانون العراقي، الذي يعتبر الفساد المالي جريمة مُخلة بالشرف وخيانة للوطن.

مضى على تشكيل الحكومة العراقية أكثر من 6 أشهر، فكيف يمكن أن تعالج حكومة بهذا القدر من العجز مشكلات العراقيين، أم أن ذلك واقع تفرضه الميليشيات وإيران لتكريس غياب الدولة؟

ـ إن العجز عن استكمال الحقائب الوزارية خصوصًا الدفاع والداخلية، يُثير علامات استفهام كبرى حول عجز الأحزاب والتحالف عن تحقيق التوافق لتوزيع الوزارات السيادية وتلبية حاجات المواطنين وضمان الأمن.

لكن، كما يبدو، فإن الصراعات على المصالح المالية والنفوذ تشتد بين الأحزاب والقيادات، وهو ما يعرّض الحياة السياسية لشلل كبير بجانب التدخل الواسع للأجهزة الإيرانية في تكليف الحقائب الوزارية والمناصب السيادية والتدخل بشؤون الجيش والشرطة والقوات المسلحة عمومًا، وتحويل العراق إلى ساحة للمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أين ثروات العراق ومَنْ يسيطر عليها؟

ـ استطاع العراق بناء قاعدة للصناعات الثقيلة والخفيفة في مجال البتروكيماويات والمشتقات النفطية والكبريت والفوسفات والحديد والصلب وصناعة الشاحنات والتركتورات، إضافة لتطور الصناعات العسكرية.

وبعد عام 2003، منعت إيران الوزارات المختصة من إعادة بناء القاعدة الصناعية، لكي تحوّل العراق إلى تابع اقتصادي لاستيراد السيارات والأجهزة والعدد وغيرها من الصناعات الاستهلاكية، ويقدّر حجم ما يستورده العراق من إيران عام 2018 بـ12 مليار دولار، واتفق البلدان إلى رفعها لـ20 مليار دولار عام 2019، مما قد يشكّل مخالفة صريحة للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

كان العراق عام 2003 مكتفيًا غذائيًا، لكنه اليوم، وبسبب الإهمال الكامل للاقتصاد الزراعي وأنظمة الري، فإن العراق يستورد أكثر من 92 % من حاجاته الغذائية من إيران؛ مما يرفع من معدلات البطالة والفقر بين الفلاحين، ويعرّض الأمن الغذائي لمخاطر التبعية للاقتصاد الإيراني والحاجة لاستيراد الكهرباء والغاز من إيران، في وقت تبلغ فيه كلفة الغاز المحروق في البصرة 2.5 مليار دولار.

إضافة لما تقدّم، وطبقًا لتقارير تسرق إيران النفط من حقول مجنون في الجنوب بما قيمته 17 مليار دولار سنويًا، وتعود لتصديره كمشتقات نفطية بالأسعار السائدة في السوق.

إذًا لابد من تحرير الاقتصاد العراقي من الهيمنة الإمبريالية لإيران، ضمن إطار إستراتيجية ولاية الفقيه التوسعية عبر إشعال الحروب الإقليمية.

ما هو واقع التعليم في العراق مع تمجيد الفكر الميليشياوي والظلامي؟

ـ يفتقد التعليم في العراق لأبسط المقومات لبناء قاعدة رصينة في مجال التربية والتعليم، حيث سحبت منظمة اليونسكو اعترافها بالشهادات الجامعية العراقية لعدم تطابقها مع المواصفات والمعايير الدولية، كما تدنت مستويات وكفاءة التعليم بالمدارس العراقية التي شهدت تغييرًا في المناهج، بما ينسجم مع سياسات التمييز الطائفي وترسيخ مفاهيم الكراهية وثقافة العنف في كتب التاريخ، في وقت تحتاج فيه مجتمعاتنا لنشر ثقافة التسامح والحرية الدينية والانفتاح نحو مستقبل مشترك.

وأيضًا تحتاج وزارة التربية لبناء أكثر من 11 ألف مدرسة لسد الحاجة الملحّة للزيادة السكانية، كما ارتفعت الأمية لتطال 7 ملايين إنسان.

ألا تعتقد أنه يتوجب على العرب لعب دور أكثر فعالية ليعود العراق إلى مكانه.. وكيف تنظرون إلى دور المملكة العربية السعودية؟

ـ أعتقد أن الحكمة والعقلانية تفرض اتباع سياسة خارجية عراقية متوازنة مع دول الجوار، ورفض سياسة التبعية والانحياز لطهران بدوافع سياسية ومذهبية.

لذا يبدو من المهم توطيد علاقات التعاون الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية في مواجهة الإرهاب بين العراق والمملكة، بما تملكه الرياض من قدرات حيوية في مختلف المجالات، إضافة لتوثيق العلاقة مع الكويت والبحرين ودولة الإمارات العربية وسلطنة عُمان، وأيضًا تشكّل جمهورية مصر العربية دولة عربية مهمة للتعاون والشراكة الاقتصادية مع العراق؛ مما يوفر فرصة حقيقية لبناء فضاء للأمن والسلام في الشرق الأوسط والخليج العربي.